عملية القبض على المرحوم!

عملية القبض على المرحوم!

31 أكتوبر 2014
الصورة

دخان تدمير الأمن المصري منازل في رفح (30 أكتوبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -
تكون عبيطاً ولا مؤاخذة، لو ظننت أن جنرالات الدولة الشائخة المنتشين بموالد التهليل لعبقريتهم المتوهمة، سيسمحون لك بطرح أي أسئلة من أي نوع عن مدى كفاءة القوات المكلفة بمحاربة الإرهاب، والتي تُنفق عليها المليارات من قوت الشعب وصحته وتعليم أبنائه؟ بينما لا ترى لها أمارة إلا في فض المظاهرات، وتهجير المدنيين العزّل ونسف بيوتهم.

ستجد نفسك متهماً بالخيانة العظمى، إذا تساءلت، ولو بكل تهذيب، عما إذا كان هناك جهاز ما يقوم بتقييم عمل قوات الأمن في مواجهة الإرهاب، لكي لا تظل المسائل متروكة لفيض الكريم الذي يرزق الهاجع والناجع والنائم على صرصور ودنه، لأن السؤال الوحيد المسموح به لك، الآن، سيكون عن شروط الانضمام إلى مجاميع المواطنين الشرفاء التي تهلل لكل قرار سيساوي، حتى لو كان سيعجل بخراب البلاد.

دارت تلك الخواطر بذهني، وأنا أقرأ في صحيفة "البديل" تحقيقاً مثيراً للأسى، كتبه الباحث المتميز، إسماعيل الاسكندراني، عن وقائع زيارته مدينة كرداسة، بعد أكثر من عام على الأحداث الدامية التي شهدتها عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، والتي استشهد فيها اللواء نبيل فراج وعدد من ضباط الشرطة، لتؤكد مشاهداته عدم وجود تقييم من أي نوع للأداء الأمني، تقوم به أجهزة الدولة للتعلم من أخطائها، وإلا لما رأينا ما تقوم به، الآن، في سيناء من غشومية أمنية تنذر بكوارث محققة.

لم تعد كرداسة، الآن، نقطة مواجهة ساخنة، خاصة بعد أن صدرت الأحكام على المتهمين بقتل اللواء فراج، لينال أحدهم البراءة، ويُحكم على 10 بالأشغال الشاقة، ويصدر حكم بإعدام 12 آخرين، ومع ذلك يروي التحقيق وقائع مؤسفة عن الانتهاكات الأمنية التي طالت وتطال عائلات بأكملها في القرية للبحث عن مطلوب واحد منها: اعتداءات على الأهالي العُزّل بتدمير الشقق وحرق أثاثها، اعتقال أبرياء من العائلات للضغط على المطلوبين لتسليم أنفسهم، اعتقال عشرات الأشخاص على سبيل الاحتراز والتوسع في دائرة الاشتباه، وبالطبع يقوم ضباط الشرطة بعمل كل هذا بحماسة شديدة، معتقدين أنهم يأخذون بذلك ثأر زملائهم الضباط، وهو أمر سيوافقه فيهم قادتهم، بل وأغلب المواطنين الشرفاء الذين لا زالوا تحت سطوة تأثير وسائل الإعلام التي تبرر العقاب الجماعي، وتدعو إليه، من دون تفكير في آثاره المستقبلية التي لا يعلم مداها إلا الله.

في وسط التفاصيل المأساوية التي يرويها التحقيق، ثمة تفاصيل تنتمي إلى ماركة مصر المسجلة من المضحكات المبكيات، على رأسها قيام أجهزة الأمن ـ التي يفترض أنها لا تتحرك إلا بعد تحريات مكثفةـ بعملية لمحاصرة منزل الشيخ مهدي الغزلاني، ليصرخ قائد عملية المحاصرة في ميكروفون الحملة "سلم نفسك يا شيخ مهدي، المكان كله محاصر"، من دون أن يصدق ما قاله الأهالي عن أن الشيخ مهدي مات قبل عزل محمد مرسي بأربعة أشهر، ولا تنصرف القوة إلا بعد الاطلاع على شهادة وفاته، فضلاً عن واقعتين مضحكتين، تم في إحداهما استخدام كيد الزوجات، وفي الأخرى استخدام كيد الأزواج، لتصفية حسابات عائلية، اعتماداً على أن أجهزة الأمن لن تقوم بالتثبت من صحة البلاغات.

للأسف، كما وجد فيديو التعذيب الأخير الصادم لبعض أهالي سيناء من يبرره، بدعوى أن الضباط والجنود بشر، يمكن أن تنفلت أعصابهم، بسبب ما جرى لزملائهم، فقد وجدت ممارسات كرداسة وغيرها من يبررها ويطبل لها، وستجد لكل الانتهاكات القادمة مبررين ومطبلين، في ظل تناسي الكل حقيقة مهمة، هي أن حامل السلاح الشرعي، ممثلاً في قوات الشرطة والجيش، عليه أن يفكر ألف مرة في مصير كل رصاصة يطلقها، لكي لا تصيب بريئاً فتجر على الدولة المزيد من العداوات. ومن هنا، تحرص كل الدول المتقدمة والمتحضرة على أهمية التدريب العالي المستمر الذي يجعل فرد الأمن دائماً في حالة ثبات انفعالي، تجعله يحسب لكل رصاصة يطلقها ألف حساب، فلا تخرج إلا لكي تقتل هدفاً مؤكد الخطورة، بعد أن يفشل أولاً في شل حركته. وللأسف، لن يكون من حق أي مواطن مصري، حتى ولو كان حاملاً لختم المواطن الشريف، أن يسأل عن وجود هذا التدريب الذي يتوقف عليه مستقبل أمن البلاد، فعندما يتنازل المواطن طواعية عن حقه في المحاسبة، يفقد بالتبعية حقه في السؤال، ويبقى له حقه في الحسبنة، قبل أن تبدأ (الشرطة المجتمعية) ممارسة عملها رسمياً، ليُحرم حتى من حقه في الحسبنة.