علي غندور .. هذه الأسفار والإنجازات

04 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

قفز، أوائل الثمانينيات، اسم علي غندور (1931 - 2020) وسيطا سياسيا بين الملك حسين وحافظ الأسد، وتحديداً منذ بدايات يوليو/ تموز 1982. نقل غندور جملة رسائل عبر وزير الخارجية السوري آنذاك، عبد الحليم خدام. عاد غندور برسالة من الأسد إلى الملك تتضمن مخاوف سورية من تهجير 450 ألف فلسطيني، ومن إقامة دولة مارونية في لبنان، وتهجيرها المسلمين باتجاه البقاع ونواحي الهرمل. ثم يتطوّر دور غندور بنقل رسائل أردنية إلى رؤساء لبنان وساسته، أمثال وليد جنبلاط وغسان تويني وآخرين بعد سبتمبر/ أيلول 1983، ليبرز دوره في حوارات أردنية سورية تجاه المسألة اللبنانية، وهو ما تشير إليه يوميات وأوراقٌ للوزير والمستشار السياسي الأردني، عدنان أبو عودة (قيد النشر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) حيث يرد اسم غندور نحو 34 مرة ناقل رسائل وصاحب رأي في المسألة اللبنانية، ويخوض حوارات مع فرقاء السياسة اللبنانية.

تكشف سيرة المهندس علي غندور عن شخصية عميقة، تمرّست في الساسة مبكّراً، منذ انتسابه في شبابه الأول للحزب القومي السوري الاجتماعي، ثم مغادرته لبنان على أثر اتهامه بالاشتراك بتدبير محاولة انقلاب فاشلة، وظل خارج لبنان في الكويت، حتى صدر عليه حكم غيابي، فتركها خوفا من تعقبه، ولجأ إلى الأردن. ومنذ ذاك التاريح في 1963، بدأ الرجل يصعد في الأردن، مؤسسا للملكية الأردنية (الخطوط الجوية "عالية")، ويبرز رجل أعمال وخبير طيران عالميا، مستفيدا من دراسته في هندسة الفضاء في الولايات المتحدة وتخرجه من جامعاتها. 

صعد علي غندور في الأردن، ولم يكن حالةً فريدةً، في بلدٍ اعتاد الإفادة من الكفاءات العربية، وتأسس بنيانه على قاعدةٍ عربية

دخل الرجل الذي كان مطاردا من المخابرات اللبنانية في حماية الملك حسين الذي لم يفوّت فرصة الاستثمار في كفاءته، فاصطحبه معه العام 1964 لحضور مؤتمر القمة العربية في القاهرة، وهناك التقى بالرئيس اللبناني شارل الحلو الذي عرض عليه العفو، لكن غندور أبى، طالباً العفو لبقية رفاقه المحكومين، وهو ما صار في 1968، وبعدها استطاع زيارة لبنان.

صعد علي غندور في الأردن، ولم يكن حالةً فريدةً، في بلدٍ اعتاد الإفادة من الكفاءات العربية، وتأسس بنيانه على قاعدةٍ عربية، وكانت أوائل نخبته الإدارية من سوريين ولبنانيين وحجازيين وعراقيين وجنسيات أخرى. وهي قصة بناء الأردن المعاصر، حيث كان الاستثمار لكل من يأتي إليه هاربا من ظلم أو راغب بالاستقرار، في بلدٍ تميز بالحسّ العروبي منذ نشأته.

دخل علي غندور الساحة السياسية والاقتصادية الأردنية بوصفة قريبا من الحكم، أسس وبنى مؤسسات عدة، منها الخطوط الجوية (عالية) ومؤسسا للأكاديمية الملكية الأردنية للطيران، وشركة أرامكس العالمية التي انطلقت من الأردن، وواحدا من مؤسسيّ شركة المنتجعات السياحية في الأردن، ومستشاراً للملك حسين في الطيران المدني والنقل الجوي المدني والسياحة، وغيرها من مؤسسات عالمية، منها "جت إير ويز" الهندية وطيران ناس. بالإضافة إلى اهتمامه بالتعليم والفنون والثقافة، وهو عضو في مجلس إدارة الجامعة الأميركية منذ 1979، وهو مؤسس لمركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون، وترأس مجلسه الاستشاري عشر سنوات، كما أنه عضو في منتدى الفكر العربي، وفي جمعية الشؤون الدولية، وحاصل على أوسمة عديدة رفيعة.

في تفاصيل الحياة السياسية ومحطاتها الأولى أواخر العام 1961، كان غندور في باريس مع زملاء له، يتلقى دروساً فنية حول طائرة الكارافيل التي كانت ستنضمّ إلى أسطول شركة الخطوط الجوية اللبنانية التي كان مسؤولاً عن صيانة طائراتها. آنذاك قام الحزب السوري القومي الاجتماعي بمحاولة انقلاب في لبنان، الأمر الذي سبب له صدمة؛ فالرجل لم يكن يؤمن بالانقلابات وسيلة للوصول إلى الحكم، سيما أنّ الحزب السوري القومي عقائدي، يؤمن بالتبشير العقائدي في المجتمع، وبالتالي يصل المؤمنون بفكره إلى الحكم، فيكرسون المجتمع المدني الذي يؤمن بالحرية والديمقراطية منهجاً للحكم العادل. 

غندور  لبناني ترك سجلاً حافلاً من الإنجازات، وسفراً طويلاً من المودّات والصداقات في الأردن وخارجه

فرّ بعد ذلك إلى ساحل العاج، ومنها إلى الكويت، بسبب ملاحقته من الدولة اللبنانية، كونه كان مطلوباً للعدالة. عمل في الكويت مدّة وجيزة في مديرية الطيران المدني. وهناك أبلغه المسؤولون بأنه سيبقى في البلد إذا صدر عليه الحكم بالبراءة، وإذا صدر الحكم بالإدانة وطلبه لبنان فسيتمّ تسليمه. وفي شهر أغسطس/ آب من عام 1962، صدر الحكم عليه بالإعدام فغادر الكويت إلى الأردن. وفي عمّان، زار مع بعض اللبنانيين في الحزب الملك حسين؛ ليقدّموا الشكر على حُسن ضيافة الرفاق. وحينها سأله الراحل الحسين عن مشاريعه المستقبلية، وكان يعرف أن مهنته واختصاصه في الطيران، فأجاب بنيّته السفر إلى غرب أفريقيا، فرفض الحسين الفكرة وأبقاه في الأردن، بنية تأسيس شركة طيران وطنية. ولم يكن من غندور إلا البدء الفوري بالعمل، وبعد أسبوع باشر الأردن بتسيير الرحلات من عمّان إلى القدس وبيروت، بأول طائرة من طراز DCC تمّ استئجارها من شركة الخطوط الجوية اللبنانية التي كان قبل محاولة الانقلاب رئيساً للمهندسين لديها، ومسؤولاً عن صيانة طائراتها. ولاحقاً أسّس أكاديمة الطيران الملكية الأردنية التي خرّجت آلاف الطيارين الأردنيين، والذين جعلوا من طيران الملكية لاحقاً قصة نجاح، صنعها لبناني لجأ إلى الأردن، وهو من الجنوب اللبناني الذي تمتعت مرجعياته الدينية منذ قيام إمارة شرقي الأردن بعلاقات وطيدة مع الحكم في الأردن. 

بعد وفاة الملك حسين، بدأ غندور مشاريع خاصة، ركزّ اهتمامه على الاقتصاد، ولم يعد إلى السياسة

بعد وفاة الملك حسين، بدأ غندور مشاريع خاصة، ركزّ اهتمامه على الاقتصاد، ولم يعد إلى السياسة، وبات علماً في مجال الطيران العالمي، وعضواً في منظمة الطيران العالمية (AYTA)، لكن ذلك الاهتمام لم يفصله عن متابعة الفكر والثقافة والأعمال الريادية، تاركاً بوفاته سجلاً حافلاً من الإنجازات، وسفراً طويلاً من المودّات والصداقات في الأردن وخارجه.

ارتبطت حياة علي غندور بالأردن ولبنان، بوداعة خاصة. كان إنساني النزعة، وعندما كان الأردنيون يدقّقون في استكشاف مشاعره القومية أو الوطنية اللبنانية، كان لا يعير ذلك اهتماما، ولا يكترث، فالمحلية في بلد مثل الأردن تهمة، والأممية وهم، فهو من جيل الخمسينيات والستينيات الطيبين الذين لا يستطيع المرءُ التفرقة بين مشهورهم ومغمورهم في الثقافة الواسعة، والنفس الطيبة، والإيمان بالأمة وموروثها وحاضرها، والإيمان بالمستقبل القوي والزاهر. وكان يحضر الندوات الثقافية والفكرية في عمّان فيها بخفر عال، ووداعة تجعله ينسلّ بين الحضور من دون إحساس بحركته، كأنه يتلمّس دروباً أخرى غير التي سمعها، من خطابٍ غارقٍ في الماضوية، أو كلام السياسة الجاف، مبتعداً عن مآقي الوجع العربي وضياع الوحدة.