عطرنا المقتول

07 سبتمبر 2014
الصورة
زهور الياسمين (GETTY)
+ الخط -

المكانُ ليس واضحاً تماماً، لكن الرائحة التي تنبعث منه كريهة. لا مجال للشكّ. كريهةٌ لكنّها معتّقة كالنبيذ.

يصعبُ تحديد عمرها ومصدرها على وجه الدقة. تركت بصمة في كل مكان. تسلّلت إلى دواخلنا بسلاسة حتى ألفناها، وإن وصفناها بـ "الكريهة".

رائحةُ الياسمين كانت تعبق في ذلك الحيّ القديم لبيروت. كأن عروساً مرّت لتوّها من هنا. نثرت بعضاً من رائحتها، ومضت نحو الرائحة التي اختارتها.

بنت هذه الزهرة علاقة خاصة مع أرواح البشر. لها الفضلُ في إنعاشهم. كانت تنتظر المصعد حين أخرجت قنينة عطرها من حقيبة يدها، ورشّت القليل منه على رقبتها وشعرها.

كانت هذه الرائحة بمثابة فاصل بين العمل وخارجه. كأنها أرادت أن تُسطِّر لحظة الانتقال هذه برائحة جميلة منحتها بداية ما. عبقت في الهواء ولامست كلّ من مر من أمامها.

ظنّت أن طفلها يُكوِّنُ بعضاً من رائحته أثناء وجوده في رحمها. كانت تتوق إلى انزلاقه منه لتشم رائحته.

لم تعرف إن كان من وجهٍ للتشابه بينهما. لكنها أدمنت رائحته وامتهنت الشمّ. تحشر أنفها في زوايا جسده في أوقات متفرقة من النهار. حفظت رائحته، وأضافتها إلى رائحتها. صارا رائحة واحدة.

يقول لها دائماً إن المرأة هي من تضع اللمسة النهائية على أي عطر. لرائحة جلدها الكلمة الأخيرة.

كان يتلذذ في المقارنة بين العطر في الزجاجة وذلك الذي تمدّد فوق جسدها. يفعل ذلك دائماً لإثبات نظريته.

يستشهد بفيلم العطر الذي يعمد فيه البطل جان باتيست غرونوي إلى قتل نساء جميلات لاستخلاص العطور الطبيعية من أجسادهن. وكان العطر الأجمل ذلك الذي نتج عن دمج 12 عطراً مستخلصاً من ضحاياه، أروعها عطر الفتاة الصهباء المقتولة.

غرونوي الذي لم يكن جسده يفرز روائح خاصة به، لم يكن يدرك العالم إلا عبر حاسة الشم. وحين أراد الناس شنقه عقاباً على جرائمه، رشّ بعضاً من عطره المركّب عليهم. خُدّروا وقد ساقهم العطر في حالة حب جماعية. أفقدتهم الرائحة صوابهم تماماً.

في لبنان، يركض الناس خلف الروائح الكريهة. تُساق الأمهات نحو امتهان "شمّ" جثث أطفالهن، ثم قمصانهم، وتحنيط الرائحة في أنوفهم. يهرعون نحو رائحة الموت. فيها ما يشبع غرائزهم.

يبدو أنه في قديم الزمان، رشّ أحدهم، على غرار غرونوي، عطراً كريهاً، لكنه نجح في أسر اللبنانيين داخل حلقة من العنف.

غرونوي آمن أن "من يسيطر على الروائح يُسيطر على قلوب الناس". واللبنانيون آمنوا بالروائح النتنة وتبعوا مصدرها حتى فقدوا حاسة الشم.

حتى الياسمين لم يعد يعنيهم. يسقط أرضاً ويدوسونه بأقدامهم.

المساهمون