عملية القدس في الصحافة الإسرائيلية: إنها "انتفاضة فتّاكة"

عملية القدس في الصحافة الإسرائيلية: إنها "انتفاضة فتّاكة"

20 نوفمبر 2014
تؤجج إسرائيل مشاعر العنصرية ضد العرب بالدعاية (فرانس برس)
+ الخط -
احتلّت صور عملية القدس المحتلة، الصفحات الأولى للصحف الإسرائيلية، أمس الأربعاء، وتصدّرتها تلك التي اهتم مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي، بتعميمها على الصحف المحلية في إسرائيل، وعلى الصحف العالمية، "على اعتبار أنها تساعد في الدعاية الإسرائيلية وتحسّن مكانة إسرائيل". وذلك بتوجيه من المتحدث بلسان الخارجية الإسرائيلية، إيمانويل نحشون، حسب ما كشف المحلل في صحيفة "هآرتس"، باراك رابيد. وأصاب رابيد في تحليله، واقع موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته من العملية، عندما وضع عنواناً لمقاله "يروّجون الدعاية على الدماء".

وذكر رابيد أن "وزارة الخارجية الإسرائيلية عممت أمس (الثلاثاء)، ست صور فظيعة من موقع العملية، تم اختيارها بدقة وإرسالها عبر البريد الإلكتروني لوسائل الإعلام العاملة في إسرائيل". وأورد اقتباساً لمصادر إسرائيلية في "هيئة الدعاية القومية"، تُفيد بأن مثل هذا الإجراء تم اللجوء إليه قبل عشر سنوات، وساعد نشر الصور، في حينه، في خدمة المصالح الإعلامية الإسرائيلية.

ويقرّ بأن "هذه الوسيلة لن ترفع نسب التأييد لإسرائيل، لكنها ستزيد بالتأكيد من الأجواء العامة في إسرائيل ضد الجمهور العربي والفلسطيني، وقد تؤدي في النهاية إلى زيادة العنف ضد كل ما هو عربي، وقد توفر الذخيرة للمحرضين الذين يطالبون بالثأر". وإذا كان رابيد فضّل إلقاء الضوء على أسلوب الدعاية و"البروباغاندا" الإسرائيلية في هذا السياق، فقد تباينت تحليلات المعلقين في إسرائيل وقراءتهم للعملية.

وبدا لافتاً في هذا الصدد، أن هناك محاولة واضحة في الإعلام الإسرائيلي للتستّر خلف عمليات الطعن، وذلك عبر الحديث عن صراع ديني وتحويل أحداث الانتفاضة في القدس إلى جزء من حرب دينية متأثرة بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، على غرار ما ذكر عاموس هرئيل في "هآرتس"، ويوعاز هندل في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وتسفي يحزقيلي في "القناة العاشرة"، ورون بن يشاي في موقع "يديعوت أحرونوت".

واعتبر هرئيل في مقاله، الذي حمل عنوان "مميزات حرب دينية"، أن "حكومة إسرائيل ساهمت بدورها في إبراز العنصر الديني للصراع، من خلال العجز الذي أبدته تجاه محاولات أنصار اليمين الإسرائيلي في العام الأخير تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وتغيير ترتيبات الصلاة فيه والسعي لتقاسمه زمانياً، والسماح لليهود بالصلاة فيه". ويذهب هرئيل إلى القول إنه "إذا كان موضوع الأقصى شكّل ستاراً للعمليات، فإن هناك خشية من أن تكون موجة الإرهاب الحالية، قد بدأت تتخذ شكلاً من أشكال الحرب الدينية".

ويروّج القائلون بمميزات الحرب الدينية في واقع الحال، لتصريحات نتنياهو على مدار الأشهر الأخيرة، التي سعى فيها إلى الزج بـ "داعش" في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال محاولات وصم المقاومة الفلسطينية، بأنها لا تختلف عن التنظيم. كما اعتمد نتنياهو خطابا قوميا بنزعات دينية في كل ما يتعلق بكون القدس "العاصمة الأبدية لإسرائيل"، في الأشهر الأخيرة.

وليس هذا فحسب، بل إن حديث نتنياهو في الدوائر المغلقة بشأن تغيير الواقع في المسجد الأقصى، كان مريباً، في ظلّ رواية المتطرف الصهيوني، يهودا غليك، الذي أقرّ بعد محاولة اغتياله، بأنه كان قد طرح الموضوع على نتنياهو في أحد لقاءاته به، وأن نتنياهو قال له بأنه سيتم تسوية هذا الأمر.

كما امتنع نتنياهو طيلة الوقت ولغاية لقائه قبل أسبوع في عمان مع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية الأميركي، جون كيري، عن مطالبة أعضاء في الكنيست ووزراء حكومته من الحدّ من نشاطهم الاستفزازي في المسجد الأقصى.

وعاد المحلل في "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنيع، إلى التركيز على واقع الانتفاضة في القدس. واعتبر أنه "من الممكن أن ننتقل من حادث فردي إلى آخر، لنُفاجأ بأننا في مواجهة انتفاضة فتّاكة لنا ولهم. تحصد الضحايا ولا منتصر فيها".

ويرى برنيع أنه "لا يُمكن الحديث عن الانزلاق في حرب دينية، دون ذكر التحذيرات المتكررة لأجهزة الأمن الإسرائيلية، بالامتناع عن الزج بالعناصر الدينية في الصراع. وهي التحذيرات التي تنكر لها السياسيون الإسرائيليون في اليمين المتطرف أمثال وزير الإسكان، أوري أريئيل، ونائب رئيس الكنيست موشيه فيغلين، والوزير نفتالي بينيت، ورئيس الائتلاف زئيف إلكين، والراف إلي بن داهان، وتسيبي حوطيبيلي وميريت ريجف وآخرين، الذين ظنّوا أن تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى سيساعدهم سياسياً وانتخابياً، لكنهم اختفوا مع بدء العمليات وارتفاع منسوب الخطر".

ولا يُعفي برنيع الجهات "الليبرالية" من المسؤولية، خصوصاً أنها لم تدرك خطورة التلاعب بالوضع القائم في المسجد الأقصى، وحتى تردادها تساؤلات "ساذجة" حول أسباب عدم السماح لليهود بإقامة شعائر دينية في باحات المسجد الأقصى.

أما في سياق المزاد الانتخابي والتداعيات الحزبية والسياسية الداخلية، فقد أشارت سيما كدمون في مقالها في "يديعوت أحرونوت"، إلى أن "الانتفاضة الجارية في القدس، حرقت عملياً كل أوراق نتنياهو، وادعاءاته بأنه رجل الأمن الأول، والذي فاز في الانتخابات مرة تلو أخرى من نافذة الأمن، وضمان الأمن في مواجهة الإرهاب".

وذكرت أنه "لا يُمكن القبول بادّعاءات نتنياهو واتهاماته للسلطة الفلسطينية، لأن على رئيس الحكومة أن يتحمّل أيضاً المسؤولية". ورأت أن "كل الإجراءات التي يتحدث عنها نتنياهو، بما في ذلك هدم المنازل، ونشر الحواجز وزيادة الحماية لن تجلب الهدوء والأمن للقدس". وفي السياق، اعتبر يوسي فيرتر في مقاله في "هآرتس"، أن "نتنياهو يناور مجدداً"، في إشارته لدعوته أقطاب المعارضة، باستثناء النواب العرب، إلى الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية.

ولفت إلى أن "على نتنياهو، قبل أن يلقي بالمسؤولية غير المباشرة عن الأوضاع في القدس على المعارضة لرفضها الانضمام لحكومته، فإن عليه بداية أن يطالب نفسه بتحمّل المسؤولية عن تدهور الوضع الأمني الخطير، في قلب عاصمة إسرائيل، التي ستمتلئ عما قريب، ليس بالكتل الإسمنتية فقط، وإنما أيضاً بالحواجز".

ويشير فيرتر إلى أن "عملية القدس والأوضاع في القدس، كشفت سخف النزاعات والخصومات داخل الائتلاف والحكومة، وأنه لا يوجد سلام ولا أمن، لا في شرق القدس ولا في غربها، ومع ذلك فإن السلطة ترد على ذلك باتهام السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، وتحمله المسؤولية وكأن شرقي القدس خاضعة لسيطرته هو".

ويسخر فيرتر من طعون نتنياهو في هذا السياق، "أليست القدس مدينة موحدة منذ القدم؟ بل إن (وزير المالية) يئير لبيد نفسه قال، إن القدس هي فكرة ولا يمكن تقسيم الفكرة، ولا حتى من أجل السلام. فما الذي يريده لبيد و(وزير الشؤون الاستخباراتية يوفال) شطاينتس و(وزير الأمن موشيه) ياعلون ونتنياهو من محمود عباس؟".

وذكر بن كاسبيت في مقاله في "معاريف"، أن "كل تصريحات نتنياهو تعكس في الواقع، عدم امتلاكه عملياً أي أدوات حقيقية لمواجهة العمليات الفردية، وأنه يخاف من الاعتراف بذلك أمام الجمهور". واعتبر بدوره أن "الشيء الخطير الوحيد الذي لم يتطرق له نتنياهو في مؤتمره الصحافي، يوم الثلاثاء، هو أن تتحوّل موجة العمليات الحالية إلى حرب دينية حقيقية، لم نشهد مثلها هنا في الماضي، وعندها ما هي التعليمات التي سيصدرها رئيس الحكومة؟".

المساهمون