عفو الحوثيين والقصة النازية

12 اغسطس 2020
الصورة

لم يحظَ "عفو" الحوثيين عن ستة مواطنين يمنيين من أتباع الديانة البهائية، بالهجاء الذي يستحقه. لمَ الهجاء ما دام "عفواً"؟ أولاً لأن "العفو" صدر عن "جريمة" كونهم بهائيين، ثم لأن القرار الحوثي اشترط مغادرة أبناء هذه الديانة، اليمن، في مقابل الإفراج عنهم بعد سنوات من الاعتقال، وبعد الحكم عليهم بالإعدام بتهمتي "الردّة والتجسس". إذاً، ربطت الجماعة الحوثية الإفراج عن البهائيين الستة بصفقة تولى تنسيقها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، لشرعنة تهجير أتباع هذه الطائفة من اليمن، وهو ما وافق عليه المواطنون الستة الذين غادروا صنعاء مساء الخميس الماضي (30 يوليو/ تموز) إلى أوروبا حيث سيقيمون لاجئين إنسانيين. وما تهجير الحوثيين كل من لا يستطيع عقلهم استيعاب وجوده جديدا عليهم، ذلك أنه سبق لهم أن هجروا من تبقى من يهود اليمن إلى إسرائيل، تنفيذاً لشعارهم المستعار من عنصرية القرون الوسطى الأوروبية، ومن أدبيات النازيين معاً: اللعنة على اليهود.

قصة تهجير البهائيين تبدو نسخة مسروقة من كتابَين: كتاب تعامل النازية مع يهود وشيوعيي وغجر ومثليي البلدان الأوروبية التي احتلها هتلر قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها. وكتاب آخر إيراني، تتوالد فصوله هناك، قائم على اضطهاد رسمي ممنهج لأتباع هذه الديانة (تأسست في القرن التاسع عشر في إيران تحديداً)، والسطو على ممتلكاتهم وسجنهم وقتلهم وملاحقتهم، لا لشيء إلا لأنهم بهائيون، تنفيذاً لمفهوم الردّة. وحكم الردّة هو نفسه الذي غلّف حكم الحوثيين بحق المواطنين اليمنيين الستة، قبل أن تُضاف إليه التهمة القاضية: التجسّس. والتجسّس في حالة البهائيين موضوع المقال يحيل إلى تواصل زعيمهم حامد بن حيدرة مع بهائيي حيفا، بحسب رواية سلطات الحوثيين، وهو اتصال يقوم به أتباع كل الديانات في كل أنحاء الأرض، غير أنه غالباً ما تستحضره عند اللزوم العقول التي تعتبر أي اختلاف بمثابة عمالة. إذاً، هي ردّة وتجسّس معاً، وكلاهما مشتقان من المعجم النازي: فالعقل الذي تقيأ أولى أفكار النازية منذ ما قبل كتاب أدولف هتلر ورودولف هس ("كفاحي")، أي منذ ديتريش إيكارت، مروراً بغوبلز وهيملر وبورمان وبقية أفراد العصابة، برّر إبادة اليهود، من بين مبرّرات أخرى، بأنّ لا ولاء لهم لألمانيا، أي أنهم جواسيس بالفطرة. ووضع هذا العقل المريض نفسه إزاحة أعداء الداخل من الوجود في سياق عدم انتمائهم إلى العرق الآري، وهو في عرف النازيين وورثتهم بمنزلةٍ تسمو على الدين، أي أننا نتحدّث عن نوع من أصناف الردّة أيضاً. 

كان بإمكان الحوثيين تنفيذ أحكام الإعدام بحق البهائيين الستة، لكنهم فضّلوا، مثلما فعلوا عندما هجروا 19 يمنياً يهودياً إلى إسرائيل عام 2016، التخلص منهم مع تحويل المأساة سياسياً إلى سببٍ يبرّر تهنئتهم من البعض، على عكس ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) طيلة حكمه أراضي "خلافته" بعقيدة عدمية مطلقة، لا تبتغي من القتل الجماعي إلا القتل. وفي ذلك تقمّص الحوثيون انفصام شخصية أحد أشرس رموز حلقة هتلر، هاينريخ هيملر، قائد البوليس السري (SS)، رمز الإبادة في معسكرات الموت النازية ومهندس المحرقة. جمع هيملر في إدارته الهولوكوست بين سلوكَي الإبادة العدمية (ورثها "داعش" لاحقاً)، والمتاجرة سياسياً بالتفاوض حول مصير اليهود وتهجيرهم عندما بدا واضحاً بالنسبة له أن ألمانيا النازية ذاهبة حتماً نحو خسارة الحرب العالمية الثانية. يخبرك المؤرخون كيف ظل هيملر يفاوض حكومات أوروبية (عبر معارف له في اللجنة الدولية للصليب الأحمر) عارضاً تهجير اليهود والتوقف عن قتلهم، في مقابل الاعتراف به زعيماً بدل هتلر لترتيب وقف الحرب وإبرام اتفاق سلام ما. 

أغلب الظن أن الحوثيين، وهم يهجّرون الأقليات من اليمن، لم يكونوا يعرفون قصة هيملر وتناوبه على قتل الملايين من غير المرغوب فيهم، ومن ثم تصوير تهجيرهم، وهم هياكل عظمية، عملا إنسانيا. لكن الحوثيين، بجريمتهم تلك، يعقّدون المهمة كثيراً على كل من يقول إنهم جزء من الشعب اليمني، وأنه لا بد من إيجاد صيغة للتعايش السلمي بينهم وبين المكونات اليمنية الأخرى.