علي سيف كُليب: 5%من النافذين يستحوذون على موارد اليمن

22 فبراير 2016
الصورة
علي سيف كليب (العربي الجديد)
يفنّد الباحث الاقتصادي اليمني، نائب عميد كلية التجارة والاقتصاد في جامعة صنعاء، علي سيف كُليب، أصل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في اليمن، ويكشف في مقابلة مع "العربي الجديد"، قضايا الفساد  المستشري، وسوء الإدارة التي تهدر الموارد اليمنية. وهنا نص المقابلة:

*ما تقييمك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليمن؟
موضوع التنمية من المواضيع الشائكة والمعقدة نتيجة لما شهدته التجارب العربية من نماذج تنموية مختلفة منذ الستينيات وحتى الآن. ولا شك أن هناك الكثير من التشوهات والصعوبات التي صاحبت عملية التنمية في اليمن، فهناك إنجازات تحققت، لكن هذه الإنجازات كان من الممكن أن تكون أفضل لو تم استخدام نموذج تنموي يتناسب مع ظروف واقتصاد اليمن. وما تم تطبيقه اعتمد بشكل كبير جداً على خطط اقتصادية كان يُنفذ جزء منها ويُترك الباقي. وإذا تحدثنا عن قطاع النفط سنلاحظ أنه يتمتع بتقنية عالية في مجال الإنتاج، وكان يُفترض أن يكون رائداً في التنمية والنهوض بالاقتصاد، لكن مع الأسف هناك الكثير من المحاذير وقضايا الفساد التي صاحبت استخراج النفط كالاتفاقيات مع الشركات الاستخراجية. وبالتالي لم تستفد البلاد الاستفادة القصوى من هذا القطاع. باختصار، لم يتم بناء نموذج تنموي يعتمد على ما يمتلكه اليمن من موارد اقتصادية سواء بشرية أو طبيعية، لا بل تم هدر هذه الموارد.

*هل الهدر الذي تعرضت له الموارد كان ناجماً عن سوء الإدارة؟
بكل تأكيد، هناك سوء في عملية الإدارة يقابله سوء في الاختيار سواء كان ذلك في اختيار نموذج للتنمية أو إدارة الموارد الاقتصادية مما أوجد نوعاً من الهدر للموارد. وإذا ما قارنا
الموارد الاقتصادية لليمن بموارد سلطنة عُمان أو البحرين أو الأردن أو لبنان، وهي دول مساحتها الجغرافية بسيطة وعدد سكانها أقل، سنلاحظ أنها حققت قفزات نوعية وأن هناك فوارق كبيرة جداً بينها وبين اليمن. رغم أن اليمن يمتلك مقومات أفضل مما تمتلكه تلك الدول وأتيحت لنا فرص كثيرة.
مثلاً أهدرنا عوائد المغتربين في الثمانينيات وأهدرنا عوائد النفط وأهدرنا الثروة السمكية وأهدرنا أهم عناصر التنمية وهو العنصر البشري، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه من تأخر وتخلف وقطاعات اقتصادية هشة. نحن تأثرنا كثيراً بالأوضاع الأمنية والسياسية خلال الفترة الماضية، وعندما تتدخل الإرادة السياسية لإدارة الاقتصاد يكون الفشل حليف أي قرارات سياسية لا تلقي بالاً للمقومات الاقتصادية.

*هل معنى ذلك أن الإرادة السياسية كان لها دور في تغييب الكفاءات الاقتصادية عن إدارة الموارد؟
طبعاً، وإن تمت الاستعانة ببعض الاقتصاديين في فترات معينة إلا أن القرار السياسي هو الغالب والحاكم. وعندما نتحدث عن كفاءات اقتصادية كان ينبغي أن يكون هناك مركز اقتصادي لدعم اتخاذ القرار لكي يساهم في اتخاذ القرارات الاقتصادية التي تخدم التنمية. لكن هذا غير موجود وما زال التخبط قائماً، وعندما اندلعت أحداث 2011 كانت في الأساس أزمة اقتصادية تحولت إلى أزمة اجتماعية سياسية عسكرية. وكذلك أزمة 2014 هي في الأساس أزمة اقتصادية، ومن ضمن الحلول التي وضعت أن يتم تشكيل لجنة اقتصادية تضم خبراء اقتصاديين وممثلين عن الأحزاب والحكومة، وعندما تم تشكيل هذه اللجنة حصل تغييب الخبراء الاقتصاديين وإن كان هناك اثنان من الاقتصاديين في اللجنة فهما يمثلان أحزاباً ولا يمثلان خبرات اقتصادية مستقلة.

*هل هناك عوائق أخرى غير العامل السياسي وغياب النموذج الاقتصادي، أثرت على حركة التنمية في اليمن؟
نظام الحكم في اليمن القائم على المحاصصة واسترضاء النافذين وبعض الأطراف أهدر كثيراً من الوقت والجهد والموارد الاقتصادية. وعلى سبيل المثال لو تم الاهتمام بالريف اليمني في مختلف المحافظات لكان يمكن خلق نموذج تنموي واقتصادي واجتماعي يساعد على التخفيف من حدة أصحاب النفوذ ومراكز القوى في هذه المناطق. بمعنى، تم تغييب التنمية عن الأرياف وتُركت للكثير من عوامل الجهل والتخلف وتسلط أصحاب النفوذ. وكان يفترض أن يكون الريف اليمني ممولاً للتنمية ويمد المدن بكثير من احتياجاتها، لكن نموذج التنمية المشوه الذي تم اتباعه جعل المدينة هي من تمول الريف بالاحتياجات وكانت هناك هجرة داخلية كبيرة جداً.

*هذا الإهمال لا يقتصر على الأرياف بل طاول الكثير من المدن، ما أثر ذلك على التنمية والعدالة الاجتماعية؟
هذا الإهمال كان له أثره الكبير على توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية، حيث كان هناك اتجاه إلى أن تتحول صنعاء إلى المدينة الدولة، فتم إهمال مراكز المحافظات وتركيز كل شيء في العاصمة وهي لا يمكن أن تستوعب كل القادمين إليها. وبالتالي هذا النموذج ولّد نوعاً من الهدر للموارد المتاحة في المحافظات. وهذا الواقع خلق نوعاً من التشوه في توزيع الدخل،
حيث تتركز 80% من ثروات البلاد في يد 20% من السكان، في حين أن 80% من السكان فقراء. لا بل يوجد بين الـ 20% من السكان الذين تتركز في أيديهم الثروة 5% فقط يستحوذون على 80% من هذه الثروة، وبالتالي هناك قمة في الغنى وهناك الفقر المدقع.

*انتهج اليمن الإصلاحات الاقتصادية إلا أنها انعكست سلباً وجعلت البلد تُذعن لشروط الدائنين، ما السبب في ذلك؟
تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي فُرض نتيجة لسياسات خاطئة، نحن من أوصلنا أنفسنا إلى هذا الوضع. وعندما نقوم بالاستدانة من كثير من الدول ونعجز عن الوفاء بالدين لا بد أن نُذعن لشروط الغير لكي نحصل على مزيد من القروض. من جهة أخرى، عندما يتم تنفيذ برنامج الإصلاح المالي والإداري نلاحظ أنه كان هناك الكثير من التلكؤ لأن هذا يمس منابع الفساد في مؤسسات الدولة.

*ما هي أبرز الآثار السلبية التي انعكست على المواطنين؟
كان اليمن بحاجة إلى المزيد من القروض والمساعدات بسبب عدم اعتماده على مواردنا الذاتية وكان ذلك جزءاً من الخطأ. لا بل كما نستدين لكي نستدين فقط، بحيث من المفترض أن نستدين من أجل تنفيذ مشاريع تنموية تستطيع سداد الدين من عائداتها. فاليمن مثلاً لم يراعِ البعد الاجتماعي للقروض، وقام بالإذعان لشروط صندوق النقد الدولي التي منها إلغاء الدعم، وتم إلغاء الدعم عن الكثير من السلع الغذائية الأساسية التي تُهم المواطن وأبقت الدعم على المشتقات النفطية. إذ إن ما بين 77% إلى 78% من المشتقات النفطية المدعومة تذهب إلى غير مستحقيها، لا بل كان يتم توجيهها إلى أشخاص، وبالتالي تصريفها في السوق السوداء. وما يذهب إلى الناس فعلاً لا يتجاوز 23%.
إذاً كان هناك انتقائية في إلغاء الدعم، وقطاع النفط يشوبه الكثير من الفساد، فقد كان هناك نحو 3 مليارات دولار يتم توجيهها لدعم المشتقات النفطية. ولو أضيفت إلى الموازنة العامة للدولة وتم توجيهها للاستثمار العام والاستثمار في مجال التنمية سيكون ذلك أجدى وأنفع من أن يتم دعم المشتقات النفطية ولما حدثت اختناقات اقتصادية وعجز في الموازنة العامة للدولة. فالكثير من التقارير تقول إن نحو 20 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية، وذلك بسبب عدم الاهتمام بالمكون الاقتصادي وإهمال الجانب الاجتماعي، إضافة إلى أن نموذج التنمية الاقتصادية الذي تم انتهاجه في اليمن لم يعتمد على موارد البلاد المتاحة وإنما كان يعتمد على المساعدات والقروض.

*إلى أي مدى يمكن أن يكون عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلد من أهم موانع الإصلاح؟
دائماً يقال إن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة. معظم الثورات كان الدافع من ورائها اقتصادي، قليل منها كانت الدوافع ذات جوانب سياسية بحتة. فالمكون الاقتصادي حاضر وبقوة، حتى التحركات في اليمن خلال الفترة الأخيرة كان تتم على أساس أن الأوضاع الاقتصادية متردية حيث تغيب الخدمات وتتفشى البطالة وإشكالية التضخم وارتفاع الأسعار، وهذه عوامل تؤدي فعلياً إلى الثورة.
البلدان المستقرة اقتصادياً وإن حدث فيها نوع من الهزات لا يمكن أن تشهد صراعاً مزمناً. نحن لدينا خلل في الجانب الاقتصادي، فالثروة تتركز في أيادي قلة من أفراد المجتمع، في المقابل لدينا بطالة مرتفعة جداً، خاصة في أوساط الشباب، وهذه ولدت نوعاً من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وعندما ترتفع معدلات البطالة يصاحبها ارتفاع معدلات الجريمة. فتقدير التقارير الحكومية لمعدلات البطالة في اليمن إلى ما بين 19% إلى 20% غير دقيق، إذ إن هذه المعدلات فاقت 40% وهذا الرقم مخيف. وحتى ولو كان 20% بحسب التقارير الرسمية، فمعناه أن 20% من قوة العمل عاطلة، ويصاحبها ارتفاع معدلات الإعالة في اليمن، فكل شخص يعيل من 5 إلى 6 أفراد، هذا يمثل وضعاً كارثياً لبلد فقير.

*برأيكم ما هي أبرز القطاعات التي يمكن أن يعتمد عليها اليمن لتحقيق النهوض الاقتصادي؟
اشتهر اليمن قديماً بالتجارة ولم يشتهر بالصناعة أو الزراعة. ولدينا موقع استراتيجي مهم جداً يمكن الاستفادة منه ولدينا ممرات مائية قريبة واستراتيجية وتُعتبر مركزاً تجارياً. كما أن قطاع الخدمات بشكل عام سواء كان في ما يتعلق بالنقل، الشحن أو التجارة، من القطاعات الواعدة. إضافة إلى قطاع السياحة، إذ لدينا مقومات سياحية متعددة، كذلك قطاع الأسماك، والعنصر البشري. وهذا جزء من القطاعات التي يمكن أن تساهم بشكل كبير جداً في إحداث تنمية سريعة.
ثم بعد ذلك لدينا قطاع الصناعات الاستخراجية وهذه ستأخذ وقتاً وبحاجة إلى تكاليف كبيرة، لكن لدينا مشاريع يمكن أن يتم البدء بها وسوف تعمل على إحداث نقلة نوعية في عملية التنمية ولا ننسى الاهتمام بالمكون البشري. هذا المورد الاقتصادي المهم، والذي ينبغي الاهتمام به وإعادة تأهيله مع العمل على خلق فرص عمل في الداخل والخارج لليمنيين.

اقرأ أيضاً:40% تراجعاً بالحوالات الخارجية إلى اليمن