علماء "نوبل"... وأحوالنا

علماء "نوبل"... وأحوالنا

07 أكتوبر 2016
+ الخط -
ليست قضيةً تستحق الاكتراث أن عربياً لم يفز بأيٍّ من جوائز نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء التي أعلنت، أخيراً، وربما يُحسَب من يثير مسألةً (مفتعلةً؟) كهذه كمن يحمل السّلم بالعرض، فلا مطرح للعرب في مجرى العلوم، وبين ما يتراكم من كشوفاتٍ واختراعاتٍ في غضونه. ولمّا أُعطي المصري أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء (1999) كان من البديهي أن يُشار إلى أن الرجل ابن البيئة العلمية الأميركية، فقد أنجز في مختبراتها وجامعاتها ابتكاره "الفيمتو ثانية". ولمّا رحل قبل شهور، لم نعمد إلى التعريف مجدّداً بمُنجزه، بل آثرنا التذكير بسيسيّته وزيارته إسرائيل. ولا يبدو أننا في وارد أن نغادر الضآلة التي نقيم فيها في شؤون العلم، والمراتب المتدنيّة في البحث العلمي التي تمكث فيها جامعاتنا، مع التسليم بوجود كفاءاتٍ وقدراتٍ فردية متميزة، ومع التنويه اللازم بوجود مؤسساتٍ وكلياتٍ في العلوم والتقنية، في غير بلد عربي، تحاول وتجتهد.
يدهشك، وأنت غير المختص، بل وفقير المعرفة العلمية، ما صنعه هؤلاء العلماء وأوصل الجائزة الكونية الأشهر إليهم. وهذه غالباً، ما تمنح في العلوم لأكثر من عالم. وحدث في عام 2014 أن مُنحت جائزة الطب لأميركي بريطاني وزوجين نرويجيين، تعلق اكتشافهم بتخزين المعلومات في الدماغ، وقرأنا أن كشفهم يفيد في طب الأعصاب، وخصوصاً في العلاج من الزهايمر. لا ناقة ولا جمل لنا، نحن العرب، في هذه المشاغل ومثيلاتها، فنياقنا وجِمالنا في مضارب أخرى. وهذه كشوفُ من استحقوا جائزة نوبل في الفيزياء هذا العام، وهم ثلاثة بريطانيين في جامعات أميركية، كما كشوف فرنسي وبريطاني وهولندي استحقوا عليها جائزة الكيمياء، كما أبحاث يابانيٍّ نال "نوبل" الطب، تذكّرك، أنت العربي المستغرق في تتبع خرائط الدم والاحتراب في غير بلدٍ يخصّك بأن خرائط العلم في ساحاته هناك، بعيداً عنك، معنيةٌ بالتقدّم في هذه الدنيا، وهذه الحياة، في هذه الأرض.
مدهشٌ وباهر انشغال أهل الفيزياء والكيمياء والطب، وبدأبٍ لن ينتهي ربما، في مختبراتهم ومعاملهم، بالصغير إلى حدود غير المرئي، بالجزئيّ الأقلّ من الميكروسكوبي. يبدو أن هذا هو الميدان الذي تستجدّ فيه اكتشافات هذه العلوم واختراعاتها. استغرقت جهود علماء الكيمياء الثلاثة الذين أعطوا "نوبل"، الأربعاء الماضي، في آلاتٍ أصغر من عرض شعر الإنسان آلاف المرّات، تسمّى "الآلات الجزيئية". أيُّ خيالٍ في وسعه أن يقع على أمرٍ مثل هذا؟ قالوا إن جسم الإنسان ينتج باستمرار هذه الآلات، المسؤولة عن تحريك أجسامنا وعملها، فطوّروا جزئياتٍ يمكن التحكّم بمحرّكاتها، لتقوم بمهماتٍ عندما تُضاف الطاقة إليها. إنه فعلٌ شبيه بالروبوتات المتناهية الدقة التي يمرّرها الطبيب في عروق جسم المريض، عندما يبحث عن الخلايا السرطانية. أما زملاؤهم علماء الفيزياء، فلم يكونوا أقلّ انكباباً على "صغائر" مثل هذه، فقد اعتنوا ببنية المادة في أحوالها المتطرّفة (!)، على ما كتب صحافي مختص، ومن أحوال التطرّف هنا، مثلاً، أن تتدنّى الحرارة إلى ما تحت الصفر ب 273 درجة، عندها تصبح البنية الهندسية للمادة خاضعةً لقوانين ما تسمى "الفيزياء الكمومية".
لا يعنينا، نحن العرب في الشرق السعيد، هذا التطرّف الذي أشغل علماء "نوبل" هؤلاء به. ثمّة أرطالٌ مهولةٌ من تطرّفٍ آخر بين ظهرانينا، يصرفنا عن الاعتناء بتلك الفيزياء ومثيلاتها. وليس بيننا من يحفل بصغائر الأمور، من قبيل تلك الجزيئيات في الكيمياء، ولا بتجمعات الذرّات التي أنفق أولئك الفيزيائيون وقتهم في معرفتها. ثمّة قضايا كبرى أعلى شاناً من هذه وتلك، نرفع بيارقها في بطاح الشام والعراق، مثلاً، ونقتتل من أجلها، لنسمو بها على مباذل الدنيا. وإذا كان الياباني يوشينوري أوهسومي قد نال "نوبل" في الطب لعمله على تجديد الخلايا في جسم الإنسان، ولاكتشافه آليات "الالتهام الذاتي" في الخلية، فإن من بيننا، نحن العرب، من أبدع، أيما إبداع، في تجديد الخراب من الخراب نفسه، في التهام كل شيء، وكل عمرانٍ، وإحالته حطاما ينجم عنه حطامٌ، وهكذا دواليك ...
358705DE-EDC9-4CED-A9C8-050C13BD6EE1
معن البياري
كاتب وصحفي من الأردن، مواليد 1965. رئيس قسم الرأي في "العربي الجديد".