عطاء بلا مقابل.. يورغي تيروز ورفاقه يتبرّعون بالحياة

عطاء بلا مقابل.. يورغي تيروز ورفاقه يتبرّعون بالحياة

14 يونيو 2016
الصورة
"كان لا بدّ من القيام بشيء ما" (حسين بيضون)
+ الخط -

اليوم، في الرابع عشر من يونيو/ حزيران، ترفع منظمّة الصحّة العالميّة شعار "الدم يربط بيننا جميعاً". إنّه اليوم العالمي للمتبرّعين بالدم.. هو يوم هؤلاء الذين شاركوا آخرين الحياة، وقد تبرّعوا بدمهم. لبنان أيضاً معنيّ.


"تبرّع بالدم.. تبرّع بالحياة"! بالأحمر خُطّت هذه الكلمات التي يرفعها يورغي تيروز ورفاقه شعاراً لهم، على حافلتهم الجديدة. هناك، في وسط شارع الجمّيزة في بيروت، رُكِنت تلك الحافلة البيضاء والحمراء، بنك الدم ومركز التبرّع المتنقّل، الأوّل من نوعه في لبنان.

كلّ شيء هناك كان بالأبيض والأحمر، احتفاءً باليوم العالمي للمتبرّعين بالدم. في كلّ عام، ينتظر تيروز ورفاقه هذا اليوم "كفرصة أخرى، نشكر من خلالها المتبرّعين بالدم. هي فرصة لشكر من يصحو ليلاً أو من يترك عمله ليتبرّع بدمه لشخص لا يعرفه. جميل ونبيل هو التبرّع لأشخاص مجهولين. التبرّع بالدم لمن نعرفه أو لقريب، هو أمر نبيل أيضاً، لا شكّ في ذلك. لكنّ الأوّل عمل رائع، لا أحد يسلّط الضوء عليه. هذا هو معنى العطاء بلا مقابل".

قبل ستّ سنوات، أسّس الصيدليّ يورغي تيروز (30 عاماً) جمعيّة "العطاء بلا مقابل" (Donner Sang Compter) وقد اقتبس اسمها من صلاة مُعتمَدة في الحركة الكشفيّة. هو بنى جمعيّته على أسس تلك الحركة التي انخرط فيها على مدى 15 عاماً وكذلك تجربته في الصليب الأحمر اللبناني في عام 2003. بالنسبة إليه، "التربية منذ الصغر على العطاء، وعلى العطاء بلا مقابل، أمر أكثر من مهمّ".

ثلاث حوادث دفعت تيروز إلى تأسيس تلك الجمعيّة التي يرأسها اليوم. الأولى، حادثة شخصيّة لا مجال لسردها كاملة هنا، ومن غير المفضّل نشرها مجتزأة. الثانية، "ما حصل مع جدّ صديق من الحركة الكشفيّة احتاج إلى وحدات دم عديدة من فئة AB سالب، النادرة. لم يتمكّنوا من تأمينها له، فتوفّي. حينها سألتُ: هل يُعقل أن يموت الإنسان في أيامنا هذه بسبب نقص في الدم؟ بسبب عدم توفّر دم في البنوك؟". أمّا الثالثة، "فهي حرب تموز 2006. سمعتُ نداءً للتبرّع بالدمّ واتصلتُ ببعض الأصدقاء. كانت أزمة وقود في تلك الفترة، وكانت السيارات فارغة من البنزين، لكنّنا تدبّرنا أمرنا في النهاية وتبّرعنا بالدم". من هنا، رأى الشاب الذي كان يبلغ العشرين من عمره في ذلك الحين، أنّ "لا بدّ من القيام بشيء ما". وفي عام 2007، كان "فيسبوك وسيلة للمساعدة، من أجل القضيّة.. قضيّة التبرّع بالدم في لبنان". وكانت الجمعيّة رسمياً في 31 مايو/ أيار 2010، "صلة وصل بين المتبرّع ومن هو في حاجة إلى الدم. نحن لسنا بنك دم".

مذ تأسّست الجمعيّة، راح تيروز ورفاقه يفكّرون في كيفيّة تطوير عملها. وقد نجحوا في كلّ عام، في التقدّم خطوة إلى الأمام. وبهدف تعزيز نشاطهم، "كان لا بدّ من تأمين مركز متنقّل للتبرّع بالدم، للوصول إلى أكبر عدد من الأشخاص والشركات والمصارف والجامعات، إلى كلّ مكان يستطيع الشخص فيه أن يتبرّع بالدم. كان من الصعب جداً تأمين المبلغ المطلوب، لكنّنا بقينا نحاول". ويشير تيروز إلى أنّه بعد انتسابهم إلى الفدراليّة الدوليّة لمنظمات المتبرّعين بالدم (IFBDO)، تعرّفوا إلى صندوق الدم العالمي (GBF) الذين يؤمّن معدّات من البلدان المتطوّرة إلى "بلدان مثل حكايتنا". فأعلمهم المعنيّون فيه أنّ ثمّة حافلة متوفّرة في اسكتلندا.

لكنّ الجمعيّة لم تتمكّن من تسجيل تلك الحافلة، "هي كانت مصمّمة لتتناسب مع أنظمة السير في المملكة المتحدة. اضطررنا إلى تعديلها عبر نقل المقود إلى الشمال مع كلّ ما يتطلب ذلك من إجراءات ميكانيكيّة. وسجّلنا حافلتنا في النهاية". وأوّل من أمس، في 12 يونيو/ حزيران الجاري، أطلقت أوّل حملة تبرّع فيها. أتى ذلك خلال يوم بيئيّ من دون سيارات، نظّمته في شارع الجمّيزة جمعيّة "أشرفيّة 2020".

يشير تيروز إلى أنّه "خلال عامَين ونصف العام، تمكّنا من تنظيم 400 حملة تبرّع. كان ذلك بواسطة باص صغير، ننقل فيه معدّاتنا لا سيّما الخيم التي نركّز تحتها الكراسي الأربعة الخاصة بالمتبرّعين. لكنّ الأمر كان يسبّب لنا مشكلة إذا أمطرت مثلاً، وإذا لم تتوفّر مساحة لنصب الخيم في المكان الذي نقصده". أمّا مع الحافلة الجديدة، "فإنّنا لسنا في حاجة إلّا إلى مساحة تساوي ثلاثة أماكن مخصصة لركن السيارات. من خلالها، نستطيع الوصول إلى أماكن مختلفة، لم نكن قادرين على تنظيم حملات فيها من قبل، بسبب عدم توفّر مساحة لنصب الخيم". يُذكر أنّ في الحافلة الكبيرة، أربعة كراسٍ خاصة بالمتبرّعين وغرفة للفحوصات وأخرى للاستراحة وثالثة خاصة ومختبر وفسحة للتخزين.

على مدى ستّ سنوات، تمكّنت الجمعيّة من دعم نحو 70 ألف شخص كانوا في حاجة إلى الدم، من خلال العمل التطوّعي الذي ترتكز عليه. هي تضمّ اليوم 140 متطوّعاً ملتزماً و15 موظفاً. لكنّ تيروز يوضح أنّهم لا يسحبون الدم. "نحن نقيم شراكات مع مستشفيات. في كلّ حملة، ثمّة مستشفى يفصل لنا أطباء وممرّضين لسحب الدم ومتابعة المتبرّعين. وهذا عائق كبير بالنسبة إلينا، إذ إننا كثيراً ما نضطر إلى إلغاء حملات بسبب عدم توفّر مستشفى".

إلى ذلك، يرى أنّ مشكلة التبرّع هنا هي "التبادل. كأنّما نقول: أعطني كيلوغراماً من البندورة أعطِك في المقابل كيلوغراماً من الخيار. في مستشفيات لبنان، لا يمكن الحصول على وحدة دم من فئة معيّنة إلا عند تأمين واحدة في المقابل من أيّ فئة كانت. ونحن هنا ننادي بالتبرّع التطوّعي. بذلك، لا يكون المرء مضطراً إلى ردّ الجميل لأيّ كان".




التطوّع في دمها

من الحافلة الجديدة التي كانت أشبه بخليّة نحل، قبل ظهر أوّل من أمس، تخرج مي رحمة وقد علّقت آلة التصوير في عنقها، بينما تحمل استمارات لمتبرّعين في الداخل. "حظّي حلو!" وتبتسم وهي تشرح أنّها تمكّنت من المشاركة في الحملة قبل العودة إلى فرنسا، أمس. هي كانت قد انتقلت إلى فرنسا في العام الماضي لمتابعة دراساتها في علوم الأحياء، لكنّها كلّما عادت إلى لبنان في زيارة، تستعيد نشاطها التطوّعي في الجمعيّة ولو لفترة محدودة.

تخبر رحمة (22 عاماً) أنّ "في سبتمبر/ أيلول 2013، تطوّعتُ في الجمعيّة بعدما تعرّفتُ عليها قبل عام من خلال حملة نظّمَتها في الجامعة. لم أكن من قبل أفكّر في التبرّع، لكنّنا عندما نرى الأمر أمامنا، نتحمّس. هكذا، تبرّعت بالدم للمرّة الأولى". وتتالت المرّات ليصبح في رصيدها 22 تبرّعاً بالدم. وتشير إلى أنّ "وتيرة التبرّع هي بحسب ما نتبرّع به. إذا كان الدم، فمرّة واحدة كلّ شهرَين أو ثلاثة. أمّا إذا كان صفائح الدم (بلاكيت)، فمرّة واحدة كلّ أسبوعَين". وتشرح أنّ "النساء أيضاً يستطعن التبرّع بالصفائح. يُقال غير ذلك، لأنّ هذا النوع من التبرّع لا يمكن أن يحصل مع أوردة رفيعة. صحيح أنّ أوردة النساء تكون عادة أرفع من أوردة الرجال، لكنّ ذلك لا يعني أنّها دائماً غير صالحة لهذا النوع من التبرّع".

وتأسف رحمة لأنّ "التبرّع في لبنان تبادليّ. أما نحن فنحاول من خلال حملاتنا تأمين مخزون لتغذية بنوك الدم في المستشفيات، بواسطة التبرّع التطوّعي. كذلك نؤمّن حاجة من يتّصل بنا، عبر العودة إلى قائمة متبرّعينا. ونحن ننجح في تأمين ما بين 48 و50 في المائة من الطلبات".

بالنسبة إليها، "التبرّع بالدم أمر لا يكلّف مالاً ولا يتطلّب وقتاً طويلاً وكلّ وحدة منه تساعد ثلاثة أشخاص. لكنّ الناس بأكثرهم، لا يشعرون بأهميّة التبرّع إلا عندما يحتاجون هم أو أحد المقرّبين إليهم للدم. بالنسبة إليهم: ثمّة مائة شخص غيري! للأسف، هذا الموقف هو سبب النقص الذي نعاني منه في لبنان".

أهمّ شيء في حياتي

سامر! حرب! الجميع ينادي عليه ويسأل عنه. يصل حاملاً معدّات يسلّمها داخل الحافلة الجديدة، قبل أن يخرج مع ابتسامة عريضة تماماً كما رحمة وتيروز. عند سؤاله عمّا يفعله في الجمعيّة، يجيب: "شوي (قليلاً) من كلّ شيء". إنّه سامر حرب (27 عاماً) متخصّص في هندسة الاتصالات، ينشط في الجمعيّة منذ بداياتها تقريباً.

يخبر أنّه قبل سبعة أعوام، "كانت نسيبة صديقة لي تتلقّى علاجاً للسرطان. فئة دمها نادرة. حاولنا كثيراً تأمين وحدات لها، لكن من دون جدوى. وقضت. هذا ما دفعني إلى التساؤل: هل يُعقل بعد كلّ شيء أن يتوفّى الإنسان نتيجة عدم القدرة على تأمين الدم له؟". ومن خلال "فيسبوك"، تعرّف حرب إلى تيروز في عام 2009، "وانطلاقاً من إيماني بضرورة التوعية حول أهميّة التبرّع بالدم، انخرطت بالمشروع. وفي ديسمبر/ كانون الأوّل من العام نفسه، شاركتُ في لقاء للجمعيّة من دون أن أعرف أياً من الموجودين. واليوم، يتبيّن لي أنّ هذا أهمّ شيء قمت به في حياتي".

بالنسبة إلى حرب، "ليس التبرّع بالدم هو المهمّ فقط، بل حثّ الناس على ذلك أيضاً. التوعية هي الأساس. صحيح أنّ الأمر ليس بديعاً، فنحن نتكّلم عن دم وحقن وأنابيب، إلا أنّه يتعلّق قبل كلّ شيء بإنقاذ حياة. من هنا كان الشعار: تبرّع بالدم.. تبرّع بالحياة".

يؤكّد حرب أنّه "في كلّ يوم، ثمّة من يحتاج إلى دم. في كلّ يوم، ثمّة مستشفيات تحتاج إلى دم. وفي المستشفيات، لا يمكن لأيّ كان أن يدخل ويقول: أرغب في التبرّع بالدم. هو بحاجة إلى التبرّع لشخص يعرفه، أو أقلّه يعرف اسمه وحاجته. هنا، يأتي دورنا كصلة وصل. نحن لا نخزّن الدم، بل نؤمّنه عند الحاجة للبنوك". ويشرح أنّه من خلال "قائمة المتبرّعين المسجّلين لدينا مسبقاً، نحاول تلبية الحاجة. نحن نعمد إلى جدولة عمليّات التبرّع. كلّ من أدرج اسمه على قائمة المتبرّعين، يكون جاهزاً في فترة معيّنة مرتبطة بتاريخ تبرّعه الأخير بالدرجة الأولى".

ويشير حرب إلى أحد شعارات الجمعيّة "لو كانت هلقدّ هينة ما كنّا عم نطلب منك تتبرّع! عايزينك! تبرّع بالدم"، مشدّداً على أنّ "هدفنا هو رفع حجم مخزون بنوك الدم في المستشفيات. هذا ما نقوم به فعلياً خلال حملاتنا". ويشرح أنّ للتبرّع آليّة خاصة. في البداية، ثمّة استمارة يعبّئها الراغب في ذلك، حول وضعه الصحيّ الحالي وتاريخه، بالإضافة إلى معلومات أخرى ذات صلة. "لكنّ الاستمارات ما زالت تختلف من مستشفى إلى آخر، على الرغم من أنّ وزارة الصحّة العامة وضعت استمارة موحّدة. ثمّة معايير تفرضها المستشفيات التي تتّبع النظام الأميركيّ، مغايرة لتلك التي تتطلبها المستشفيات العاملة بالنظام الفرنسيّ أو الأوروبيّ".

على قميصه القطنيّ، كما على قمصان الناشطين الآخرين، لا سيّما رحمة وتيروز، نقرأ "متبرّع بالدم.. منقذ لحياة" من الجهة الأماميّة. أمّا من الجهة الخلفيّة، فالشعار الذي أطلقته منظمة الصحّة العالميّة بمناسبة 14 يونيو/ حزيران: "الدم يربط بيننا جميعاً". ويشير بشيء من الفخر المحقّ: "نحن نمثّل لبنان في الفدراليّة الدوليّة لمنظمات المتبرّعين بالدم، منذ عام 2013. وفي أوّل لقاء شاركنا فيه، كنّا نسعى إلى التعلّم من المعنيّين فيها، إلا أنّهم تفاجأوا بنا".

دلالات