عندما تتجدد مفاوضات الصومال و"صومالي لاند"

21 يونيو 2020
الصورة

صومالية مشتبه بإصابتها بكورونا إلى المستسفى بمقديشو (29/3/2020/فرانس برس)

بين الشدّ والجذب، انطلق قطار المفاوضات بين الصومال وجمهورية ما تسمى أرض الصومال في جيبوتي، برعاية من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي، الذي يوصف بأنه رجل القضية الصومالية، وهو الذي يواجه في هذه الأيام غضباً شعبياً داخلياً. وتجمع المفاوضات بين أطراف صومالية للمرة التاسعة، وتبدو في جوهرها فارغة المضامين والمبادئ، فهي بمثابة خناق بين عنزتين على سفح الجبل، يدور بينهما سجال لا ينتهي، سوى البقاء على حلقات ودوائر لا بداية ولا نهاية لها.
أكثر من ثلاثة عقود، وإدارة أرض الصومال تبحث عن استقلال شؤونها السياسية ودولة معترف بها دولياً وإقليمياً، ولكن البادي أن هذا الحلم يتبدد ويتضاءل مع مرور السنوات والعقود، بسبب عدم توافر بعد دولة صومالية فعالة في ما بقي من الجغرافيا الصومالية، فاستمرار حالة الدولة الضعيفة يُبقي قضية "صومالي لاند" تراوح مكانها، إذا لم تجد قريباً مخرجاً يخلصها من شرك الوحدة مع الجنوب الصومالي، بعد سنوات من بقائهما تحت الاستعمار الأوروبي الذي قسّم الصومال إرباً منذ اتفاقية برلين عام 1884 التي فكّكت هذا البلد الأفريقي إلى محمياتٍ تستعمرها وتتقاسمها الدول الأوروبية، وعلى إثرها قسّم الصومال فرنسياً وإيطالياً وإنكليزياً وإثيوبياً.
شهدت المفاوضات بين حكومة أرض الصومال والطرف الصومالي (حكومة مقديشو) منعرجات 
عدة ومراحل كثيرة، ولكل مرحلة تحدياتها، وسجالاتها بين المفاوضين. كذلك حاولت دول كثيرة حلحلة الأزمة السياسية بين الأشقاء، ومنها جيبوتي وتركيا والإمارات، لكن كل تلك الجهود لم تفلح، حتى في تقريب وجهات النظر والخلافات، بل زادت الهوة اتساعاً والشرنقة تباعداً بين الصوماليين، وهو ما يجعل كل مفاوضات بينهما مستقبلاً محكومة بالإعدام قبل أن تبدأ، لأسباب عدة.
عدم توافر قناعات لدى الطرف الشمالي (صومالي لاند) بأن هناك دولة صومالية استعادت سيادتها وشرعيتها، وتحاول تذليل صعوباتها وتحدياتها الأمنية والسياسية. تعنت إدارة أرض الصومال بمبدأ الانفصال، أولاً وقبل كل شيء، لا يمكن النقاش في مسائل أخرى من دون التطرق إلى هذا الملف الشائك بالنسبة إلى إدارة مقديشو. عدم توافر رؤية سياسية لدى الطرف الثاني من الخصم، بدل البكاء على أطلال الوحدة وفلسفات مفادها بأن مكمن القوة والعزة في إطار الوحدة وعدم تفكيك الأراضي الصومالية. إلى جانب غياب كفاءات صومالية سياسية تقدر على إقناع الشماليين (إدارة هرجيسا) بالعدول عن مبدأ الانفصال، وتمدّ يدها لمصافحة شقيق، جنى هو الآخر حصته من ظلم سياد بري الذي دفع الشماليين إلى إعلان طلاق أحادي الجانب منذ عام 1991.
ستمثل كل تلك الأسباب وغيرها حجر عثرة أمام أي مفاوضات قادمة بين الصوماليين، سواء في الشمال والجنوب، فعدم توافر رغبة حقيقية في حل الأزمة بين الأطراف الفاعلة في المسألة تجعل المفاوضات شاقّة، ولا يمكن أن يتحقق سيناريو انفصال الجنوب إلا بوجود إدارة صومالية في الجنوب، لها قناعة راسخة بأن الوحدة ليست وحدها سبيلاً للحفاظ على اللحمة بين الشمال والجنوب، بقدر أن الانفصال ليس مردّه تفكيك ما بقي من الصومال، لكنه سيحمل تداعيات خطيرة على النسق الاجتماعي في "صومالي لاند"، ويفتح جبهات داخلية بين القبائل المهيمنة على السلطة، وأخرى ظلت تجاهر منذ عقود للحصول على حقوقها السياسية، أو تعاني من تظلم سياسي واجتماعي، وهذا ليس خافياً على المشهد السياسي والاجتماعي في "أرض الصومال".
ما كان لافتاً في المفاوضات التي جمعت الأطراف الصومالية، بروز الدور الإثيوبي الضاغط فيها، وخصوصاً إدارة "أرض الصومال" التي لها علاقات جيدة مع أديس أبابا، على عكس مقديشو، حيث كان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، اللاعب الرئيس في الكواليس، لدفع الفرقاء الصوماليين إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، للتوصل إلى نتائج إيجابية، وذلك ضمن استراتيجية وسياساته للحد من التوترات والنزاعات الجغرافية في منطقة القرن الأفريقي، وهو ما أكسبه شعبيةً جارفة داخل إثيوبيا، ومنحه جائزة نوبل للسلام، بناءً على جهوده في التوفيق والصلح بين أديس أبابا وأسمرة، ومقديشو أيضاً. فهل تنجح وساطة آبي أحمد لتوحيد الصومال مجدّداً أو فصل الشمال عن جنوبه ؟ علماً أن هناك نظريات مؤامرة دفينة وشكوك بشأن نيات آبي أحمد، وخصوصاً بالنسبة إلى ممارسة تمزيق ناعم لصومال مفكك أمنياً وسياسياً.
وقد برز واضحاً دور السفير الأميركي لدى مقديشو، دونالد يماموتو، في المفاوضات أخيراً، حيث 
أجرى لقاءاتٍ موسعة مع كل من الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو، ورئيس أرض الصومال موسى بيحي، لإقناعهما بالذهاب إلى جولة مفاوضات جديدة، لاحتواء فتيل التوترات والتراشق الإعلامي والتصريحات المتبادلة، وجديدها بيان خارجية أرض الصومال الذي حمل نبرة غضب واسعة خارجة عن العرف الدبلوماسي، رداً على تصريحات وزير خارجية الصومال أحمد عيسى عوض، عن علاقات بلاده مع الإمارات المتدهورة، وانتهاكات شركة موانئ دبي في المياه الصومالية، ولكن ليس من شأن جلوس الأطراف الصومالية حول طاولة المفاوضات أن ترسخ دعائم تفاهم ووفاق بين الجانبين، بوجود الأسباب الآنفة.
ما أبعاد الدورين، الإثيوبي والأميركي مستقبلاً على نجاح وساطتهما في الوفاق بين الأطراف الصومالية في المفاوضات المقبلة، علماً أن الولايات المتحدة ساهمت كثيراً في انفصال جنوب السودان عن شماله، فهل هذا السيناريو وارد في المسألة الصومالية، أم أن خيار الوحدة يبقى طاغياً وطافياً حول مصير الإدارتين جنوباً وشمالاً ومستقبلهما؟ مع وجود من يرون أن توافر شحنات سلبية ونقاط خلاف سيضعف فرص توافق بين الفرقاء.
يرى متابعون كثيرون أن حلّ الأزمة بين الأشقاء لن ينتهي من دون التوصل إلى حلول جذرية لمسببات الأزمة الراهنة، التي يرتكز أساسها على تظلم اجتماعي من النظام العسكري السابق سياد بري، الذي لم يقتصر بطشه العسكري على شمال البلاد، بل طاول أيضاً أبناء الجنوب، وبشكل مريع وأكثر قسوة من هرجيسا، وهو ما يحتاج إلى جلسات علاجية أكثر، تضم شيوخ العشائر ووجهاء الجانبين، لحل تلك المسألة الباقية في أذهان كثيرين. كذلك فإن الشعب في "صومالي لاند" يتوق إلى عدالة اجتماعية وتوفير فرص عمل للشباب العاطلين، فإذا أرادت الأطراف الصومالية تحقيق وحدة ووفاق، فإن أسرار هذا في عقد اجتماع عشائري ومصالحة بين القبائل جنوباً وشمالاً لترميم النفوس ونزع الضغائن عنها، بدل المراوحة في مفاوضاتٍ عبثيةٍ تعقد مع نهاية كل فترة رئاسية في الإدارتين، لا تعدّ إلا رسماً مبهماً في لوحة ممزّقة.