عمال البناء... حوادث عمل تقتل فلسطينيين في الداخل

07 مايو 2019
الصورة
معظمهم من الفلسطينيين (أحمد غرابلي/ فرانس برس)

على الرغم من أنّ جميع عمال البناء في الداخل الفلسطيني، معرضون للحوادث بسبب إهمال شروط السلامة المهنية، فالضحايا الأكثر هم فلسطينيون، كونهم الأكثر عدداً في هذا القطاع.

ازدادت الحوادث المهنية للعمال الفلسطينيين في الداخل المحتل، سواء من أهل الداخل أم من الضفة الغربية والقدس، خصوصاً في قطاع البناء الإسرائيلي. ولا يخلو شهر من وقوع حوادث عمل تسبب إصابات بالغة أو حالات وفاة لعمال البناء. تفسر حقيقة أنّ 80 في المائة من عمال البناء في هذا القطاع الإسرائيلي الحيوي، هم من الفلسطينيين، إهمال السلطات وحتى النقابات المهنية لهذه الحوادث وأسبابها، لا سيما لناحية غياب وسائل الأمان والمراقبة الفعلية لتطبيق شروط السلامة العامة. وبحسب المعلومات، فقد لقي 38 عامل بناء حتفهم في حوادث مهنية عام 2018، واتضح أنّ غالبية الضحايا هم من العمال الفلسطينيين، من الداخل والضفة الغربية. ومنذ بداية العام الجاري حتى منتصف شهر مارس/ آذار الماضي، لقي 14 عامل بناء حتفهم في الورشات.

يتضح من معلومات جمعتها "العربي الجديد" أنّ التقصير والإهمال، وبيئة العمل غير الآمنة والتمييز هي الأسباب الأبرز لمثل هذه الحوادث. ولا تقدم الجهات المختصة من جهتها، أي جهد لمواجهة هذه الظروف، خصوصاً لناحية فرض إجراءات الأمان والسلامة العامة على المشغلين. وقد أدى ازدياد هذه الحالات إلى محاولة النائب العربي في الكنيست، المهندس عبد الحكيم حاج يحيي، حلّ بعض أسباب هذه الحوادث، مستغلاً رئاسته في الكنيست، اللجنة الفرعية لمكافحة حوادث العمل، في الدورة السابقة. وتمكن حاج يحيى من اقتراح قانونين جرى إقرارهما في هذا الخصوص. في هذا الإطار، يقول حاج يحيى لـ"العربي الجديد" إن القانونين أثرا بشكل بالغ في بيئة العمل، فالأول منهما ينص على فرض غرامات مالية على المقاولين وإغلاق ورشات البناء المتورطة في حوادث العمل. وقد تم إغلاق 200 ورشة عمل للبناء حتى الآن. والقانون الثاني ينص على تعيين مساعد لمدير العمل في ورشة البناء مهمته متابعة التطبيق الصارم لمعايير الأمان والسلامة العامة فيها.




ساهم ربط مشكلة عمال البناء بمشكلة مشغلي الرافعات، وحوادث سقوطهم، التي تنتشر في مواقع البناء، ويعمل في قطاعها بشكل أساسي عمال يهود أغلبيتهم من الروس، في لفت انتباه المؤسسات الرسمية إلى حوادث العمل في قطاع البناء، وفي إقرار قانون هام آخر يحصر تشغيل عاملي الرافعات، بالعمالة المؤهلة والمحترفة، لأنّ أغلب حوادث سقوط العمال من ارتفاع تعود في معظمها إلى عمال الرافعات. كذلك، ينص قانون آخر على بناء السقالات في المشاريع العقارية، بحسب المواصفات والمعايير الأوروبية.

يتابع النائب عبد الحكيم حاج يحيى: "العمل في قطاع البناء من المفترض أن يكون آمناً، ففي تركيا وأوروبا مثلاً، تتسم هذه المهنة بأعلى درجات الأمان، خصوصاً لناحية السقالات، لكن هنا، يؤدي الإهمال إلى تضرر معايير الأمان فيها. هذه القوانين مرت ما بين عامي 2016 و2018، أما قبل ذلك فلم يكن في الكنيست أيّ قانون يتطرق إلى الحوادث في قطاع البناء".

إلى جانب هذه المخاطر، لا سيما المرتبطة بإهمال أصحاب الشركات والمتعهدين شروط الأمان والسلامة العامة الضرورية، فإنّ معاناة العمال في هذا القطاع تمتد إلى أمور أخرى، كما تمتد إلى عائلاتهم التي تنال نصيبها بعد إصابة العامل وعدم قدرته على العمل، وصولاً إلى احتمال وفاته. ويتضح مع كلّ حادث أنّ شروط العمل الرسمية لا تطبق كما يجب، بل تسود شروط مختلفة في مكان العمل تصبّ غالباً في غير صالح العمال، ممن يتحدون تلك المخاطر في سبيل لقمة العيش.



في هذا الإطار، تقول المحامية، غدير نقولا، من جمعية "عنوان العامل" لـ"العربي الجديد": "السلطات الإسرائيلية، وعلى رأسها وزارة العمل، والشرطة، أهملت على مدى سنوات طويلة تأدية وظيفتها ومسؤولياتها تجاه عمال قطاع البناء وحقهم في العمل بأمان. هذا يعود إلى كون الغالبية العظمى من الضحايا هم من العمال الفلسطينيين من شقّي الطرف الأخضر (الداخل المحتل وأراضي السلطة الفلسطينية)". تضيف نقولا: "هذا الإهمال السافر من قبل السلطات الإسرائيلية شكّل أرضاً خصبة للمقاولين لخرق قوانين السلامة في العمل وإهمالهم شروط الأمان في ورشات البناء، فهم يعلمون جيداً بعدم وجود رقيب، وفي وسعهم التوفير من الميزانيات المتعلقة بالسلامة لرفع نسبة أرباحهم على حساب العمال وحقهم في الأمان المهني والحياة".

عن الملاحقة القضائية للمقاولين، توضح نقولا أنّ "الشرطة الإسرائيلية هي المسؤول الأساسي عن التحقيق في حوادث العمل بمساعدة محققي وزارة العمل المختصين في هذا الشأن، لكنّ التحقيقات التي تتولاها الشرطة قليلة جداً وغالبية ملفات التحقيق يجري إغلاقها من دون تقديم لوائح اتهام بحجة عدم توفّر الأدلة الكافية. 80 في المائة من حوادث العمل التي يجري التبليغ عنها للشرطة لا يجري التحقيق فيها جنائياً. وهكذا، فإنّ بضع لوائح اتهام تقدم إلى المحاكم، لكن بعد تأخير كبير، أي بعد أربع سنوات بالمعدّل، من موعد وقوع الحادث، وهو يؤدي إلى ضرر كبير على صعيد إمكانية إثبات التهمة، كما أنّ التأخير يشكل عاملاً مركزياً في المحاكم لتخفيض العقوبة". تتابع: "المحاكم الإسرائيلية لم تصدر حتى اليوم حكماً بالسجن الفعلي بحق أي مقاول أو مسؤول في ورشة بناء، ممن جرت إدانتهم بالتسبب بواسطة الإهمال بمقتل عامل. والعقوبات في هذا النوع من القضايا تتراوح عادة ما بين أربعة وخمسة شهور من خدمة الجمهور، والغرامة المالية التي يبلغ معدلها 5 آلاف شيكل (نحو 1400 دولار أميركي) فقط". وتلفت نقولا إلى أنّ إهمال إسرائيل تأمين شروط السلامة المهنية لعمال البناء كون معظمهم من الفلسطينيين، يتضح في شحّ الموارد، ومن ذلك تخصيص عدد ضئيل من المراقبين في مديرية السلامة في العمل، وهم 17 فقط لـ13 ألف ورشة بناء. كذلك، عدم التحقيق في حوادث العمل ومقاضاة المسؤولين الذين تسبب إهمالهم في وقوع حوادث قاتلة.



تجدر الإشارة إلى أنّ عدد ضحايا لقمة العيش في قطاع البناء الإسرائيلي، عام 2017، بحسب معلومات جمعية "عنوان العامل"، بلغ 36 قتيلاً، هم 16 عاملاً فلسطينياً من الداخل، وعامل واحد من مجدل شمس في الجولان، و7 عمال من المهاجرين غير العرب، و6 عمال فلسطينيين من الضفة الغربية، و5 عمال يهود، وعامل واحد غير معروف الهوية. وفي عام 2018، قُتل 38 عاملاً، هم 16 فلسطينياً من الضفة الغربية، و15 فلسطينياً من الداخل، 4 يهود، و3 مهاجرين. أما السنة الحالية 2019 حتى منتصف مارس/ آذار الماضي، فقد قتل 14 عاملاً، من بينهم 5 فلسطينيين من الضفة الغربية، و4 فلسطينيين من الداخل.
تعليق: