علم المورّثات ودحض جوهر الصهيونية

07 مايو 2016
الصورة

تشومسكي: أهمية إسرائيل لأميركا كونها بلطجيا بالوكالة (19مارس/2013/Getty)

نشرت مجلة "بيولوجيا وتطور المورثات" المرموقة، قبل أيام، بحثاً محكماً لفريق من العلماء المجتهدين، في مقدمتهم يران لهيك من جامعة شيفيلد في بريطانيا، المولود في الكيان الصهيوني لأبوين يهوديين، خلص هذا العالم، بمنهج علمي محكم، استند إلى استخدام تقنيات التحليل المورثي والصبغي، إلى ما يعتبر تدميراً جذرياً لأساس فكرة الصهيونية أنّ اليهود شعب بمثابة عرق واحد يعود في أصوله إلى "أرض الميعاد في فلسطين"، والعودة والهجرة إليها ليستا احتلالاً ولا اغتصاباً للأرض من أهلها الحقيقيين، وإنّما إعادة للحق التاريخي إلى أصحابه الأصليين.
ويمثل الحجم العلمي الضخم للبحث قفزة استثنائية في مجال دراسات الأنثروبولوجيا الوراثية، تمثلت في تحليل موسع للبنية المورثية العائدة إلى 393 شخصاً من اليهود الأشكناز البيض، واليهود الإيرانيين السفارديم، ويهود الجبال في أرمينيا وجورجيا، ومقارنتها بالبنية المورثية لأكثر من 600 شخص من غير اليهود من 35 شعباً من أقوام العالم ضمت الأبخاز والأرمن والعرب البدو والبلغار والمصريين واليونانيين والجورجيين والألمان والإيطاليين والأكراد واللبنانيين والفلسطينيين العرب والتتار والرومان والإيرانيين والأوكرانيين، باستخدام تقنية التنميط الوراثي على رقاقة النسق الوراثي التي تستطيع تحليل 150000 مورثة غير فعّالة من الصبغيات الجسدية، والجنسية، والمتقدرية، التي تشكل ما يشبه البصمة الوراثية التي تحمل ما يشبه التوقيع الوراثي الذي يمكن به ربط أي إنسان بدرجة عالية من الدقة بأقربائه وأسلافه الذين يحملون التوقيع الوراثي نفسه.
وخلاصة البحث العلمي الرصين الذي يستطيع كاتب هذه السطور تقييمها موضوعياً، من الناحية العلمية، لتطابقها مع تخصصه الأكاديمي، ومن دون الدخول في التفاصيل البحثية الدقيقة التي شكلت متانتها التحليلية نقطة ارتكاز، في أول بحث علمي بهذا الحجم يتطرق لهذا الموضوع، أنّ الفريق البحثي الذي أعدّها وصل إلى خلاصة تفيد بأنّ الأصول المورثية لليهود، بمختلف مجموعاتهم العرقية، تعود، في معظمها، جغرافياً وعرقياً إلى أصول تركية، وإيرانية، وأرمنية، وجورجية، ويونانية، ورومانية، من دون أن يكون لها ارتباط من الناحية الوراثية بأي من المجموعات المدروسة الناطقة بالعربية، سواء العرب البدو، أو الفلسطينيين العرب، أو المصريين، أو اللبنانيين، بأي مستوى ذي دلالة إحصائية.
ويتلخص الجزء الثاني من البحث العلمي الاستثنائي الذي قام به الباحث الآنف الذكر بالتعاضد مع أستاذه المخضرم، بول ويكسلر أستاذ علم اللغويات في جامعة تل أبيب، وساهم معه في إغناء البحث الوراثي الرصين بتحليل لغوي عميق لتطور لغة اليديش التي مثلت لغة اليهود الأوروبيين، في تمكن الباحثين من رسم صورةٍ تستند إلى أرضيةٍ علمية وراثية، ودراسة لغوية رجعية استدلالية، تعيد أصول من يدينون باليهودية في عالمنا الحاضر بشكل شبه مطلق إلى شعب مملكة الخزر التي اعتنق ملوكها الديانة اليهودية، ديانة رسمية لمملكتهم وشعبها الذي ينتسب، من الناحية العرقية، إلى القبائل التركية، وازدهرت في القرن الثامن الميلادي مملكةً تجارية في المناطق بين بحري قزوين والبحر الأسود، وضمت أجزاء من شمال إيران، وأرمينيا، وجورجيا، وأوكرانيا، وشرق تركيا، من دون أن يربطهم، من ناحية أصولهم العرقية، أي رابط بالشعوب السامية التي سكنت ساحل بلاد الشام وفلسطين التاريخية أساساً. وهو استنتاج توصل إليه سابقاً، في تحليل تاريخي رصين، من دون أن يكون مدعوماً ببحث وراثي غير قابل للدحض أو التأويل، مثل موضوع هذا المقال، المؤرخ شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، في كتابه الاستثنائي "اختراع الشعب اليهودي" الصادر في 2008 بالإنجليزية، وقبله الكاتب الهنغاري البريطاني، اليهودي، آرثر كوستلر في كتابه "القبلية الثالثة عشرة"، وقد درسا، من الناحيتين، التاريخية واللغوية، الارتباط الجذري للأصول التاريخية لليهود في عالمنا المعاصر بأقوام مملكة الخزر، وليس شعب فلسطين التاريخية.
وحسب الباحث والمؤرخ البريطاني، جيمس بار، في كتابه "خط في الرمل"، كانت فكرة 
البريطانيين بتعزيز الهجرة اليهودية إلى فلسطين التاريخية بمثابة خطةٍ لاعتماد اليهود الذين استجلبهم الإنجليز إلى فلسطين التاريخية، بمثابة وكلاء، مهمتهم تعزيز النفوذ البريطاني في فلسطين، على حساب أندادهم الفرنسيين، والذين ردّوا من طرفهم بعملية شراء ولاءات المتطرفين اليهود، وتسليح عصابتهم الإرهابية التي انقلبت على الإنجليز لاحقاً. وتُكَثِفُ الصورة التاريخية الأخيرة جوهر الهدف الحقيقي الذي كان في ذهن الساسة، سادة الفكر العنصري الاستعماري في بريطانيا وفرنسا، باستخدام اليهود مرتزقة يتم شراء ولاءاتهم، لتحقيق الأهداف الإمبريالية لكل فريق على حساب دماء العرب المغرّر بهم، من دون أن يستثنى اليهود من ذلك أيضاً. حيث لم يبارح الأوروبيون فكرهم العنصري الذي رأى في هجرة اليهود من بلدانهم إلى فلسطين التاريخية خلاصاً منهم، ودفعاً بهم إلى بوتقة يتناحر فيها المسلمون واليهود، وكلاهما من رتبة الأعداء الأزليين في قاموس الفكر الأوروبي العنصري الذي كان ممثله الأكثر صراحةً في الكشف عن جوهره البغيض الدبلوماسي الفرنسي، روبرت دو كايكس، في العام 1915 الذي رأى لفرنسا "حقاً موروثاً" في سورية وفلسطين، فهذه "أرض الصليبيين". وهو الذي لم يكن أصلاً مسيحياً ملتزماً بأي شكل كان، وإنما كان ينطق بلسان الإمبريالية التي كانت تُقَنِّع نفسها بأي لبوس لتبرير سلوكها الاغتصابي لحقوق العرب في أرضهم التاريخية.
وحقيقة استخدام الكيان الصهيوني كجيش من المرتزقة على شكل دولة أفصح عن نفسه فعلياً، بحسب المفكر نعوم تشومسكي، في كتابه "المثلث المصيري" الذي قدّم له إدوارد سعيد، في حقيقة أن الكيان الصهيوني لم يكتسب أهمية استراتيجية لدى الساسة الأميركان الذين حلوا فعلياً محل مشغليه الإنجليز والفرنسيين عقب الحرب العالمية الثانية، إلا بعد اكتشافهم أهمية الكيان الصهيوني ومقدرته على العمل "بلطجياً بالوكالة"، بالنيابة عن الغول العسكري الأميركي، حيث أظهر القدرة على القيام بتلك المهمة بكفاءة في نكسة يونيو/ حزيران 1967، حينما قام بتدمير المد الناصري، والقومي العربي عموماً، ، ومنع تداخله المحتمل مع المصالح الأميركية في التمتع بحق الاستثمار غير المشروط وشبه المجاني في المصادر الطبيعية في الأرض العربية. وهو الاكتشاف الذي أدى إلى اعتماد الساسة الأميركان الكيان الصهيوني ثكنة كبرى، يشغلها لفيف من شعوب الأرض، خياره شبه الأوحد، للاستمرار في الحياة، والعمل عسكرياً مرتزقاً، مهمته السرمدية القيام بما يمليه عليه مشغّلوه في واشنطن.
ويحق للمتأمل العربي الحصيف أن يطالب بإخراج دائرة الصراع العربي الصهيوني من دائرة الجدل المستند إلى أسس لغوية، أو آثارية، أو حتى على النصوص الدينية المقدسة التي لا تمثل مرجعاً تاريخياً محكّماً، وإنما هي نصوص مقدسة ذات وظيفة دينية محضة، بحسب الباحث التاريخي السوري فراس السواح، والخروج من ذلك إلى أفق منهجي، ينطلق من صلابة الأرضية العلمية التي يقف عليها علم المورثات الذي يدحض، بشكل لا يقبل الالتباس أو التأويل، أي علاقة استنسابية بين الغزاة الصهاينة وأرض فلسطين التاريخية، ويعيدهم إلى أصولهم التاريخية في حوض بحر قزوين جغرافياً، وإلى المجال الحيوي لمملكة الخزر الآفلة تاريخياً؛ مقدمة لتأسيس منظار علمي وتاريخي للصراع العربي الصهيوني، يقوم على أن الكيان الصهيوني لم يكن، عبر تاريخه الأسود، سوى محرقة كبرى، يُراد بها لليهود القيام بدور البلطجي المفوّض بإدارة مصالح سادته الإمبرياليين الذين لا يرون ضيراً في احتراق أصابعه، أو حتى فقدانها، في سياق صراعه مع أنداده العرب، لإرغامهم على القبول بما ينفذه من مشاريع أولئك السادة؛ وهو ما يستدعي منطقياً إعادة تعريف جوهر الصراع العربي الصهيوني بشكل عقلاني، يرى أن حلّ الصراع يتمثل في تشخيصه بأنه صراع وجودي، ذو شعبتين متوازيتين، لا تسقيم إحداهما دون صنوها؛ أولاهما مع السادة الذين حولوا يهود العالم إلى جيش من المرتزقة على شكل دولة، وثانيتهما مع عملاء أولئك السادة ووكلائهم من طغاة العرب أنفسهم. ومن دون أن يكون صراعاً بالدرجة الأولى مع اليهود أنفسهم الذين هم، في نهاية المطاف، وقود للمحرقة الشيطانية الكبرى التي يُراد إبقاؤها مضرمة للخلاص بها من اليهود والعرب معاً.

دلالات

تعليق: