عملية شرق الفرات: تطمينات تركية وتهديدات غربية

11 أكتوبر 2019
الصورة
قوات "الجيش الوطني" قرب رأس العين (نذير الخطيب/فرانس برس)
+ الخط -
مع دخول العملية العسكرية التركية في الشمال السوري يومها الثالث أمس الجمعة، تواصلت المعارك العنيفة وعمليات القصف على عدة محاور، خصوصاً محوري تل أبيض ورأس العين، حيث تحاول القوات التركية بالتعاون مع "الجيش الوطني" السوري عزل منطقتي رأس العين في ريف الحسكة وتل أبيض في ريف الرقة عن باقي المناطق عبر تقطيع أوصال المنطقة، وقطع الطرق الواصلة إليهما وإلى منطقة عين العرب غرب تل أبيض، وذلك لمنع وصول تعزيزات عسكرية إلى هذه المناطق، ودفع مقاتلي الوحدات الكردية فيها إلى الاستسلام أو الانسحاب خشية وقوعهم تحت الحصار.

وبالتوازي مع مواصلة أنقرة هجومها، فإنها حاولت الرد على الانتقادات المتزايدة لعمليتها شرق الفرات، ولا سيما من قبل أوروبا، بتقديم تطمينات أنها لا تستهدف تغيير التركيبة السكانية في المنطقة، وأن عمليتها تستند إلى القانون الدولي.
وبعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد كلّف دبلوماسيّين أميركيّين ليل الخميس-الجمعة التوسّط لـ"وقف لإطلاق النار" بين أنقرة والأكراد، بعدما باشر سحب قوات أميركية الإثنين من نقاط حدودية في شمال سورية، وهو ما اعتُبر بمثابة ضوء أخضر لتركيا لبدء هجومها، برز أمس موقف من وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الذي شجّع أنقرة "بقوة" على "وقف" عمليتها العسكرية، وفق بيان للبنتاغون أمس. وذكر البيان أنه خلال اتصال هاتفي الخميس بين إسبر ونظيره التركي خلوصي اكار، "شجع (الوزير الأميركي) تركيا بقوة على وقف ما تقوم به في شمال شرق سورية"، محذراً من أن "هذا التوغل قد تكون له عواقب وخيمة على تركيا". وقال البنتاغون إن إسبر أبلغ نظيره التركي بأنهما بحاجة لإيجاد وسيلة لتهدئة الوضع في شمال شرق سورية "قبل أن يتعذر إصلاحه"، محذراً من أن التوغل التركي يحمل مخاطر عواقب وخيمة على أنقرة، مضيفاً أن تصرفات تركيا قد تضر بالجنود الأميركيين في سورية.

في السياق، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، بعد محادثات مع وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو في إسطنبول أمس، إنه يتوقع أن تتحلى تركيا بضبط النفس في سورية. وأعرب ستولتنبرغ عن "مخاوف جدّية" بشأن العملية التركية، داعياً أنقرة إلى "ضبط النفس". وقال "أعربت عن مخاوفي الجدّية بشأن هذه العملية الجارية وخطر (تسببها) بزعزعة الاستقرار بشكل إضافي في المنطقة"، مضيفا أنه "بينما لدى تركيا مخاوف أمنية جدّية، نتوقع منها التحلي بضبط النفس". وشدد على أن تركيا تعد لاعباً مهماً في حلف شمال الأطلسي، لكنه أشار إلى ضرورة عدم تقويض العملية المكاسب التي تم تحقيقها في إطار محاربة تنظيم "داعش". والتقى الأمين العام لحلف الأطلسي في إسطنبول أيضاً أمس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار.

وفي سياق ارتفاع الانتقادات الغربية، قالت وزيرة الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية إميلي دو مونشالين إن مسألة فرض عقوبات أوروبية على تركيا إثر عمليتها في شمال سورية "ستبحث في القمة الأوروبية الأسبوع المقبل". كذلك قرر البرلمان السويدي أمس أن تمارس البلاد ضغوطاً خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الإثنين المقبل كي يفرض التكتل حظراً على تصدير الأسلحة لتركيا. في السياق، قال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي أمس إن على الاتحاد الأوروبي ألا يذعن لتهديدات تركيا بإرسال ملايين اللاجئين السوريين لدول الاتحاد، وطالب أنقرة بوقف عملياتها العسكرية في شمال سورية فوراً. وقال كونتي للصحافيين "الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يقبل هذا الابتزاز. المساعي التركية لاستقبال اللاجئين السوريين لا يمكن أن تصبح أداة ابتزاز من أجل بادرة عسكرية لا يمكننا قبولها ولا بد أن تتوقف فورا".
كما حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس من أن الآلاف من مقاتلي "داعش" المحتجزين لدى الأكراد قد يستعيدون حريتهم، مضيفاً "إنه تهديد حقيقي... لست واثقاً أن بإمكان الجيش التركي السيطرة على الوضع أو السيطرة عليه بسرعة".


في المقابل، كانت قد أكدت وزارة الخارجية التركية، في بيان أمس، أن قوات بلادها تستهدف عناصر الوحدات الكردية، الذراع السورية لـ"حزب العمال الكردستاني" المصنف إرهابياً لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وشددت على أن العملية لا تستهدف تغيير التركيبة السكانية في منطقة شرق الفرات. وأكدت أن "ادعاءات إلحاق العملية الضرر بمساعي الحل السياسي في سورية بعيدة كل البعد عن الحقيقة". وأوضحت أن "الاتهامات الباطلة بحقنا سببها فشل خطط تقسيم سورية، وتصدر من دول وأطراف تدعم ضمنا أو علنا أجندة تنظيم الوحدات الكردية". وأعربت الخارجية عن إدانتها الشديدة لعبارات مسؤول أممي ربطت بين المنطقة الآمنة المزمع إقامتها في سورية، والإبادة الجماعية في سربرنيتسا بالبوسنة والهرسك. وشددت على أن العملية تستند إلى القانون الدولي والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة في حق الدفاع عن النفس، وبموجب القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي حول مكافحة الإرهاب.
وأكدت أن القوات التركية تولي أقصى درجات الحيطة لعدم إلحاق أضرار بالمدنيين والبنية التحتية، مشددا على أن المزاعم التي تتحدث عن انفجار أزمة إنسانية جديدة وموجة هجرة جماعية، تُلقى جزافا لتشويه صورة مكافحة تركيا للإرهاب.

في السياق، قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إن تنفيذ العملية حق من حقوق تركيا المنبثق من القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، والمادة 51 من اتفاقية الأمم المتحدة، التي تنص على "حق الدفاع عن النفس". وأكد أن "العملية مستمرة بنجاح كما هو مخطط لها، وتم حتى الآن تحييد 342 إرهابياً". جاء ذلك في كلمة للوزير، خلال اجتماع تقييمي حول العملية بحضور قادة الجيش التركي. وأضاف أن هدف العملية هو "إنهاء وجود التنظيمات الإرهابية شرق الفرات، على غرار الوحدات الكردية و"داعش"، وإنشاء ممر للسلام في المنطقة، حتى يتمكن السوريون من العودة إلى منازلهم".

من جهته، شدد وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، على أن تركيا ناضلت وستواصل النضال ضد كل التنظيمات الإرهابية من دون تمييز، وأنها تتطلع إلى دعم قوي من حلفائها. جاء ذلك خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع ستولتنبرغ. وقال إن العملية "تهدف إلى إنهاء خطر الإرهاب قرب حدودنا التي تشكل حدود الناتو الجنوبية الشرقية، وهي مهمة للغاية في هذا الصدد بالنسبة إلى أمن دول الحلف". وأكد أنه "لا يكفي إبداء تفهم مخاوف تركيا، بل نريد تضامنا واضحا معنا". وأضاف: "تضامن حلفائنا معنا أمر طبيعي وقانوني، وذلك في إطار مبدأ عدم قابلية الأمن للتجزئة".

ميدانياً، أعلن الجيش التركي مقتل جندي ثانٍ له في العملية، فيما قالت الأمم المتحدة إن نحو مائة ألف شخص تركوا منازلهم في شمال شرق سورية. في المقابل، أعلن "الجيش الوطني" أمس سيطرته على مزارع وقرى جديدة في محيط تل أبيض وغرب رأس العين. وقال المتحدث باسم "الجيش الوطني" يوسف حمود على "تويتر" إنه تم إحراز تقدّم كبير في عدة محاور، والسيطرة على عشر قرى في محيط تل أبيض، وقريتين غرب رأس العين، مشيراً إلى أن قوات "الجيش الوطني" والقوات التركية توغلت على الأطراف الشرقية لمدينة تل أبيض بعمق سبعة كيلومترات، وسيطرت على تلال استراتيجية فيها.

وقالت مصادر محلية إن قوات "الجيش الوطني" تقدمت في محاور قرى الديمو وتل ذبان في محيط تل أبيض كما تقدمت على محور صوامع الحبوب في محيط مدينة رأس العين. وذكرت مصادر محلية أن "الإدارة الذاتية" الكردية أخلت الكوادر الطبية من مدينة رأس العين، ونقلتهم إلى مدينة الحسكة ومنطقة تل تمر، بينما أبقت على المعدات والأجهزة الطبية في المستشفيات. كما تجهز "الإدارة الذاتية"، بحسب هذه المصادر، لنقل مخيم مبروكة الواقع غرب مدينة رأس العين والذي يضم حوالي 6 آلاف نازح باتجاه مخيم العريشة جنوب مدينة الحسكة.

وقال المتحدث باسم اللواء 144 ضمن الفيلق الأول في "الجيش الوطني" صهيب جابر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن قوات هذا الجيش والقوات التركية سيطرت حتى الآن على 12 قرية، "والتقدّم مستمر وإن كان بطيئاً نسبياً حفاظاً على حياة المدنيين". وقال جابر إن الوحدات الكردية "تحتجز المدنيين وتتخذ منهم دروعا بشرية، وهو ما اضطرنا إلى اتّباع استراتيجية لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، ونشرنا فرق قناصة للتعامل مع مسلحي قسد المنتشرين وسط المدنيين". وحول طبيعة ومدى العملية العسكرية الحالية، قال جابر إن العمل يتم الآن على محوري تل أبيض ورأس العين، وسوف تتضح خلال الأيام المقبلة حدود وأبعاد العملية العسكرية وما إذا كان سيتم فتح محاور جديدة.

ودعا القيادي في الجيش الحر العميد فاتح حسون، عناصر "قسد" إلى الابتعاد عن هذه القوات حفاظاً على حياتهم ومستقبلهم. وقال حسون في تصريح لـ"العربي الجديد" إن وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة طلبت من جميع مقاتلي "قسد" الانشقاق عنها، و"هم في مأمن، ومن يقوم بتسليم نفسه لأي نقطة تماس فهو في مأمن"، مضيفاً أن قادة "قسد" فروا من أرض المعركة، و"يعملون على فتح ممرات آمنة لتهريب الأشخاص الذين يحتاجونهم، مضحين بباقي المخدوعين".

المساهمون