عشم الشبّان الثلاثة في كلوت بك

15 يوليو 2020
الصورة
حجّاج أدّول

ثلاثتنا سكندريون من ذوي اللون الأسمر مثل العسل الأسود وقد أضيف عليه بعض من الطحينة فتخفف اللون قليلاً، أنا من أبوين نوبيين هاجرا للإسكندرية بسبب بناء خزان أسوان وإغراق القرى النوبية، وحمادة من أب نوبي وأم لا، ولا أعرف متى هاجر أبوه. أما برعي وهو ثالثنا ومفجّر الضحك والضرب فينا، فهو أصلاً من قرية على بعد قليل من شمال مدينة أسوان، ولا أعرف لماذا هاجر أبواه.

كنا على معرفة بسيطة ببعضنا في الإسكندرية، لكن ذهبنا لأسوان وعملنا في شركة كبرى تعمل في بناء السد العالي. سكنّا في بلوكات معاً وتعمّقت صداقتنا، أنا مخبول بشراء الكتب والقراءة، وحمادة أدمن استعارة كتبي، فيعيد بعضها وبعضها لا. وحمادة أيضاً مريض بالرومانسية، فيقع دائماً في حب كل فتاة يراها في أسوان، وبرعي رغم قوة جسده، فهو يرتعب من الحسد، خاصة إن نظر أحدهم بتركيز في عينيه! فهو مرزوق بعينين واسعتين جميلتين، رغم شيء من الجحوظ البسيط. مجرّد الإعجاب بعينيه يصيبه بحالة عصبية، حتى لو المعجب فتاة! هو هكذا مصاب بفوبيا الحسد.

نحن الثلاثة أصدقاء مقربون. معنا مجموعة أكبر من الشباب، كلنا في بداية العشرينات من العمر، متنوّعو المشارب والأمزجة والحماقة. وقتنا كله إما في البلوكات المخصّصة للإعاشة، أو في مكاتبنا خلال العمل، ووقت بسيط في مطعم الشركة. ثم فراغ ممل. قليلاً ما ننزل بعد الغروب لأسوان، فأسوان وقتها كانت مدينة بسيطة ليس فيها من المغريات الشبابية إلا القليل. السينمتان المتواجدتان ندخلهما أحياناً، وأيضاً التمشية على النيل، فقط.

بجوار بلوكاتنا، يتواجد ملعب كرة قدم ليس له مدرّجات، بل مجرد مظلة صغيرة بسيطة! يا هول ما أقول، فالشمس رهيبة خاصة في الصيف. أحياناً في نهارات أيان الجمع، نذهب لنلعب مباريات كرة بسيطة. وقبل اللعب أحبّ أن أعدو حول الملعب أكثر من مرة للتسخين. وكل من كانوا معي لا يطيقون اللف إلا لدورة واحدة، في ما عداي أواصل للثالثة والرابعة، دوماً لياقتي عالية.

خلال تدريبنا ذات جمعة في ملعب كرة القدم، خطر لي أن أطلب من برعي المصارع أن يدرّبني على المصارعة، وافق صديقي بخباثة، فأنا دائماً ما أشاكسه وأتمعن في عينيه وأقول له إن عينيه واسعتان مثل "فنجانين واسعين من القهوة".

يطاردني وإن أمسكني فسأنال منه، بضع حركات مصارعة يلوي فيها ذراعي أو عنقي أو يطرحني فيها أرضاً. وأحياناً لا أتكلم، فقط أتمعن في عينيه فيثور ويهدّدني إن نطقت فسيكون عقابي كسر العنق. المهم.. وافق برعي على تدريبي. وبدأنا بكلمات بسيطة منه كمدرّب محترف يراعي بدايات المبتدئ الذي أمامه، أعطيته الأمان، فإذا به يمسكني من تحت باطي ويقذفني لأعلى فأطير في الفضاء ثم أسقط على وجهي وأُصاب بسجاحات مؤلمة، وصرت مَضحكة لكل من حولنا. طبعاً لو هجمتُ عليه لأنتقم منه، فسيمسك بي ويسحلني على عشب الملعب، فلم أجد سوى مغالبته بنظام الحسد الذي يرعبه، فدعوت الله أن يطفئ مصباحَي عينيه اللتين تشبهان مصابيح الأتوبيس. فإذا ببرعي يثور ثورة أخيلية ويلعنني ويهجم علي ليحطمني تحطيماً. 

هربتُ من أمامه عدواً حول الملعب وبرعي الغاضب يعدو خلفي وهو مستمرّ في اللعنات وتفجير أقذع الشتائم. لففنا حول الملعب دورة، وخلال الثانية تعب برعي وجلس وأنا استمريت في العدو حتى بلوكات النوم، حمام سريع وبدلت ملابسي ثم اختفيت من برعي حتى ظهر اليوم التالي حين تقلّبنا في مطعم الشركة، كان قد برد غضبه، ولم يفعل سوى استمرار الشتائم، وبعد الشتائم لان وترجّاني ألا أقرب من أي حديث عن عينيه، فهو يدّعي أنه يصاب بآلام في عينيه حين يتمعن فيهما أحد، فما الحال حين يحسده أحد، حتى لو كان الحسد مزاحاً من أصدقائه المقربين؟! وافقت طبعاً لأيام معدودات ثم عدت لأشاكسه وعاد هو لضربي.

برعي أُصيب بنزلة برد، ذهب لعيادة الشركة، الطبيب كتب له روشته بالعلاج، لكن برعي وسواس، أصر على عمل فحص أشعة على صدره، فهو موسوس بأنه مصاب بالسل! ألح على الطبيب فوافق الطبيب بشرط، إن أثبتت الأشعة أن صدره سليم، فسيتحمل برعي التكلفة! وافق برعي.
بصفتنا أنا وحمادة أقرب أصدقاء برعي، نزلنا معه مساء لمدينة لأسوان حيث المستشفى التابعة للشركة. نسير في شارع السوق المزدحم. برعي مرعوب أن يكون مصاباً بالسل. نطمئنه ببعض الجمل الصادقة وبعض الجمل الساخرة. خطوات وإذا ببرعي يقول:
- وأخشى أيضاً أن يكون صدري سليماً، حينها سأدفع تكلفة الأشعة وأتعاب الدكتور وخلافه!
فقلت له:
-اطمئن. إن شاء الله سيكون صدرك مسلولاً وعليه لن تدفع تكاليف الأشعة وخلافه.

وإذا ببرعي ينظر لي في غضب ناريّ مُبين، وقبل أن يهجم عليّ أسرعت أنا بالعدو كأسرع بطل عدو في العالم، واستغللت زحام السوق بالرجال والنساء والأطفال لأراوغه فأنا رشيق وهو لا. إن أمسكني برعي وقتها فسيحطمني تحطيماً ولن يهمه زحام الشارع، فهو في حالة غليان لا قِبل لي بتحمّل نتائجها الوبيلة.
ظهر اليوم التالي. نتقابل جميعاً في المطعم. سكن غضبه قليلاً، خاصة أن الطبيب الشركة سامحه ولم يقرر أن يحمله التكاليف. طلب مني برعي مثل كل مرة، ألا أقترب من عينيه لا نظراً ولا قولاً. وافقت ووعدته ألا أكرر أي كلمة أو نظرة ترعبه. صمت وقبل أن يستغرق في تناول الطعام، قال بصوت خفيض لكنه مسموع لم حوله في المائدة:
-عارفك ابن كلب ناقض للعهود.

وإذا بهزيمة 1967 تشقلب حالنا وحال مصر والمنطقة العربية كلها. صدمة قاسية. فيتم تجنيدنا كلنا، كلنا بمعنى كل شباب مصر وقتها. ثلاثتنا أنا وحمادة وبرعي، توزّعنا في أماكن مختلفة على ضفة قناة السويس. غبنا عن بعضنا واشتقنا لبعضنا كثيراً. لم يكن يجمع بيننا غير الخطابات. 

بعد حوالي سنة وبضعة أشهر تقريباً، توافقت إجازاتنا نحن الثلاثة، ليست إجازاتنا التي تحوي عدداً معقولاً من الأيام؛ فنذهب لعائلاتنا في الإسكندرية. تلك يقال عنها فسحة، والفسحة مدتها بالساعة، فيقال فسحة 24 ساعة، أو فسحة 48 ساعة. كانت فسحتنا 48 ساعة. اتفقنا بالخطابات أن نتقابل في كافتيريا شهيرة بميدان محطة مصر. سبقتهم بساعة ووصلت لبيت خالتي التي تعيش في منطقة شعبية قريبة. في الموعد أنا بالملابس المدنية أسرع لمقابلتهما، ولما قاربت أن أصل للكافتيريا، إذا بمن ينادونني من يساري. أنظر فإذا بحمادة وبرعي بملابسهما المدنية يقفان بجوار دورة مياه عمومية. كلٌّ منهما يحمل حقيبة صغيرة وضع فيها ملابس الجيش. سلامات وأحضان ثم سؤالي: لماذا لم تذهبا للكافتيريا؟ ضحكا وقالا إنهما في حالة إفلاس مقيم، فليس معهما حتى ثمن كوب شاي. 

بالمصادفة كنت قد قبضت من أيام مبلغاً محترماً. أخذتهما للكافتيريا، ومنها إلى خالتي وتغذينا لحوماً وخضاراً وشبعنا تماماً. وبعدها السينما، وبعد السينما مقهى نتسامر فيه ونحن ندخن الشيشة، لم يكن أحد منا مدخناً، لكن ننفس عن أنفسنا ونحن نتنفس دخان الشيشة، فالحياة في الجيش ووقت الحرب، ليست حياة سهلة. برعي فاجأنا وقال متحمسا ضاحكاً:
- وأنا في فسحة سريعة سابقة، ذهبت لأبات في شارع كلوت بك، حيث الفنادق الرخيصة، وأيضاً به بعض بنات المتعة. 

الفندق مبناه متهالك ولا يشجّع على المبيت فيه، لكنه يناسب جيبي الخالي. من باب حجرتي ناديت على الصبي الذي يخدم الزبائن. صبي في الخامسة عشرة من عمره. طلبت عشاء فول وفلافل سُخنة. نصف ساعة وأتى لي بصينية عامرة بطبق فول ممتاز وفلافل ساخنة ومخللات. شبعت تماماً ثم ناديته وقلت له:
- أريد تحلية جميلة.
قال..
- أنا في الخدمة.
غاب حوالي نصف ساعة أخرى، وعاد ومعه فتاة ليل جميلة. وكانت ليلة ممتعة.
ولما أبدينا أنا وحمادة بعض التشكيكات، وألقينا عليه ببعض السخريات، أقسم أن ما يقوله صحيح وقابل للتكرار. أنا وحمادة تلمظنا وقلنا..
- هيا إلى شارع كلوت بك.

الفندق متواضع جداً، أو بمعنى أصح.. متهالك. ذهبنا وأخذنا حجرة كبيرة بها ثلاثة أسرة. نادينا على الصبي فأتى صبي في الخامسة عشرة، لكن غير الصبي الأول. برعي طلب عشاء فول وفلافل سخنة ومخللات. نصف ساعة وأتانا بالمطلوب، أكلنا تمام التمام. برعي نادى الصبي وقال له وهو يبتسم ابتسامته الساذجة:
- نريد تحلية جميلة.
قال..
- أنا في الخدمة.
وغاب حوالي نصف ساعة وعاد حاملاً صينية صغيرة عليها نصف كيلو بسبوسة.


بطاقة 
كاتب مصري من مواليد الإسكندرية عام 1944. من مؤلفاته: "ليالي المسك العتيقة" (1989)، و"الكُشَر" (1992)، و"خُوند حمرا" (2006)، و"رحلة السندباد الأخيرة" (2009)، و"ثلاث برتقالات مملوكية" (2011)، و"كَدِيسة" (2015)، و"الأمير دهشان والجارية الطيبة" (2018).