عقبات بناء جيش عراقي بعيون خبراء مؤتمر "الجيش والسياسة"

03 أكتوبر 2016
الصورة
علي المعموري: مصير مليشيات "الحشد الشعبي" معلق بالانتخابات(معتصم عبدو)
+ الخط -
يجمع باحثون وأكاديميون عراقيون مشاركون في مؤتمر "الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي"، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ويختتم اليوم الاثنين، على وجود عقبات جوهرية أمام بناء جيش عراقي وطني، موحد وفاعل، في ظل التعثرات السياسية التي يشهدها العراق، منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، وحل الجيش العراقي، بقرار الحاكم المدني الأميركي آنذاك، بول بريمر.

وتتلخص أبرز عقبات بناء جيش عراقي وطني، من منظور الباحثين العراقيين، في العوامل التالية: فشل الأوساط السياسية الحاكمة في بغداد، في صياغة مشروع سياسي وطني يوحد العراقيين؛ وتنامي دور المليشيات المسلحة، لا سيما بعد دخول تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) إلى الموصل عام 2014، وإعلان المرجع الديني علي السيستاني، فتوى الجهاد الكفائي، التي تشكلت على إثرها مليشيات "الحشد الشعبي"؛ والتدخلات الأجنبية، المتعددة، والتي تعد أبرزها التدخلات الإيرانية والأميركية.

كما تطرق الباحثون العراقيون إلى معوقات أخرى لبناء جيش عراقي فاعل، كالفساد المالي والإداري، خاصة في صفقات التسلح، وخشية الولايات المتحدة من بناء جيش عراقي قوي، قبل تنامي خطر تنظيم "داعش" في 2014، ودخوله الموصل.

ويرى مستشار المركز الأوروبي العربي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، اللواء العراقي المتقاعد، عماد علوّ، أن أهم أسباب عدم القدرة على بناء جيش عراقي وطني، بعد حل بريمر لجيش العراق في 2003، هو عدم وجود "استراتيجية وطنية وأهداف عسكرية واضحة" يتم بناء الجيش على أساسها. لكن علوّ يبدو أكثر تفاؤلاً تجاه الجيش العراقي، بعد 2014، إذ يرى أن هذا الجيش اليوم بات أقوى مما كان عليه قبل سقوط الموصل في يد "داعش". ويرى في حديث لـ"العربي الجديد" على هامش المؤتمر، أن التغير الأساسي اليوم، يتمثل في أنه، ومع تنامي خطر "داعش"، أصبحت الولايات المتحدة "أكثر جدية" في عملية بناء الجيش العراقي. ويؤكد أن أميركا كدولة احتلال، لم تكن تثق بالضباط العراقيين، الذين خدموا في ظل النظام السابق. "لذلك كان التسليح محدوداً واعتمد على أسلحة خفيفة ومتوسطة وعجلات مدنية تم طلاؤها بلون عسكري، فبقي الجيش ضعيفاً وليس بمستوى التحديات الداخلية والخارجية"، وفق قوله.

ويرى الباحث العراقي، المختص في سياسة الأمن الوطني، علي المعموري، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المشكلة الكبرى في العراق "سياسية وليست أمنية أو عسكرية، وستنعكس على مستقبل البلاد في مرحلة ما بعد داعش". ويلخص تحديات ما بعد "داعش" بـ"انتشار صراعات تُستثمر فيها الفصائل غير النظامية (المليشيات)، التي تتبع بشكل رسمي لرئاسة الوزراء (مديرية الحشد الشعبي) ولكنها فعلياً مستقلة وتستلم أوامرها من الخارج". ويؤكد على أن مصير مليشيات "الحشد الشعبي" "معلق بالانتخابات"، مضيفاً أنه تم تسجيل حوالي "15 كياناً سياسياً يرتبط اسمها بالحشد الشعبي الذي يريد أن يعزز موقعه في الدولة وتجاه الجيش والشرطة".


وحول إمكانية حل المليشيات مستقبلاً، يرى المعموري أن الأمر مرهون بقرار سياسي، معوّلاً على الفتوى الدينية بدفع الناس خارج المليشيات. ويتابع أنه "لو قُدر أن يصعد إلى السلطة رئيس وزراء وطني، جيد وقوي، سيستطيع بسهولة حل هذه الفصائل المسلحة، لأن أغلب المتطوعين الذين ذهبوا إلى القتال غير مؤدلجين". ويستدرك قائلاً "صحيح أن هناك فصائل مؤدلجة ومعروفة بالاسم، وموجودة قبل أحداث الموصل، وسلوكها سلبي، والناس غير متفاعلين معها في بغداد، لكن أغلب الفصائل أسست بعد سقوط الموصل بيد داعش، تأثراً بفتوى السيستاني، وهو غير مرتبط بإيران كما هو معروف"، على حد قوله.

وتتلخص رؤية المعموري، بأن المليشيات المؤدلجة، التي تشكلت قبل سقوط الموصل، هي المشكلة، بينما أغلب المليشيات التي تم تشكيلها بعد فتوى الجهاد الكفائي، التي أصدرها السيستاني، ستتفكك فور صدور فتوى من المرجع نفسه بعد هزيمة "داعش". ويقول إنه "إذا انتهت الحرب، فنفس الفتوى التي دفعت المتطوعين للانضمام للحشد الشعبي، ستدعوهم إلى تركه". كما يلفت إلى أن المليشيات المؤدلجة "تملك قوة على الأرض وقوة سياسية وداعما إقليميا ويمكن أن تصطدم بالمليشيات الأخرى مستقبلاً".

من ناحيته، يقلل علوّ من قدرات المليشيات العسكرية، إذ يجد أن عددها تزايد "لحماية النظام وسد الفراغ الأمني وأخذ المخصصات المالية"، إلا أن عددا قليلا منها مدرب بشكل جيد، ويخلص إلى أن هذه المليشيات "غير قادرة على الصمود أمام أي خطر أو تحدٍّ عسكري".

من جانب آخر، يشير علوّ إلى الفساد المالي والإدراي، كأحد عوامل فشل بناء الجيش العراقي. ويؤكد أن "بعض القوى السياسية رأت في الجيش وسيلة للربح والكسب المادي من خلال عقد صفقات فاسدة". ويضيف أن "الفساد أدى إلى ظهور سلبيات عديدة في الجيش العراقي، من ضمنها ما سمي بالجنود الفضائيين، إذ سجلت أسماء العديد من (سكان) الجنوب الذين لم يلتحقوا بالوحدات العسكرية". ويتابع أنه "في الموصل كانت هناك ثلاث أو أربع فرق عسكرية، لكنها كانت خالية من الجنود تقريباً، إذ كانت الأعداد قليلة، وكانت هناك أسلحة كثيرة تركت لداعش لعدم وجود جنود يكفون لاستخدامها".

ويرسم علوّ رؤية أكثر تفاؤلاً تجاه الجيش العراقي اليوم، على الرغم من الإحباطات السياسية. ويقول: "الجيش العراقي الآن قوي وحقق انتصارات كبيرة جداً وجاء هذا نتيجة لأحداث 2014، عندما شعر العالم بوجود خطر عالمي متمثل بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فقام بالضغط على الولايات المتحدة لتكون جادة بتسليح الجيش". ويضيف: "بعد حزيران 2014 أصبح لدى العراق طائرات وغطاء جوي لم يمتلكه من قبل، واليوم إمكانيات أسلحة العراق جيدة، وهناك مستوى تدريب عال، ويمتلك تكنولوجيا وأسلحة متطورة".

تجدر الإشارة إلى أن المعموري قدم أمس الأحد، خلال أعمال اليوم الثاني للمؤتمر الأكاديمي الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورقة حول "الجيش والفصائل غير النظامية في العراق: جدل الدولة والبديل الإثني". أما علوّ فيقدم اليوم الاثنين، في ثالث أيام المؤتمر، ورقة حول "الدور السياسي للمؤسسة العسكرية العراقية في مراحل التحول الاجتماعي".

المساهمون