عشوائيات مصر... ما بعد تل العقارب أمان؟

12 مارس 2018
الصورة
في أحد الأحياء العشوائية (العربي الجديد)
+ الخط -
يصعب أن تنتهي مشكلة عشوائيات مصر في وقت قريب، في ظل غياب قانون في البلاد. وما تفعله الدولة المصرية هو إخلاء منطقة عشوائية وتشييد مبان جديدة، من دون مراعاة طبيعة قاطني هذه المناطق

قبل فترة، أصدرت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية، بياناً يتضمّن صوراً عن تجديد منطقة عشوائية في حي السيدة زينب في القاهرة، كانت تسمى قديماً تل العقارب. وأظهرت الصور عمارات مميزة، ليتحول اسمها إلى روضة السيدة. وحازت العمارات السكنية الجديدة إعجاب كثيرين، خصوصاً أنّها تتماشى مع الطابع العمراني الإسلامي الذي يتميز بالأسقف العالية والنوافذ ذات "المشربيات" وغيرها.

وبحسب بيان وزارة الإسكان، تمّ الانتهاء من أربعة "بلوكات" سكنية، في إطار مشروع "روضة السيدة.. تل العقارب سابقاً"، الذي ينفذ في سياق جهود الوزارة لتطوير المناطق العشوائية. ويوضح البيان أنه خلال 10 أيام، سيتم الانتهاء من بلوكين آخرين والبقية تباعاً، علماً أن هناك نحو 10 بلوكات في مراحل عمرانية مختلفة.

يقول وزير الإسكان المصري، مصطفى مدبولي، إن هناك 16 بلوكاً سكنياً بنماذج مختلفة في المشروع، فيها 815 وحدة سكنية بنظام غرفتين وصالة، تتضمن 519 وحدة بمساحة 65 متراً مربعاً، و156 وحدة مساحتها 72 متراً مربعاً، ونموذج 3 غرف وصالة، تتضمن 56 وحدة مساحتها 82 متراً مربعاً، و84 وحدة مساحتها 90 متراً مربعاً، إضافة إلى 344 وحدة تجارية. ويشير إلى إسكان قاطني المشروع في وحدات بالإيجار إلى حين الانتهاء من بناء الوحدات الجديدة ونقلهم إليها.

وكانت الأجهزة التنفيذية في محافظة القاهرة قد بدأت، في فبراير/شباط في عام 2016، إزالة بيوت في منطقة تل العقارب في حي السيدة زينب، تمهيداً لإخلائها تماماً من السكان، في إطار خطة الحكومة للقضاء على العشوائيات.

وعرضت الحكومة على القاطنين بدائل عدة، هي "الانتقال لمدة عام إلى مدينة 6 أكتوبر، أو الانتقال للأبد إلى مدينة بدر، أو تقاضي بدل إيجار شهري قيمته 500 جنيه تعويضاً لهم عن الإخلاء". في البداية، قاوم الأهالي القرار، ورفضوا إخلاء منازلهم، وتمسّكوا بالبقاء في أكشاك وعشش وسط أكوام القمامة ومياه الصرف الصحي، والسبب أن المناطق التي وقع اختيارها للانتقال إليها بعيدة، ولن يتمكنوا من العمل فيها، خصوصاً أن معظمهم يعمل في الحرف والمصانع المحيطة بمنطقة تل العقارب. كما أن البدل الذي حددته الحكومة قليل بالمقارنة مع غلاء المعيشة في مصر، عدا عن اعتراضهم على طريقة تعداد أهالي منطقة تل العقارب.

وتعتمد الحكومة في تعداد سكان المناطق العشوائية، إما على عقود ملكية باسم صاحب المبنى أو ورثته، أو على عدادات الكهرباء. لكن طبيعة الحياة في المناطق العشوائية مختلفة، إذا أن معظم الأهالي توارثوا تلك المباني والعشش عن آبائهم وأجدادهم من دون أوراق رسمية، فضلاً عن أن طبيعة الحياة والعيش في العشش تختلف عن السكن في وحدات سكنية. كلّ منزل أو "عشة" مكون من طبقات عدة يقطنها الأبناء وأسرهم. بالتالي، فإن المنزل الواحد يكون بعدّاد كهربائي واحد تقطنه أكثر من أسرة، وبالتالي فإنهم يستحقون أكثر من وحدة سكنية تعويضاً.



ويقبل الأهالي أن تعيش عائلة كاملة في عشّة مكوّنة من طوابق عدة، على أن يكون لكل أسرة طابق خاص ولو كان عبارة عن غرفة واحدة. كما يرفضون العيش في وحدة سكنية واحدة لكل أسرة فيها غرفة، بينما يتشاركون باقي المساحة. ويرى هؤلاء أن حياة العشش تضمن لهم خصوصية وراحة ليست موجودة في وحدة سكنية صغيرة تجمعهم معاً.

إلّا أنّ الأجهزة التنفيذية أقدمت على هدم العشش فوق رؤوس قاطنيها، بعدما قطعت عنهم المياه والكهرباء أسابيع عدة، فانتشرت القمامة ومياه الصرف الصحي، وعمّ الاستياء بين الأهالي، حتى أُجبروا على الاستجابة لأحد البدائل. وبحسب محافظة القاهرة، فإن منطقة تل العقارب غير آمنة، وتبلغ مساحتها نحو 7.5 أفدنة، وقد تم حصْر ونقل السكان والعمل على تطويرها بالتعاون مع وزارة الإسكان ممثلة في صندوق تطوير العشوائيات، بهدف تشييد 16 عمارة تضم 815 وحدة سكنية، على أن يخصص الطابق الأرضي للمحال التجارية. وكان هناك حرص على وضع تخطيط نموذجي وراقٍ بما يتناسق مع الإطار العام لمنطقة السيدة زينب.




وفي وقت سابق، أعلن نائب وزير الإسكان لشؤون التطوير الحضري والعشوائيات، أحمد درويش، أن المشروع ينتهي في منتصف العام الجاري، وبكلفة إجمالية تبلغ نحو 190 مليون جنيه. وتهدف الحكومة المصرية، من خلال مشاريع القضاء على العشوائيات، بكلفة تقارب 12 مليار جنيه وتشمل إقامة أكثر من 62 ألف وحدة سكنية مع الخدمات الضرورية لحياة مستقرة، من مدارس وحضانات ومكاتب خدمات وملاعب ودور عبادة وأسواق ومحلات وغيرها، إلى إعلان القاهرة خالية من المناطق غير الآمنة مع نهاية عام 2018، مع تسكين نحو 320 ألف مواطن في أماكن آمنة، من بينها مشروع الأسمرات في مراحله الثلاث، والمقام بالتعاون مع وزارة الإسكان وصندوق تطوير العشوائيات وصندوق تحيا مصر، ويضم 18 ألفاً و300 وحدة سكنية.

إلّا أنّ هذه البرامج والمشاريع لا تراعي البعد الاجتماعي والثقافي والبيئي الذي نشأ فيه أهالي تلك المناطق، أو ظروفهم المعيشية، بحسب عدد من أهالي المنطقة وخبراء في التنمية المحلية والعشوائيات، مؤكدين أن "الاهتمام بمظهر مصر الحضاري لا يجب أن يطغى على أحوال المواطنين المعيشية". ويشكو عدد من الأهالي من بدل الإيجار الذي فُرض عليهم للتنازل عن منزلهم في منطقة تل العقارب قبل هدمها، وعدم قدرتهم على التكيّف مع الحياة في المدن العمرانية الجديدة بعيداً عن أعمالهم وحرفهم، التي تمثل مصدر دخلهم الوحيد.

من جهته، يؤكّد خبير الإدارة المحلية وتطوير العشوائيات، حمدي عرفة، أن سكان العشوائيات فئة مهمّشة، ويجب على أجهزة الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني التنسيق والتعاون في ما بينها لحل ظاهرة العشوائيات التي تزداد يوماً بعد يوم. لكن ذلك لن يحدث إلّا بعد إصدار قانون يساهم في تنظيم وتطوير المناطق العشوائية، ويقضي على المناطق الخطرة.
كما يشير عرفة إلى أن العشوائيات في مصر تنتشر في 4 آلاف و726 قرية، إضافة إلى 30 ألف عزبة ونجع وكفر، و78 حيّاً و184 مركزاً موزعة على 27 محافظة في شتى أنحاء الجمهورية. ويوضح أن عدد سكان العشوائيات يقدر بنحو 25 مليوناً و840 ألف مواطن.



وتتحدّث الدراسات عن ضرورة التعامل مع ظاهرة العشوائيات باعتبارها ظاهرة مركبة. إضافة إلى عامل الإسكان، هناك مكوّنات عدة تتصل بالوضع الاقتصادي، وترتبط بالتركيبة الاجتماعية وتتعلق بالنسق التخطيطي العمراني، كما أن العشوائيات مشكلة بشر أكثر من كونها مشكلة سكن أو تعد على أملاك الغير أو الدولة أو الاستيلاء على أراضٍ لا تصلح للسكن أصلاً أو ضعف القوانين واللوائح أو عدم فاعلية التخطيط العمراني. لا بد من إضافة الرؤية الاجتماعية الاقتصادية لقضية العشوائيات، ما يساعد على التشخيص الواقعي للظاهرة وبالتالي يساهم في التخفيف من حدتها.

كما تشير دراسات تحليلية للخصائص الاجتماعية لسكان المناطق العشوائية إلى أن أكثر من 75 في المائة من سكان هذه المناطق من أصل ريفي، ونحو 10 في المائة منهم كانوا يقيمون في مناطق مختلفة قبل الهجرة إلى هذه المناطق، والنسبة الباقية هي من مواليد المنطقة نفسها. كما أن نحو 45 في المائة من سكان هذه المناطق هم عمال مهرة، و30 في المائة عمال غير مهرة، يعمل منهم نحو 5 في المائة في قطاع الخدمات. أما النسبة الباقية، فباعة متجولون أو عمال باليومية.

وتنتشر الأميّة بشكل كبير بين سكان هذه المناطق، علماً أن 80 في المائة من الذكور أميون، ونحو 95 في المائة من الإناث أميات. أما الأطفال، فيلتحقون بالمدارس المجانية حتى الصف السادس الابتدائي على الأقل.




ويقدر متوسط حجم الأسرة في هذه المناطق بنحو ستة أفراد، فيما يصل عدد أفراد 15 في المائة على الأقل من الأسر في هذه المناطق إلى تسعة أفراد، ويبلغ متوسط عدد الأطفال في الأسرة الواحدة أربعة أطفال، ما يؤدي إلى ارتفاع نسب المشاكل والجريمة والطلاق.

دلالات