على هامش الأمالي لأبي علي القالي (1)

03 يونيو 2020
يبقى الأمل في غدٍ أفضل قائمًا، تتكالب عليك الهموم وتتابع، وتُدمي الحياة منك الحشايا وتقذفك بالرزايا، ويطمح المرء إلى فسحةٍ من الأحزان، ويطمع في فاصلٍ يميط الشفتين عن الأسنان، وبسمة ترمِّم ما تصدَّع به القلب من الموجِعات والأسقام.

حال قديم متجدد، حال أجبر أحدهم أن يتمنى الموت، ويقول شعرًا مريرًا منه (ألا موتٌ يُباعُ فأشتريه/ فهذا العيش ما لا خير فيه)، وضاقت عليه الأرض بما رَحُبت، لم ينتشله من بؤسه إلا بارقة أملٍ لاحت تحت الليل البهيم، ليصبح بين غمضة عين وانتباهتها الحسن بن محمد الأزدي المهلبي (291 – 382هـ) وزيرًا.

وصل المهلبي إلى الوزارة سنة 339هـ، وهو يخب -يومها- في أثواب الثامنة والأربعين، وابتسمت له الدنيا بعدما قلبت له -طويلًا- ظهر المجن، ولم يكن المهلبي بِدعًا من الناس، إذ إن كثيرين غيره جلدتهم الدنيا وأذاقتهم الأمرين، وبين أمواجٍ متلاطمةٍ من اليأس والبؤس أنقذهم الأمل، من هؤلاء صاحب الأمالي!

وُلِدَ إسماعيل بن القاسم بن عيذون (بالذال) بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان، سنة 288هـ/901م في قريةٍ يقال لها "مناز جرد"، جنوبي أرمينيا، وكان جَدُّه سلمان -وفي بعض المصادر سليمان- مولىً للمؤسس الثاني لدولة الأمويين، عبد الملك بن مروان.
عاش في بلدته حتى بلغ سن الخامسة عشرة، وتركها قاصدًا دار السلام (بغداد) طلبًا للعلم، وخرج سنة 303هـ في صحبة أناس من قرية يقال لها "قالي قَلَا"، (تكتبها بعض المصادر قاليقلا)، وكانت على ثغر من ثغور المسلمين؛ وقد وجد أهلها حبًّا ومكانة أينما نزلوا، ورأى صاحبنا هذه المَكرُمة، فانتسب إليهم عمدًا، فعُرِف بأبي علي القالي.


قال الزبيدي: سألت أبا علي لمَ قيل له القالي؟ فأجاب: "لما خرجنا من بلدنا، كان في جملتنا جماعة من قاليقلا (أثبتها بعضهم: قَالي قَلَا)، وكانت لهم منَعةٌ ورهبة؛ فكلما دخلوا بلدًا عظَّمهم أهلها، ولما دخلت بغداد انتسبت إليهم ورجوت أن ينفعني ذلك عند العلماء، فلم أنتفع به وعرفت بالقالي".

وفي بغداد، درس النحو والأدب على الزجاج (ت 311هـ)، والأخفش الصغير (ت 315هـ)، وابن السراج (ت 316هـ)، وابن سفير (ت 317هـ)، وابن دريد (ت 321هـ)، وابن قتيبة (ت 322هـ)، ونفطويه (ت 323هـ)، وابن أبي الأزهر (ت 325هـ)، وجحظة (ت 326هـ)، وابن الأنباري (ت 328هـ)، والمطرز (ت 345هـ)، ابن درستويه (ت 347هـ).

وبعد وفاة شيخه وأستاذه ابن دريد، قلبت له الدنيا ظهر المجن، وضاقت عليه كأنها تابوت، حتى أنه كانت في يده نسخة من كتاب الجمهرة بخط شيخه ابن دريد، وكانت لها في نفسه منزلة عظيمة، دفع له أحدهم ثلاثمئة مثقالٍ، فضن بها أن يبيعها، ثم اشتدت عليه الحاجة يومًا فاضطر إلى بيعها بأربعين مثقالًا، وكتب عليها (آنستُ بها عشرين عامًا فبعتها/ وقد طال وجداني بها وحنيني/ وما كان ظني أنني سأبيعها/ ولو خلدتني في السجون ديوني/ ولكن لعجزٍ وافتقارٍ وصبيةٍ/ صغارٍ عليهم تستهل متوني/ فقلت ولم أملك سوابق عَبرةٍ/ مقالةَ مكوي الفؤاد حزين/ وقد تخرج الحاجات يا أم مالك/ كرائمَ من بيتٍ بهن ضنين).

ويهون أمر الفقر إذا كان صاحبه نابهًا عظيم الشأن، حزَّ الأمر في نفسه، على ما ذكر لنا ياقوت الحموي في معجمه بقوله "فلما تأدَّب ببغداد ورأى أنه لا حظ له بالعراق، قصد بلاد المغرب"، ويقول المستشرق بروكلمان إنه بعد دأب خمسة وعشرين عامًا لم يُكتب له الغنى أو الشهرة في بغداد، فعوَّل على الرحيل منها.

جاءته دعوة من أمير الأندلس، عبد الرحمن الناصر، وهو ابن الأربعين، لم يتردد وأنجز الرحلة من بغداد إلى قرطبة في ثلاث سنين، مرورًا بمصر وفيها سمع بوفاة صاحب العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي (246 - 328هـ)، وحمل القالي إلى قرطبة مصنفات كُثُر، ودخلها لثلاثٍ بقين من شعبان سنة 330هـ، وقوبل استقبال الفاتحين، وخلع عليه الناصر -ومن بعده ابنه الحكم- ما عزَّز قيمته في الأندلس، وقوى في نفسه التفرّغ للتأليف والتدريس، ولذلك يقول بروكلمان "أما الأندلس فإن أول من أدخل إليها علم الأدب أبو علي القالي".

وكل يومٍ مرَّ عليه في قرطبة زاد من قيمته، وعرف له الفضلاء من العلماء والأكابر، حتى أن الزبيدي جلس بين يديه ينتجع من علمه، لم يستنكف أن يزاحم طلبة العلم ليفيد من أبي علي، ثم روى عنه، وفق ما أكد لي ياقوت الحموي في معجمه قائلًا: "وممن روى عن القالي أبو بكر محمد بن الحسين الزبيدي النحوي، صاحب مختصر العين، وأخبار النحويين، وكان حينئذ إمامًا في الأدب، ولكن عَرَفَ فضل أبي علي، فمال إليه واختص به واستفاد منه وأقر له".

أثبت القالي -ومثله المهلبي- صحة قول القائل "كم طوى اليأس نفوسًا لو رعت/ منبتًا خصبًا لكانت جوهراً"، وأزهرت حياة القالي وأثمرت في الأندلس، حتى أن كتابه الماتع "الأمالي" قد ألفه في الأندلس، وفي ذلك يقول أبو بكر بن خبر "وهذا الكتاب أمالٍ أملى جُلَّه أبو علي رحمه الله في الأخمسة بالزهراء على بني والملوك وغيرهم من أهل قرطبة، ثم زاد فيه فبلغ ستة عشر جزءًا للعامة، ثم زاد فيه فجعله عشرين جزءًا لأمير المؤمنين".

وفي خطبة كتاب الأمالي، يقول القالي "فأمللت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة"، والزهراء مدينة صغيرةٌ قرب قرطبة، أنشأها عبد الرحمن الناصر سنة 325هـ لتكون متنزهًا له، وتبعد عن قرطبة نحو ستة أميال، وفق ما ذكره ياقوت في معجمه.

لكن ما المراد بالأمالي؟ وهل ثمة كتبٌ أخرى تحمل الاسم ذاته؟ ولماذا عدَّ ابن خلدون كتاب القالي من أُمَّات كتب الأدب؟ وهل صدقت فيه مقولة ابن رشيق القيرواني؟ حول هذه الأسئلة يدور لقاؤنا المقبل.

دلالات