عصام العريان وأسئلة نزيف ضحايا السيسي

15 اغسطس 2020
الصورة

يثير إعلان النظام المصري عن وفاة الأمين العام لحزب الحرية والعدالة ونائب رئيسه، عضو مكتب إرشاد الجماعة السابق ومسؤول المكتب السياسي، الدكتور (الطبيب) عصام العريان، صباح الخميس 13 من أغسطس/ آب الحالي، قبل الذكرى السابعة للمذبحة في ميداني رابعة العدوية والنهضة بيوم؛ أسئلة عدة، كما يُلقي ظلالا قاتمة على أفق تعامل عبد الفتاح السيسي مع ملف مُعتقلي الرأي في سجونه، وخصوصا الرموز المُنتمية لجماعة الإخوان المسلمين، ويُنبئ الخبر المُفجع عن تصعيد خطير يستهدف مزيدا من الضحايا في الفترة المقبلة. 

من أوائل علامات الاستفهام المأساوية الضخمة التي يثيرها استشهاد العريان عن نحو 66 عامًا أنه عُرِفَ بأنه من أصحاب النهج الوسطي؛ بل يعتبره معنيون بشؤون الإخوان المسلمين من دعاة إصلاح الجماعة من داخلها بشكل مُتدرج. كما اشتهر بمقالات رأي كتبها في مجلات ودوريات مصرية وعربية وعالمية؛ بالإضافة إلى تاريخه الحافل بالنضال، بداية من كونه أميرًا للجماعة الإسلامية في جامعة القاهرة في أثناء دراسته في كلية الطب حتى تخرّجه بتقدير جيد جدًا عام 1977، ثم عمله مُنسقًا عامًا لمجلس شورى الجامعات في الاتحاد العام للجمعيات والجماعة الإسلامية، والذي ترأسه مرشد الإخوان الأسبق عمر التلمساني؛ هذا غير حصوله على ليسانسي الحقوق ثم الآداب من جامعة القاهرة، وأيضًا الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر.

جمع بين النبوغ العلمي النظري والقدرة الحركية ضمن توجه واضح داخل الإخوان

جمع الراحل إذًا بين النبوغ العلمي النظري والقدرة الحركية ضمن توجه واضح داخل الإخوان المسلمين، منذ عام 1974، بدأ من مساهمته في نشر الأسر التربوية في محافظة الجيزة؛ مع نشاطه الجامعي، وتطوّر حتى وصل إلى عضوية مجلس إدارة نقابة الأطباء منذ 1986 ثم الأمين العام المساعد للنقابة، ثم كونه أصغر عضو في برلمان عام 1987، عن دائرة أمبابة؛ فهل ساوى هذا كله استهداف الرجل بالقتل البطيء في محبسه في سجن العقرب؛ خصوصا مع تكرار شكواه، في جلسات سابقة في المحكمة، من منع العلاج والتعرّض للإهمال الطبي الشديد، بل إصابته بفيروس الكبد الوبائي (سي)، واعتراض الأمن الوطني على تلقيه العلاج. وهل يعني هذا كله بداية تخطيط السيسي ونظامه تصيعدا جديدا في التخلص من رموز "الإخوان"، من دون تنفيذ حكم الإعدام فيهم، بما يُدينه دوليًا بأن يُكمل، ولكن بوتيرة متسارعة هذه المرة، ما بدأه من إهمال جسيم أودى بحياة الرئيس محمد مرسي في 17 من يوليو/ تموز 2019، وقبله التسبب في وفاة عضو مكتب الإرشاد، عبد العظيم الشرقاوي، بالأسلوب نفسه في أغسطس/ آب 2017؛ داخل سجن بني سويف في حبس انفرادي طويل، ثم استشهاد المرشد العام الأسبق للجماعة محمد مهدي عاكف عن نحو 90 عامًا (22 سبتمبر/ أيلول 2017)، بعد معاناة من انسداد بالقنوات المرارية الصفراوية، والسرطان؟

خشية من انتقاء الضحايا الجُدد بعناية؛ ومراعاة سابق قدرتهم على التأثير في الجماعة والرأي العام

والحالات المُشابهة يضيق حصرها، ومع واقعة العريان، فالخشية انتقاء الضحايا الجُدد بعناية؛ ومراعاة سابق قدرتهم على التأثير في الجماعة؛ إن حدث ضغط على النظام الحالي، أو تغيير في السياسة الأميركية بمجيء المرشح الديمقراطي، جو بايدن رئيسا، في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني؛ وما وعد به هذا من نزع ورقة التوت عن سوأة النظام المصري وإلغاء البطاقة الخضراء الاستبدادية التي يمنحها له الرئيس الحالي دونالد ترامب؛ خصوصا مع تصاعد حالة عدم الرضا عن سياسات الأخير لدى قطاع من الأميركيين؛ وإنْ ظل وصول مُنافسه إلى الحكم احتمالًا غير مقطوع ولا مجزوما به، إلا أن مجرّد وجوده كافٍ لنظام قمعي يخاف من أدنى تغيير دولي يؤثر على منهجه الدموي في الحكم القائم في المقام الأول على تنحية المُعارضين وإقصائهم وبإبعادهم عن الحياة. 

وفي ظل معاناة إقليمية لدى الدولتين المحوريتين الداعمتين للنظام المصري، خصوصا السعودية التي يجد ولي عهدها، محمد بن سلمان، نفسه على المحكّ، إن تغير ترامب قبل تنصيبه ملكًا، وتزايد مشاغل أبو ظبي، يجد السيسي نفسه وسط طوفان من المخاوف؛ فيما يجد مقاوموه، خصوصا في المنافي الاختيارية، أنفسهم في سياق وجودي أصعب؛ إذ يتم التخلص من الرموز تباعًا بتعليمات من وزير الداخلية، اللواء محمود توفيق؛ وقيل بل رئاسية من السيسي نفسه، وهو ما يُؤذن بتصفية مستمرة، وإنما بانتقاء شديد للضحايا وتاريخ إزهاق أرواحهم؛ وما خفي كان أعظم، إذ قد يتعرّض هؤلاء لحقن أو إزهاق نفس بشكل طبي ما خفي، ثم يُعلن عن وفاتهم بأزمة طبية أو ما شابه، بخاصة مع الحرص على دفن جثامين الضحايا من دون حضور مكثف من أهاليهم؛ وبالتالي عدم السماح بإجراء كشف طبي مُحايد يحدّد سبب الوفاة الحقيقي.

إلى متى يستمر فشل مقاومي السيسي في الخارج، وهم مطلقو السراح، لا يخافون منه ولا من غدر نظامه؟

كل ما سبق يُلقي مسؤولية على مقاومي السيسي في الخارج، وهم مطلقو السراح، لا يخافون منه ولا من غدر نظامه. إلى متى يستمر فشلهم في وقف تقدّم نظامه على الأرض، في تبديد إمكانات مصر وقدراتها من ناحية؛ وإزهاق أرواح رفاق دربهم من ناحية أخرى، من دون نجاح يُذكر لهم .. لا في الجانب الحقوقي ولا السياسي، أو في أي سياق، سوى انتظار مضنٍ ممل لتغيير قدري يأتي من خارجهم، ويُعيد بعضهم إلى وطنهم مع إعطائهم حقوقهم؛ إذ استكان آخرون وارتاحوا لمنافع الغربة وترك النضال بصورة عملية؟