عقدان على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان: استعدادات لحرب قد لا تقع

25 مايو 2020
الصورة
قوات الاحتلال على الحدود مع لبنان (جلاء مرعي/فرانس برس)
بعد 20 عاماً على 25 مايو/أيار 2000، تاريخ خروج آخر جندي إسرائيلي من لبنان، وهو وزير الأمن الحالي في حكومة الاحتلال، بيني غانتس، لا تبدو الأوضاع الحدودية بين لبنان وفلسطين المحتلة هادئة، رغم انعدام التوترات الأمنية الكبيرة في معظم الأحيان، عدا حرب يوليو/تموز 2006. كل التقارير تؤكد أن الطرفين، إسرائيل وحزب الله، يستعدان لحرب جديدة، مع العمل في الوقت عينه على تفاديها لأسباب عدة، بفعل تعدّد عناصر الصراع من جهة، وكثافة الرسائل المتبادلة من جهة ثانية، خصوصاً في الفترة الأخيرة.

تغيّرت أمور كثيرة في العقدين الماضيين، بدءاً باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية، رفيق الحريري، في عام 2005، واتهام حزب الله بذلك، ثم خروج قوات النظام السوري من لبنان، ونقل الوصاية على البلاد من دمشق إلى الحزب. وبعد حرب تموز 2006، التي استمرت 33 يوماً، أُقرّ القرار الأممي 1701، الذي وسّع نطاق عمل قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان "يونيفيل"، وأبعد حزب الله، نظرياً، إلى شمال نهر الليطاني. بعدها انتقل حزب الله إلى سورية للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد مع قوات إيرانية بعد بدء الثورة السورية في مارس/آذار 2011، قبل أن يتبعهم الإسرائيليون عبر غارات مستمرة ضد مواقع لقوات النظام والحزب والإيرانيين. كما نفّذ الإسرائيليون العديد من الاغتيالات لقيادات رفيعة في الحزب اللبناني. فتوسيع رقعة الجبهة من لبنان إلى الجولان السوري، كان مساهماً في تأجيج التوترات، من دون تخطي الخطوط الحمر بين الجانبين، حتى أن الأمين العام للحزب حسن نصرالله، تحدث عن ذلك بالقول: "حيث يجب أن نكون سنكون"، في مؤشر على رفع سقف المواجهة مع الإسرائيليين.

وعلى الرغم من حدة التوتر الأمني في سورية بين الحزب والإسرائيليين، إلا أنه لم ينعكس على لبنان، سوى في محطات قليلة، بعضها سياسية ـ اقتصادية ـ جغرافية، ومتعلقة بترسيم الحدود، تحديداً في البلوك رقم 9 في البحر، على خلفية اكتشاف كميات من الغاز بين لبنان وفلسطين المحتلة، وهو نزاع تحاول الولايات المتحدة إنهاءه عبر دفع لبنان إلى تقديم تنازلات حدودية. بعض هذه التوترات حصلت أيضاً في منطقة العديسة في 3 أغسطس/آب عام 2010، بين الجيش اللبناني والإسرائيليين، سقط ضحيتها 3 لبنانيين، جنديين وصحافي، وجُرح 6 آخرون، بينهم صحافي. وسقط قتيل وجريح من الجهة الإسرائيلية. في المقابل، ازداد منسوب التوتر في العامين الأخيرين، خصوصاً مع تدمير الاحتلال 6 أنفاق لحزب الله على الحدود، في عملية أسماها "الدرع الشمالي". كما اتهم الاحتلال الحكومة اللبنانية بالتغطية على مصانع ومخازن صواريخ لحزب الله، تحديداً في الضاحية الجنوبية لبيروت وبالقرب من مطار بيروت الدولي وتحت ملعب نادي العهد لكرة القدم التابع لحزب الله. أما ذروة التوترات، فتجلت في شهري أغسطس وسبتمبر/أيلول الماضيين، مع اتهام حزب الله لإسرائيل بتوجيه طائرة مسيّرة إلى قلب الضاحية، فضلاً عن استهداف مبنى يضمّ عناصر للحزب والإيرانيين في العاصمة السورية دمشق، قُتل فيه عنصران من الحزب. أدى ذلك إلى اندلاع اشتباك حدودي محدود بين قرية مارون الراس اللبنانية ومستوطنة "أفيفيم" الإسرائيلية، لم يسقط فيه ضحايا.

ومع استمرار معضلة مزارع شبعا، التي تبلغ مساحتها نحو 33 كيلومتراً مربعاً، وفي غياب الاعتراف الرسمي السوري بها أرضاً لبنانية، تبدو تلك المنطقة أقرب إلى نقطة تحوّل في أي حرب. ففيها استهدف حزب الله دورية إسرائيلية رداً على اغتيال جهاد مغنية في عام 2015، نجل القيادي الراحل في الحزب عماد مغنية، وفيها تقوم القوات الإسرائيلية بعمليات تمشيط ميدانية من حين إلى آخر، مرفقة بإطلاق القنابل المضيئة. وحتى أن تلميحات حزب الله بـ"الدخول إلى الجليل"، يضع مزارع شبعا ممراً إجبارياً لهذا "الدخول".



إلا أن الكولونيل يسرائيل فريدلر، القائد الإسرائيلي الذي أشرف على مناورة استمرت أسابيع لمحاكاة حرب مع حزب الله في قاعدة بشمال فلسطين المحتلة، يشدّد على أن الاحتلال يستعد "بجدية للحرب القادمة. لن نقصّر في واجباتنا لأننا نفهم أننا يجب أن نكون أقوياء للغاية لهزيمة العدو". وشملت المناورة عشرات الآلاف من القوات الإسرائيلية في قاعدة إلياكيم العسكرية. وفي اليوم الأخير من المناورة، توغلت أربع دبابات إسرائيلية حتى سلسلة تلال، وأطلقت قذائف قوية من عيار 120 ميليمتراً عبر الوادي، محققة إصابات مباشرة على أهداف على بعد كيلومترات عدة. وتوغلت قوات برية عبر قرية لبنانية وهمية، قبل أن تنضمّ إليها القوات الجوية والبحرية ووحدات الفضاء الإلكتروني للمناورة. وقال فريدلر، إنه إذا نشبت حرب أخرى، فلن يكون أمام إسرائيل خيار سوى عبور الحدود لوقف نيران حزب الله. ويقول مسؤولون إسرائيليون إن حزب الله يمتلك حوالي 130 ألف صاروخ وقذيفة قادرة على ضرب أي مكان في إسرائيل، فضلاً عن امتلاكه صواريخ متطورة مضادة للدبابات، ومعدات للرؤية الليلية، وقدرات حرب سيبرانية.

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، هلال خشان، فيقول إن "حزب الله برز على الصعيد المحلي ليصبح القوة المهيمنة في لبنان. ولكن على المستوى الإقليمي، فإن موقفه محفوف بالمخاطر بسبب الضغط الإسرائيلي، والاضطراب الداخلي، ومشاكل الإيرانيين". ويضيف "لا يستطيع حزب الله تحمل صراع هائل آخر مع إسرائيل. الاقتصاد اللبناني في حال فوضى، ويقدر أن حوالي نصف السكان يعيشون الآن في فقر، بما في ذلك في معاقل حزب الله، وتعاني الجماعة مالياً بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليها وعلى إيران. كما تكبدت خسائر فادحة في الحرب السورية، وخسرت نحو ألفي مقاتل أثناء القتال إلى جانب الأسد". ويرى أنه "بعد أن كان يُنظر لها ذات مرة على أنها حركة تحرير، بات كثيرون في لبنان والمنطقة يعتبرون حزب الله قطعة شطرنج إيرانية".

بدوره، يرى أحد كبار قادة حزب الله، الشيخ علي دعموش، أن الإسرائيليين يخشون برنامج صواريخ حزب الله. ويضيف: "يجب أن يشعر الإسرائيليون بالقلق والخوف، لأن المقاومة لديها الآن الإرادة والنية والقدرات والقوة لجعل إسرائيل تتكبد هزيمة كبيرة في أي مواجهة قادمة".

(العربي الجديد، فرانس برس، أسوشييتد برس)