عمر بلافريج... نائب مغربي يساري يجرّب "أخلاق السياسة"

04 اغسطس 2018
الصورة
يرى بعضهم أن مواقف بلافريج تعبّر عن سياسي نبيل(فيسبوك)
+ الخط -
"أنتمي إلى مدرسة عبد الرحيم بوعبيد التي جعلت السياسة أخلاقاً"... "أرتدي سلهام بوعبيد وطربوش بنسعيد أيت إيدر"... من العبارات التي لطالما ردّدها البرلماني المغربي المثير للجدل عمر بلافريج، المنتمي إلى فدرالية اليسار (المعارض للحكومة)، للدلالة على المدرسة الأيديولوجية التي يشرب منها "حليب السياسة". لا يخفي بلافريج، المولود في العاصمة الرباط سنة 1973، تشبعه بمواقف ومسارات أحد أفراد عائلته الزعيم اليساري التاريخي في حزب "الاتحاد الاشتراكي"، الراحل عبد الرحيم بوعبيد، كما أنه يدين بتعلم أبجديات اليسار المعارض إلى القيادي البارز محمد بنسعيد أيت إيدر، أحد مؤسسي اليسار المغربي.

وانطلق مسار بلافريج من الدراسة في ثانوية "ديكارت"، إحدى أشهر الثانويات الفرنسية في المغرب، قبل أن يكمل تعليمه في فرنسا في اختصاص الرياضيات ثمّ الهندسة بمدينة ليون، ليعود بعد ذلك إلى المغرب ويجد له منصباً داخل "الهولدينغ الملكي" (مجموعة شركات تابعة للقصر). بعد ذلك، انتقل بلافريج إلى جامعة الأخوين بمدينة إفران، حيث تولى منصب مدير تقني، ليشغل بعد ذلك منصب المدير العام لمؤسسة "تيكنوبارك"، وهي مؤسسة تساهم الدولة في جزء من أسهمها.

عام 2015، اختار بلافريج العمل السياسي تحت شعار "فدرالية اليسار الديمقراطي"، كونه كان يرى في هذا التنظيم امتداداً أيديولوجياً وسياسياً وحزبياً لما دشّنه بوعبيد من مواقف يعتبرها السياسي الشاب خالدة في ذاكرة المغاربة، ولا سيما مواقفه التي جابه بها الملك الراحل الحسن الثاني ووزير داخليته القوي حينها، إدريس البصري.

وخلال سنوات قليلة، بزغ نجم بلافريج بشكل لافت. فقد ترشّح للانتخابات البلدية والجهوية عام 2015 باسم فيدرالية اليسار (المشكّلة من الحزب الاشتراكي الموحّد والمؤتمر الوطني الاتحادي وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي)، إذ ترأس لائحة المرشحين في أرقى الأحياء بالعاصمة الرباط، وجاءت لائحته الانتخابية في المرتبة الثانية، لتعلن عن قدوم "قائد سياسي وحزبي" من نوع خاص.

وجاءت بعدها سنة 2016، التي عرفت إجراء الانتخابات التشريعية في خضم هيمنة حزب "العدالة والتنمية" ذي المرجعية الإسلامية، على الحكم. واستطاع بلافريج أن يضمن مقعداً لنفسه في دائرة انتخابية سميت حينها بـ"دائرة الموت"، لضمها متنافسين ومرشحين من العيار الثقيل، فكان فوزه بمقعده البرلماني انطلاقة حقيقية بالنسبة له ضمن المشهد السياسي والحزبي والتشريعي بالبلاد.

ولتشبعه بمبادئ ما يسميه "السياسة النظيفة" أو "أخلاق السياسة"، فقد آثر بلافريج المعروف بشيء من الخجل الذي يخفي كثيراً من الجرأة السياسية، أن يعلن قراره بالتنازل عن تقاعده كبرلماني، واضعاً نصب عينيه الوعود التي كان يطلقها إبان حملته الانتخابية، وأيضاً البرنامج الانتخابي لفدرالية اليسار التي ترشح باسمها.

يقول بلافريج، مفسّراً قراره التنازل عن تقاعده كبرلماني منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماه مقر البرلمان وسط العاصمة الرباط، كما قراره بالاستقالة من منصبه كمدير لمؤسسة كبيرة كانت تدر عليه راتباً أكبر من تعويضات برلماني، إن الأمر يتعلّق بما تعلمه من "مدرسة" مثله الأعلى عبد الرحيم بوعبيد، وإن "السياسي النبيل هو من لا يجمع بين السلطة والمال".


وليس تنازله عن تقاعده كبرلماني، وهو الملف الساخن الذي ما يزال يثير جدلاً في المشهد السياسي بالمملكة، هو ما جلب الأنظار بقوة إلى بلافريج، بل أيضاً حضوره السياسي اللافت في كثير من المحطات والقضايا الساخنة، إذ يصرّ على ترك بصمته فيها من خلال مقترحات قوانين أو من خلال أسئلة محرجة "غير اعتيادية" يثيرها داخل قبة البرلمان.

واشتهر هذا السياسي اليساري دون غيره من النواب، سواء في المعارضة أو الأغلبية، بوجوده شبه الدائم على مواقع التواصل الاجتماعي، التي يدلي عبرها، بشكل مواظب، بآرائه ومواقفه ومقترحاته، كما يخصّص مساحات للتواصل مع المواطنين، خصوصاً من أبناء دائرته الانتخابية.

وبخلاف أغلب، إن لم يكن جميع، البرلمانيين الذين يفضّلون عدم التطرّق إلى مواضيع تعتبر بمثابة "تابوهات سياسية" في البلاد، فإن بلافريج شكّل استثناءً عندما صوّت بالرفض على رفع ميزانية الديوان الملكي، بينما كان الإجماع من طرف النواب على زيادة هذه الميزانية، أثناء مناقشتها أخيراً في مجلس النواب.

ويرى بلافريج ضمن تسويغه رفضه رفع ميزانية ديوان الملك، أنه "لا يمكن طلب بذل مجهود من الجميع لإصلاح التعليم في البلاد عبر الرفع من ميزانية الاستثمار فيه، ويتم استثناء البعض من هذا المجهود، بمن فيهم أعضاء الديوان الملكي والوزراء".

وليس هذا فحسب، بل إن البرلماني الطامح إلى جمع شتات اليسار في المغرب، أثار موضوعاً آخر لم يستطع غيره أن يثيره علناً تحت قبة البرلمان، عندما تساءل عن جدوى بعض المشاريع التي يدشنها العاهل المغربي محمد السادس، إذ اعتبر أن "بعض تلك المشاريع غير معقولة بالنسبة لبلد مثل المغرب".

كذلك، أثار بلافريج الانتباه عندما أصرّ على الذهاب إلى مدينة جرادة، إبان الاحتجاجات التي شهدتها قبل أسابيع، على الرغم من رفض وزارة الداخلية توجّه وفد من فدرالية اليسار إلى هناك لدواع أمنية. كما أنه طالب باسترجاع الملايين التي تأخذها شركات المحروقات، ودعا الدولة إلى الكشف عن وثائق مقتل المعارض اليساري البارز المهدي بن بركة عام 1965 بفرنسا.

وفيما يرى بعضهم أن مواقف بلافريج تعبّر عن "سياسي نبيل" يحاول بطريقته الخاصة أن يحيي شمعة اليسار المغربي ومجده خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كما أنه يسعى إلى ترجمة "سياسة الأخلاق"، يعتبر آخرون أن تحركاته وقراراته تهدف فقط لكسب أصوات الناخبين، وأن محاربته للريع الاقتصادي تبقى رهينة رفضه لمساره المهني الذي كان منخرطاً في هذا "الريع" نفسه.

المساهمون