عصابات أميركا... إم إس - 13 السلفادورية نموذجاً

23 مارس 2018
الصورة
حذار العبث مع أيّ منهم (جوهان أوردونيز/ فرانس برس)
تحكي أفلام هوليوودية عن عصابات في الشوارع الأميركية وعن التصدّي لها. الأمر ليس مجرّد "قصص أفلام"، فالعصابات تكثر في البلاد ولكلّ واحدة حكايتها

ترفض ماريا، المهاجرة السلفادورية المقيمة في مدينة وود بريدج في ولاية فرجينيا الأميركية، ما يُشاع في الشارع الأميركي عن ارتباط عصابة "إم إس - 13" (مارا سالفاتروشا) الذائعة الصيت بالجالية السلفادورية التي تقيم في الولايات المتحدة الأميركية بشكل قانوني، وهو الأمر الذي ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه عن "حالة الاتحاد" الذي ألقاه مطلع العام الجاري أمام الكونغرس الأميركي. وتؤكد المرأة التي كانت تعمل مدرّسة في السلفادور قبل أن تهرب من الحرب الأهلية في بلادها إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، أنّ "ربط السلفادوريين في الولايات المتحدة بالعصابات والجريمة يشبه إلى حدّ بعيد اتهام كل المسلمين بأنّهم مؤيدون للإرهاب والتنظيمات الإرهابية مثل تنظيمَي داعش والقاعدة".

وإعلان البيت الأبيض الحرب على عصابة "إم إس - 13" ترافق مع تصاعد حدّة السجال حول قضايا الهجرة إلى الولايات المتحدة وحول أجندة إدارة ترامب المتشددة إزاء المهاجرين، وعزمها ترحيل ملايين المهاجرين المقيمين في الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية، إلى جانب إقامة جدار فاصل على الحدود مع المكسيك يرى ترامب أنّ من شأنه أن يساعد في القضاء على هذه العصابة التي يبلغ عدد أعضائها في الولايات المتحدة أكثر من خمسين ألفاً. ويُذكر أنّ الرئيس الأميركي كان قد عقد في السياق اجتماعاً خاصاً في البيت الأبيض، ضمّ وزير الداخلية ريان زينكي وعدداً من مسؤولي مكافحة الجريمة في الأجهزة الأمنية الأميركية لبحث سبل القضاء على "إم إس - 13" واعتقال أفرادها وترحيلهم من الولايات المتحدة.

تجدر الإشارة إلى أنّ عصابة "إم إس - 13" تأسست في مدينة لوس أنجليس الأميركية في عام 1981، مع وصول مجموعة من المهاجرين من السلفادور هرباً من الحرب الأهلية المشتعلة في ذلك البلد الفقير في أميركا الوسطى. ولعلّ الهدف الأول من تأليف العصابة في البداية، كان تأمين الحماية للمهاجرين السلفادوريين من العصابات الأخرى في كاليفورنيا، خصوصاً المافيا المكسيكية. لكنّ هذه العصابة تحوّلت في السنوات اللاحقة إلى واحدة من أخطر عصابات الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأميركية، وتوسّع نشاطها إلى خارج كاليفورنيا فتمدّدت في الولايات الأميركية الأخرى وفي دول أميركا اللاتينية وكندا.

وعن تسمية "إم إس - 13" وهو مختصر "مارا سالفاتروشا"، يشرح مطّلعون أنّ "مارا" هو اسم عصابة معروفة في شوارع سان سلفادور بينما ترتبط كلمة "سالفاتروشا" بمليشيا سلفادورية مسلحة شاركت في الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي. أمّا رقم 13، فثمّة من يربطه بحرف "إم" وهو الحرف الثالث عشر في الأبجدية اللاتينية، في حين يربطه آخرون بتقليد سائد في نظام العصابة يقضي بأن يتعرّض من يريد الانتماء إليها للضرب المتواصل لمدّة 13 ثانية، وإذا نجح في الامتحان يتمّ قبول عضويته في العصابة.



بالنسبة إلى وزير العدل الأميركي جف سيشنز، فإن عصابة "إم إس - 13" تعني "اقتل. اغتصب. وسيطر". ويرى خبراء أميركيون انّ تعاظم دور العصابة في الولايات المتحدة مردّه إلى سياسات إبعاد العصابات التي اعتمدتها حكومات دول أميركا الوسطى، السلفادور وهندوراس وغواتيمالا. وتشمل أنشطة العصابة عمليات القتل والاغتصاب والاتجار بالمخدرات والتهريب عبر الحدود، وتتّخذ من ولاية تكساس نقطة اتصال بين فروعها داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهي تستفيد من تهريب المهاجرين عبر الحدود في الاتجاهَين، ولديها خلايا داخل السجون الأميركية وفي مراكز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين. يُذكر أنّها استفادت من عمليات ترحيل المهاجرين التي قامت بها السلطات الأميركية في السنوات الماضية من خلال إعادة إدخال المرحّلين عبر طرقات التهريب إلى الولايات المتحدة، وذلك بعد تجنيدهم لمصلحة "إم إس - 13".

كذلك، تعمد العصابة إلى جمع المعلومات عن المهاجرين الجدد إلى الولايات المتحدة، خصوصاً من الفئات العمرية الشابة. وبعد تحديد عناوين سكنهم وهويّة أقاربهم، تُستخدَم تلك المعلومات من أجل تجنيدهم لصالح العصابة. وفي حال رفض الشاب أو الشابة الانضمام إلى العصابة، فإنهما يعرّضان نفسيهما ويعرضان أقاربهما إلى الاعتداء والتهديد. وتلاحظ دراسة أميركية أنّ المهاجرين الجدد إلى الولايات المتحدة هم أقلّ ميلاً إلى ارتكاب الجرائم والانضمام إلى العصابات بالمقارنة مع المهاجرين المولودين في الولايات المتحدة والمقيمين فيها. وبسبب رفضهم الانصياع لإرادة "إم إس - 13"، فإنّهم قد يتعرّضون لانتقام العصابة، والإحصاءات تظهر أنّ جرائم العصابة تستهدف المهاجرين أنفسهم أكثر من استهدافها الأميركيين.


في السياق، يرى عالم الاجتماع الأميركي دايفيد بيروز أنّ "إيحاء إدارة ترامب بأنّ المهاجرين هم سبب العنف والجريمة هو فرضية غير دقيقة لا تمتّ إلى واقع الأمور بصلة". يضيف أنّ "محاولة الإيحاء بأنّ بناء الجدار الفاصل مع المكسيك سوف يمنع ارتكاب الجرائم هو مجرّد دعاية سياسية تروّج لأجندة ترامب العنصرية المعادية للمهاجرين، وإلصاق تهم جاهزة بهم وتحميلهم مسؤولية انتشار الجريمة والمخدرات في الولايات المتحدة".

وقد أثار تركيز دعاية إدارة ترامب على عصابة "إم إس - 13" وتصويرها على أنّها الخطر الداهم الذي يهدد الأمن الاجتماعي للأميركيين، انتقادات واسعة على الرغم من الدور المتنامي لهذه العصابة ذات الأصول السلفادورية. فالعصابات والمافيات لها تاريخ عريق في الولايات المتحدة، بدءاً من المافيا الإيطالية وصولاً إلى المافيا المكسيكية وعصابات الأميركيين من أصول أفريقية. ويُضاف إلى ذلك بالتأكيد، عصابات الأميركيين البيض التي لا تقلّ شأناً عن عصابات الأقليات اللاتينية والأفريقية والآسيوية، وإن كانت نشاطات عصابات البيض تركّز أكثر على تنفيذ جرائم عنصرية.



ويمثّل المتحدرون من أصول لاتينية نحو 48 في المائة من المنتمين إلى عصابات الجريمة في الولايات المتحدة، يليهم الأميركيون من أصول أفريقية بنسبة 34 في المائة والأميركيون البيض بنسبة 13 في المائة والمتحدرون من أصول آسيوية بنسبة 6 في المائة. ومن أبرز العصابات اللاتينية عصابة "ذي لاتين كينغز" التي تأسست في مدينة شيكاغو في أربعينيات القرن الماضي من قبل شباب من بورتوريكو والمكسيك، بهدف حماية المهاجرين من أميركا اللاتينية من الاعتداءات العنصرية. ومن أبرز عصابات الأقلية الأفريقية، عصابة "بلاك بانترز" و"يونغ لوردز" النافذتان في مدينة شيكاغو. وتجدر الإشارة إلى انتشار عصابات ذات طابع إثني وسط جاليات المهاجرين، كالعصابات الصومالية والإثيوبية والسودانية، والأمر نفسه بالنسبة إلى المهاجرين من إثنيات أخرى كعصابات الآسيويين التي تتميّز بأنظمتها الداخلية الحديدية العصيّة على أيّ اختراق من قبل أجهزة الأمن الأميركي.




مليون ونصف مليون "ناشط"
ينتمي نحو مليون ونصف مليون شخص في الولايات المتحدة الأميركية، بحسب إحصاءات تعود إلى عام 2011، إلى أكثر من 30 ألف عصابة ناشطة في البلاد، من عصابات الشوارع إلى عصابات السجون والدراجات النارية وعصابات الجريمة المنظمة. ويتركّز نشاط العصابات الكبيرة في مدن نيويورك وشيكاغو ولوس أنجليس وميامي وسان فرانسيسكو وفيلادلفيا.
تعليق: