عقد قانونية تحاصر السعودية في قضية اغتيال خاشقجي

عقد قانونية تحاصر السعودية في قضية اغتيال خاشقجي

01 نوفمبر 2018
الصورة
تشدد المملكة على أن قنصليتها أرض سعودية(أوزان كوز/فرانس برس)
+ الخط -
طفا في الأيام الأخيرة الكثيرُ من المعلومات والبيانات الرسمية المتضاربة حول قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ومنها على سبيل المثال ما صدر من تصريحات لبعض كبار المسؤولين السعوديين، أبرزهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي قال إن مقر القنصلية السعودية في إسطنبول التي شهدت واقعة اغتيال خاشقجي، هو أرض "سعودية". غير أن خبراء قانونيين يشيرون إلى عدم صحة هذا الكلام، استناداً لاتفاقية فيينا عام 1961 للعلاقات الدبلوماسية، واتفاقية فيينا عام 1963 للعلاقات القنصلية، واللتين تلزمان المقار الدبلوماسية والقنصلية والقناصل بالالتزام بتشريعات وقوانين الدولة المضيفة لهذه المقار.

ويؤكد أحد أساتذة القانون الدولي المصريين، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، أن "أي مقر قنصلي أو دبلوماسي لأي دولة موفدة في كافة أرجاء العالم هو منشأ على أراضي وإقليم الدولة المستقبلة، وتخضع هذه المقار كافة لتشريعات وقوانين الدولة المضيفة، والمقار المشار إليها ليست إقليماً سيادياً للدولة"، معتبراً أن "السعودية هي التي انتهكت حرمة ومسّت شرف وكرامة دولة أجنبية (تركيا)".

ويوضح خبراء قانونيون أن "حرمة ومناعة وحصانة وامتيازات البعثة الدبلوماسية المطلقة والبعثة القنصلية المحدودة" المذكورة في اتفاقيتي فيينا 1961، وفيينا 1963، "لا تعكس صراحة أو ضمناً بامتداد الإقليم الجغرافي السعودي مثلاً إلى داخل الإقليم التركي".
وفي هذا السياق، يقول أستاذ القانون الدولي المصري إنه "حتى الاختصاص القضائي لما وراء حدود الإقليم، مثلاً للولايات المتحدة وفقاً للتشريع الأميركي للجرائم المرتكبة داخل قنصلياتها في الخارج، لا يحيل الأراضي التي تنشأ عليها هذه إلى أقاليم أميركية، والتشريع الأميركي هو الأبرز في هذا الصدد". ويضيف أن "تملُّك أو استئجار البعثة الدبلوماسية أو القنصلية لأراضي هذه المقار، لا يُنقِص من سيادة الدولة في نهاية المطاف على هذه الأراضي، فمباشرة المهام الدبلوماسية أو القنصلية على أراضي الدولة المضيفة، لا ينتقص من سيادة الدولة على الإقليم"، لافتاً إلى أن "الخرائط السياسية للدولة المعتمدة لدى منظمة الأمم المتحدة لا يُقتطع منها أي جزء متملك أو مستأجر للدولة الموفدة للسفارات أو القنصليات".

ويؤكد أستاذ القانون أيضاً أن "حراسة وتأمين هذه المقار من الخارج بواسطة سلطات الدولة المضيفة، واجب على كافة الدول بموجب الاتفاقيتين المشار إليهما، لأغراض عديدة ليس من بينها نظرية الامتداد الإقليمي"، موضحاً أن "المقار الدبلوماسية والقنصلية لا تكتسب حصاناتها وحرمتها وامتيازاتها من اتفاقيتي فيينا (تلقائياً) ولكن من الاتفاقيات الثنائية التي تُعقد بين الدولة الموفدة والدولة الموفد إليها السفارات والقنصليات، كما أن المواد الأولية للاتفاقيتين المشار إليهما تُلزمان السفارات والقنصليات والدبلوماسيين والقنصليين بتشريعات وقوانين الدولة المضيفة". ويشير إلى أن "الاتفاقيتين تلزمان السفارات والقنصليات بأداء الوظائف الدبلوماسية والقنصلية فقط، ولا تقترف أي فعل مخالف لهذه الوظائف أو ينتهك القوانين والتشريعات السارية في الدولة المضيفة". كما أن "الباعث الرئيس من الحرمات والحصانات للمقار المشار إليها ليس نظرية الامتداد الإقليمي ولكن مقتضيات الوظيفة الدبلوماسية والوظيفة القنصلية. ونصّت الاتفاقيتان المشار إليهما حرفياً على ذلك"، بحسب قوله.


وعن الاختصاص القضائي الإقليمي للدولة الموفد إليها القنصليات "تحديداً" في التحقيق والمقاضاة للجرائم المرتكبة في حرم هذه القنصليات، يؤكد الخبراء أنه "اختصاص لا ينازعه اختصاص ما وراء الإقليم، الذي يمكن أن تدفع به الدولة الموفدة، وفي حالة التنازع يُسوَّى هذا النزاع بالوسائل الدبلوماسية بين الدولتين". والقول إن محاكمة المشتبه بهم في القضية اختصاص ولائي للسعودية، هو أيضاً أمر غير صحيح، بحسب هؤلاء.
وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قد قال إن المتهمين بقتل خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول سيحاكَمون في السعودية، وهو ما يعني رفض طلب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بخصوص تسليم هؤلاء ومحاكمتهم في أنقرة. وأضاف الجبير أن بلاده سوف تحاسب المسؤولين وستضمن عدم تكرار مثل هذا الأمر.

خبراء في القانون الدولي يؤكدون لـ"العربي الجديد" أن "تركيا تستطيع مقاضاة رجال الأمن السعوديين المتهمين بقتل خاشقجي، كما تستطيع مقاضاة القنصل العام السعودي إذا لم يكن يحمل جوازَ سفر دبلوماسياً، كما أنها تستطيع أن تطلب من السعودية محاكمته إذا كان يحمل جوازاً دبلوماسياً، ولكن بعد طرده أو إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه. كما تستطيع تركيا محاكمة كل القناصل السعوديين، الذين لا يحملون هويات دبلوماسية، وكافة المستخدمين المحليين الأتراك في قضية خاشقجي".

وكانت السعودية قد أنكرت في البداية معرفتها بمصير خاشقجي، قبل أن تُقرّ لاحقاً بأنه قُتل في "شجار" في قنصلية المملكة في إسطنبول "مع مسؤولين سعوديين كانوا توجهوا إلى القنصلية للتفاوض معه بعد ظهور مؤشرات تدل على إمكانية عودته للبلاد"، وهو تفسير شككت فيه العديد من الحكومات الغربية. وأعلنت النيابة العامة السعودية أنه تم توقيف 18 شخصاً على صلة بالقضية، جميعهم من الجنسية السعودية. ثم عادت الرياض وقالت إن المعلومات التي وصلتها من سلطات التحقيق التركية تشير إلى أن الجريمة وقعت بتخطيط مسبق.

وفي هذا السياق، يوضح الخبراء القانونيون لـ"العربي الجديد" أنه "حتى إذا تصرف المسؤولون التنفيذيون النافذون من دون أوامر الدولة، فذلك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها داخلياً ودولياً، خصوصاً أن الجريمة وقعت على إقليم دولة أخرى ذات سيادة".
وبالنسبة للحديث عن المحكمة الجنائية الدولية، يوضح أستاذ القانون الدولي، لـ"العربي الجديد"، أن المحكمة لا صلة لها بملاحقة الجريمة والمشتبه بهم، إذ لا تشكل الجريمة أياً من الجرائم الدولية الأربع التي تلاحقها المحكمة في لاهاي.
أما بخصوص مقترح وترحيب أردوغان، بفكرة إنشاء لجنة دولية لكشف ملابسات الجريمة والتحقيق فيها، فيؤكد أستاذ القانون أن "الدول لا تحيل ملاحقة أي جريمة ينعقد لها الاختصاص إلى القضاء الدولي إلا عند عجز سلطاتها عن كشف ملابسات الجريمة وملاحقة مرتكبيها، كما حدث في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري عام 2005".

كذلك يلفت خبراء إلى التصريحات الرسمية الأخيرة من المفوضة السامية للأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، ميشيل باشليه، بوصفها أحد المسؤولين الأمميين المعنيين بالمراقبة والتحقق من مدى التزام الدول أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة كافة أصناف التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية عام 1984، مشيرين إلى أن بيانها الرسمي في ذلك الصدد يجب عدم التقليل من أهميته، وذلك في الإشارة إلى احتمال متوقع بشكل كبير، وهو تعذيب الضحية جمال خاشقجي قبل قتله.

المساهمون