علمانية "القرون المفضلة"!

علمانية "القرون المفضلة"!

14 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
العلمانية في الأخير فكرة، لا هي الحل، ولا هي المشكل، بل هي جزء من تاريخ الأفكار، كان ينبغي دراسته، ونقده، بهدوء، إلا أن العلمانية، في أدبيات الإسلاميين الحركيين، تحوّلت إلى عدو، شيطان، ووضعها الإسلاميون في كفة والإسلام في أخرى، وجعلوها نقيضًا للدين، فإما الإيمان/ الإسلام، أو الكفر/ العلمانية، لا يختلف في ذلك أصحاب النظرة السلفية عن الوسطيين المعتدلين.
يزداد الأمر سخونةً حين تنقطع الصلة بين العلمانية والتراث العربي، فالعلمانية في التصوّر الحركي هي "كلمة لم تُعرف في تراثنا من قبل، بل هي ترجمة أجنبية إنكليزية أو فرنسية" هكذا يقول الشيخ يوسف القرضاوي بالحرف، فالعلمانية من مفردات الآخر وأفكاره، والآخر بالضرورة متّهم. ولا يتوقف انزعاج الفقيه التقليدي من المفردة عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى طريقة نطقها، فهي ليست عَلمانية، بفتح العين، بل عِلمانية، بكسرها، هكذا يؤكّد القرضاوي، في كتابه عن محمد عمارة، فالعلمانية ليست نسبة إلى العالم، أو الحياة الدنيا، بل إلى العلم، والعلم في التجربة الغربية خصم الدين، فالعلمانية إذن خصم! هذه رؤية إمام الوسطية والاعتدال، وهو كذلك بالفعل، علما وفقها وحضورا وتأثيرا، فكيف بغيره؟
في دراسة صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في إبريل/ نيسان الجاري، يستكمل عزمي بشارة جهده المتواصل، خلف مصطلح العلمانية، أصله وفصله، ويستدعي نصوصا تراثية تثبت بالقطع أن التراث العربي عرف مفردة العَلمانية، كما نعرفها اليوم، عرفها نسبة إلى العالم، وتمييزا بين المشتغلين بالكهانة وغيرهم من المدنيين، كما أن العرب كانوا ينطقونها بالفتح كما ننطقها اليوم، هكذا عرفوها، وهكذا عبروا عنها، فالعَلمانية لها "أصل" عربي، لا هي دخيلة، ولا هي "مكسورة" العين.
يستدعي بشارة نصا من كتاب "تاريخ الأنطاكي"، استفاده من جهد الباحث رائد السمهوري في معجم الدوحة التاريخي، وهو نصٌّ من القرن الخامس الهجري، يصف فيه الأنطاكي تفاصيل معركةٍ دارت بين بطريرك الإسكندرية، سعيد بن البطريق، واثنين من الأساقفة، كرهوا رئاسته، وانشقّوا عنه، وانحاز لهما بعض المسيحيين، من غير رجال الدين. يقول في وصف الفريقين إنهم: "تحزّبوا حزبين، فصار حزب من الكهنة والعلمانيين مع البطريرك، وحزب منهم عليه"، والإشارة واضحة، فالكهنة هم رجال الدين، والعَلمانيون هم المواطنون العاديون، من رعايا الكنيسة! يؤكّد المعنى نفسه نصٌّ آخر، أقدم من السابق، يجده عزمي بشارة عند جورج طرابيشي في كتابه "هرطقات"، وهو نص لساويرس ابن المقفع، من كتابه "مصباح العقل"، وفيه يتحدّث عن زواج الكهنة في زمانه فيقول: "أما المصريون فرأوا أن يكون الأسقف بتولا لم يتزوج في حال عَلمانيته"!، والمعنى واضح، فالكاهن قبل أن يكون كاهنا يسمّى العلماني، أي الشخص الذي ينتمي إلى العالم، لا إلى رجال الدين. ويلاحظ طرابيشي هنا أن ابن المقفع يستخدم كلمة علمانية من دون أن يشرحها، وهو ما يعني أنها كانت موجودة، ورائجة، ومستخدمة، ومتعارف عليها، ويرجّح أن تاريخ نحت الكلمة كان في القرن الثاني الهجري الذي شهد بداية تعريب الكنائس المسيحية.
يورد عزمي بشارة نصا ثالثا، لابن سباع، في كتابه الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة، يستخدم فيه المؤلف كلمة عَلماني وعَلمانيين عدة مرات، بالمعنى نفسه، ولا يضيف شيئا للنصوص السابقة من حيث المعنى، لكنه يقدّم دليلا أكثر وضوحا على استخدام الكلمة بفتح العين، عَلمانية نسبة إلى العالم، لا إلى العلم، إذ تأتي الكلمة بالفتحة، ويبدو التشكيل واضحا لا لبس فيه.
يكمل بشارة حفره الدؤوب خلف المصطلح، ويكتشف عند النفري، في كتابه "المواقف والمخاطبات"، استخداما آخر للعِلمانية بكسر العين، وذلك في القرن الرابع الهجري أيضا، حيث يقول النفري، بلسان حال رب العزة: "يا عبد، أنا ربك الذي تعلم، وأنت عبدي الذي تعلم، فأَسجد علمانيتك بك، لعلمانيتي بي". .. المدهش أن أغلب المستخدمين لكلمة العِلمانية بكسر العين ينتمون إلى تيارات سلفية، تخاصم الصوفية، فيما لم يصل إلينا اللفظ بالكسر إلا عبر شطحات صوفي مسلم. .. وللسياسة في تدابيرها شؤون.
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان