عقد على حصار غزة: قتل بطيء لا يُركع الفلسطينيين

20 يناير 2016
الصورة
%80 من سكان القطاع يتلقون الإعانات(عبد الحكيم أبو رياش)
+ الخط -

عشر سنوات مرت على الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، جرى تخفيفه في بعضها، لكن في غالبيتها كان الخناق يشتدّ. بدأ الحصار منذ فازت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، في يناير/كانون الثاني 2006، ولا يزال مستمراً حتى اليوم.

تشير الأرقام إلى حالة مفجعة وصلت إليها غزة؛ فالحصار، ثم الحروب الإسرائيلية الثلاث على القطاع، ألحقت أضراراً بالغة بالبنية التحتية المهترئة للقطاع، ووصلت معدلات ونسب الفقر والبطالة وفقدان الأمن الغذائي إلى مستويات خطيرة، وغير مسبوقة.

اقرأ أيضاً: عريضة دولية لإنهاء حصار غزة وتطوير الميناء البحري

وبات مع الحصار نحو 80 في المائة من السكان يتلقون مساعدات إغاثية وغذائية من المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية، وتجاوزت نسبة الفقر المدقع 40 في المائة، وارتفعت نسبة البطالة أكثر من 45 في المائة، وصار أكثر من 270 ألفاً من الغزيين عاطلين عن العمل.

وبحسب هيئة الحراك الوطني لكسر الحصار وإعادة الإعمار، فإنّ الاحتياجات والخدمات الأساسية الإنسانية للمدنيين في قطاع غزّة باتت مهددة بشكل واضح، بفعل الحصار الخانق والذي يتصاعد مع مرور الوقت، خصوصاً وأن قطاع غزّة يشهد أعلى نسبة كثافة سكانية في العالم.

وفُرض الحصار بداية للضغط على "حماس" سياسياً، بعدما أكدّت عقب فوزها بالانتخابات أنّ لا تغيير على مبادئها وأفكارها ومنطلقاتها السياسية. ومع مرور الوقت، أكل الحصار الإسرائيلي ومعه في بعض الأوقات الحصار المصري، الأخضر واليابس في القطاع الساحلي الذي يقترب سكانه من الوصول إلى مليوني نسمة.

ويؤكد القيادي في "حماس"، إسماعيل رضوان لـ"العربي الجديد"، أنّ الحصار لن يفت في عضد الحركة، وتمسكها بالثوابت، مشيراً إلى أنّ "حماس" لن تقدم أثماناً سياسية مقابل رفع الحصار، ولن تتنازل عن أي من ثوابت الشعب الفلسطيني، معرباً عن اعتقاده أنّ الحصار سينتهي إلى الفشل.

غير أنّ رضوان يلفت إلى أنّ استمرار الحصار الإسرائيلي سيؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية بشكل أكبر مما هي عليه الآن، خصوصاً في ظل الخطوات التي تقوم بها أطراف عديدة، لم يسمها، من أجل استمرار الحصار وتوسيعه.

ويشير رضوان إلى أنّ غزة "قنبلة موقوتة" ستنفجر في وجه الاحتلال والأطراف المشاركة في الحصار في أي وقت، إذا استمرت خطوات التضييق المفروضة على الفلسطينيين في القطاع، وعدم تبني سياسة جديدة تؤدي لرفع الحصار بشكل كامل.

ويوضح القيادي في "حماس" أنّ الحصار أدى لخنق الشعب الفلسطيني سياسياً واقتصادياً وصحياً واجتماعياً من خلال النتائج المدمرة له، والذي شارك به عدد من الأطراف من أجل انتزاع مواقف سياسية كشرط لرفع الحصار عن غزة.

ويشدّد رضوان على ضرورة تحرك السلطة الفلسطينية والدول العربية والإسلامية لتحمل مسؤولياتها تجاه القطاع، ورفع الحصار عنه، والبدء في عملية إعادة إعمار غزة، والضغط على الاحتلال لفتح المعابر والسماح بحرية الحركة والتنقل.

ويتهم القيادي في "حماس" الأمم المتحدة بالتورط في حصار غزة من خلال الوثيقة الأخيرة التي أثبتت دور المؤسسة الأممية في تدوير حصار غزة والمشاركة به، على الرغم من تعارضه مع كافة القوانين والأعراف الدولية التي اعتبرت الحصار جريمة حرب.

وفي السياق، يشير مدير أبحاث المستقبل، إبراهيم المدهون، إلى أنّ القطاع أثبت، خلال سنوات الحصار، قدرته على التحدي والتأقلم مع الحصار، واستحداث البدائل، والتي قامت بها حركة "حماس" لسد الفراغات وعدم الوصول إلى حالة الفوضى.

ويبين المدهون لـ"العربي الجديد"، أنّ العديد من الأطراف وفي المقدّمة الاحتلال ومصر والسلطة الفلسطينية سعت من خلال الحصار إلى إحداث هزة في القطاع، من خلال توقف الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة وغيرها، إلا أن جهودها في هذا المجال فشلت.

ويلفت المدهون إلى أنّ آثار الحصار أسهمت في تضخم العديد من الأزمات، كارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والعجز في الموازنة المالية، وخلق أزمة الطاقة والكهرباء، على الرغم من كافة الجهود التي اتخذتها "حماس" لسدّ هذا العجز.

وينوه المدهون إلى أنّ "حماس" وعلى الرغم من الحصار الشديد الذي شاركت به القوى الإقليمية والدولية على القطاع، إلا أنها لم تتخذ أيّ مواقف إيجابية تجاه الاحتلال، فهي ما تزال ترفض الاعتراف بإسرائيل، وخاضت ثلاث حروب ضده، وتستعد لأي مواجهة محتملة ضده.

ويلفت إلى مواقف حركة "حماس" المرنة التي بادرت بها مع السلطة الفلسطينية ومصر، إلا أنه لم يجر الاستجابة لهذه المواقف من هذه الجهات، التي تعتبر لاعباً رئيسياً في الحصار المفروض على القطاع منذ عشر سنوات.

وفي السياق ذاته، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة، ناجي شراب، أنّ استمرار الحصار المفروض على غزّة، أدى لغياب الرؤية السياسية الواضحة للخروج من الواقع الحالي الذي يعيشه القطاع، موضحاً أنّ القطاع بات مشروعاً سياسياً مؤجلاً، في ظل انسداد الأفق السياسي، وعدم وجود رؤية سياسة واضحة للمصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وتأرجح القطاع بين خيارات الحرب والسلم.

ويؤكد شراب لـ"العربي الجديد"، أنّ خيار الحرب يعتبر الأرجح أمام استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع وفشل الحرب الإسرائيلية الأخيرة صيف 2014 في تحقيق نتائجها السياسية في الوقت التي بدأت إسرائيل بتهيئة الرأي العام الدولي لحرب جديدة في غزّة.

ويشير إلى أنّ خيار الانفجار الداخلي أمام تعاظم الحصار وارتفاع معدلات الفقر والبطالة واعتماد السكان على المساعدات الإغاثية يبقى قائماً، إلا أنّ الفصائل الفلسطينية تسعى لتجنيب القطاع هذا الخيار والتوجه إلى خيار الانفجار في وجه الاحتلال.

ويوضح شراب أنّ "حماس" في غزّة أصبحت لاعباً سياسياً في تطورات القضية الفلسطينية خلال سنوات الحصار على القطاع، وأصبح لها حضور إقليمي ودولي بحكم دورها في القضية الفلسطينية والتطورات التي شهدها الملف الفلسطيني.

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية بغزة أهمية قيام حركة "حماس" بمراجعات ذاتية لرؤيتها ودورها في القضية الفلسطينية بشكل نقدي يساهم في تعزيز شرعيتها الممتدة من شرعية القضية الفلسطينية، واتخاذ مواقف تتسم بقدر من المرونة والتكيف مع الواقع الإقليمي والدولي.

ويشير شراب إلى أنّ "حماس" وعلى الرغم من استمرار الحصار، منذ عشر سنوات، إلا أنها اتخذت مواقف مرنة وتكيفت إلى درجة جيدة مع الواقع الإقليمي في الشرق الأوسط، لكنها تحتاج إلى اتخاذ خطوات أكثر واقعية من ناحية المواقف السياسية.

المساهمون