عنايات الزيات أم إيمان مرسال؟

14 يناير 2020
الصورة
(إيمان مرسال)

خمسة وخمسون عاماً تفصل بين خريف 1962 وخريف 2017، لكن ما عاشته وشعرت به كاتبة مصرية مغمورة تُدعى عنايات الزيات في التاريخ الأول والشاعرة إيمان مرسال في الثاني متشابه بشكل كبير، لا بل متطابق. عانت كل منهما من تغيّر مستمر في المزاج، ونوبات هلع، وأرق دائم لا ينفع معه أي منوّم.

كانت نهاراتهما التي فصلت بينها قرابة ستة عقود قد تحوّلت "عمليات عبور بالغة الصعوبة لساعات العمل، والليالي حُفَراً" تسقطان فيها "بلا أمل" (ص 137 و152). أسوأ ما حصل معهما في ذينك الخريفين هو العودة لزيارة الطبيب النفسي كل يوم أربعاء لمدة ساعة. هذا ما تخبرنا إياه إيمان مرسال في كتابها الأخير "في أثر عنايات الزيات" (الكتب خان، 2019)، وكأنّها تعيش في جلباب شخصية كتابها، الذي لا هو رواية ولا سيرة رسمية، أو كأنّها تلبّست هموم عنايات الزيات واكتئابها، لتنقلها للقرّاء الذين لا يسعهم سوى الدخول في دوامة التماهي مع مرسال والزيات والانتقال بين الشخوص التي تدور في فلك كل منهما.

من قرأ كتاب مرسال الأول؛ "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" (منشورات "كيف تـ"، 2017) ورافقها في طريقها لتصبح أُمّاً، سيفهم أنّ الشاعرة تكتب عبر عنايات الزيات عن رحلة شخصية لها. رحلة وجدت نفسها تغوص فيها بعد قراءتها لكتاب الزيات الوحيد "الحب والصمت" وهي التي وقعت عليه بالصدفة أثناء دراستها الجامعية في القاهرة في تسعينيات القرن الماضي.

اكتشفت مرسال أنّ الزيات انتحرت في بداية العام 1963، قبل أن تبلغ السابعة والعشرين من العمر وقبل أن تُنشر روايتها ببضع سنوات. سحرت هذه الرواية اليتيمة إيمان مرسال فوضعت نصب عينيها هدفاً محدداً: أن تقتفي أثر عنايات وتكتب قصة حياتها، فوضعت بين يدينا كتابها هذا، حيث عاشت لسنوات في مغامرة من البحث والتقصي وقراءة ما وصلها من أوراق عنايات الخاصة ويومياتها، ولقاءات مع عشرات من أفراد عائلتها وأصدقائها، بالإضافة إلى زيارات استكشافية للأماكن التي حلّت فيها عنايات، وصولاً إلى قبرها.

بذلك، فإن الكتاب يمثّل محاولة استقصائية ناجحة تداخل فيها الشخصي والعام والهامشي والأساسي بشكل أخّاذ. تصبح قصة حياة عنايات الزيات مع مرسال أمراً شخصياً، تهجس به على مر سنوات عديدة لتصل إلى ما يشبه الخواتيم له، فتبحث عن منزلها وقبرها وعائلتها وأوراقها الشخصية في سباق محموم مع الزمن، قبل أن يموت أو يختفي من عاصر عنايات ويمكنه أن يخبرها أكثر عنها. تصبح العلاقة بين الامرأتين لصيقة، وتتماهى إيمان مع عنايات حتى في موعد زيارة الطبيب النفسي، وحالتها النفسية في أثناء سفر زوجها وأولادها مقابل ما كانت عنايات تشعر به عندما كان طليقها يريد أن يسحب منها حضانة ابنهما.

لا نجد تسلسلاً زمنياً في الكتاب، حيث يبدأ من اكتشاف صديقة عنايات جثتها على سريرها في منزلها في العام 1963، ثم ينتقل للعام 2015 حين قرّرت مرسال البحث عن قبرها. وعبر التنقل الزمني ذهاباً وإياباً ما بين ستينيات القرن الماضي والسنوات الخمس الماضية، نتعرّف على حكاية عنايات وصديقتها المقربة بولا، أي الفنانة نادية لطفي، ودراستهما وزواجهما وكيف انتهت حياة الأولى. هكذا تخبرنا مرسال الحكاية بالتقسيط، فكلما اعتقدنا أنّها جمعت كل تفاصيل "الپازل"، تعود بنا إلى أواخر الخمسينيات أو بداية الستينيات من القرن الماضي لتضيف تفصيلاً جديداً اكتشفته في رحلة إضافية من رحلاتها المكوكية إلى القاهرة. ووسط هذه المحاولات لبناء قصة عنايات، نتابع تفاصيل حياة إيمان ومرض شقيقتها ورحلة علاجها وانتقال ابنها للعيش في الولايات المتحدة وقلقها عليه.

سعت مرسال في لقاءاتها مع عائلة وأصدقاء عنايات إلى لملمة وبناء تفاصيل حياة تلك المرأة "المطرودة من الأرشيف الرسمي" ومن شجرة العائلة. إذ تكتشف في أثناء تحرياتها أنّ ملف عنايات في أرشيف المجلات والصحف أزيل بسبب تعقيدات بيروقراطية، وكذلك قامت العائلة برمي معظم أوراقها، فيما كان حارس المقبرة التي دفنت فيها يحاول أن يزيل آخر وجود لها كي يحوّل القبر إلى مسكن له. وكأنّ القدر وتحامل وتكالب كل من الموت والحياة على عنايات سعوا لإزالة أي أثر لها، مقابل محاولة مرسال إحياء هذا الأثر. وهو أمر تنبأت به الزيات نفسها ضمن إشارات في يومياتها، كما تنقل عنها مرسال، من ذلك قولها في خريف عام 1962: "أنا لا أعني شيئا عند أحد.. إذا ضعتُ أو وُجدتُ سيان" (ص196).

تحاول إذاً مرسال بناء هذا الأرشيف واستخدامه ليس "لملء كل الفجوات" بل من أجل "رحلة تجاه شخص لا يستطيع الكلام عن نفسه، [وهو] حوار معه، ولا يمكن إلا أن يكون من طرف واحد" (ص 206). وكأنّ الكاتبة المصرية بذلك تحاول أن تقف في وجه وصاية الأرشيف الرسمي (مؤسسات النشر والصحف) والشخصي (العائلة). وصاية قررت أنّ أفضل "علاج" هو نسيان عنايات ونسج سردية مختلفة عن حياتها (يبدو ذلك من خلال الروايات الرسمية عن كيفية نشر كتابها بعد موتها بسنوات).

تعيد مرسال فعلياً بناء حياة عنايات بعناية وتنجح في ربط خيوطها بشكل كامل لينتهي الكتاب على ما يناقض بدايته. نكتشف أنّ رفض نشر كتابها في حياتها، لم يمنع عنايات من التحضير لكتاب ثان عن سيرة عالم المصريات الألماني لودفيغ كايمر الذي عمل في المعهد الألماني في القاهرة، وهو مكان عمل عنايات الزيات نفسها. وتتكشف لنا أسباب انتحارها وتفاصيل الشهور والأيام الأخيرة من حياتها شيئاً فشيئاً.

كذلك، تغوص مرسال في حياة الشخصيات الثانوية، فتفكّك خبايا قصص شقيقات عنايات وصديقاتها وحيواتهن، وكذلك حيوات أشخاص لم تقابلهم عنايات لكن تتقاطع قصتهم مع حكايتها (موظفون حاليون في المركز الألماني مثلاً، وسكان الشارع الذي عاشت فيه، إلخ)، كل هذا فيما ترمي لنا من فصل لآخر بمقتطفات تاريخية عن أجداد عنايات وعائلتها.

الكتاب ليس سيرة رسمية لمشروع روائية عظيمة أُجهض مبكراً، وليس كما يخبرنا عنوانه مجرّد تتبّع لأثر عنايات في حياتها القصيرة جداً، بل هو احتفاء بنساء واجهن ويواجهن خواء داخلياً قاتلاً، نساء حزينات، وتعيسات، ومكتئبات، يتشابهن رغم العقود الستة التي تفصل بين تجاربهن، اختارت كل واحدة منهن أن تواجه هذا الخواء بطريقتها الخاصة.

دلالات