عزيزي خيري

20 سبتمبر 2018
الصورة
(خيري منصور في "وسط البلد" بعمّان، 2017)
+ الخط -

عزيزي خيري، لا أعرف ماذا أقول لك، فأنا من الذين أربَكَتهم رحلتك السريعة في أواخر هذا الصيف. بدت لي سريعة بالفعل، فأخبار المرض ظلّت مكتومة ومن كان يصدّق أنك في الثالثة والسبعين.

أعود لأصياف عمّان البعيدة وإلى جغرافيا ما كان أمهرك في هجائها، وإلى زمن حسبناه بلا قيمة وها هو الآن يضيء مثل ذاكرة من ذهب. حذفتُ من ذاكرتي لقاءنا الأول في ندوة لك وكيف تجرأتُ عليك أمام الحضور، أنت الذي كنت رمزاً مهاباً في "عنقود القرى" عمّان، كما كنت تسميها.

لكنّي احتفظت بمقالتك التي كتبتها في اليوم التالي عن "لحظة الاحتكام العسيرة" التي سيصلها "الشاب الراديكالي" -كما رأيتني وقتها- اللحظة التي "سيسقط فيها زؤان كثير وقمح كثير أيضاً". وحين وصلتُ إلى "لحظات" كهذه في ما بعد تذكرتُ كلماتك.

أبقيتُ صداقة طويلة أيضاً، نشأت من ذلك اللقاء الرهيب. أُمسيات لا تُحصى كنتَ فيها المُحدّث الأبرع وكنتُ المُستمع الجَذِل. كم مرّة سقطتُ من الضحك على الرصيف في مقهى "الطاغية الأصم"؟

هل كانت القسوة فائض رقّةٍ مكبوتةٍ لم تُفهم ولم تُقدَّر؟ هل كانت المقالات المُكتنزة قصائد مُهدرة وعُمراً يُهدَر في الحبر والجرائد؟ وأيّ جِراح طفولة لم يستطع "صبيُّ الأسرار" أن يتخطّاها، وأيّ حياة تلك التي آثرت عيشها كأنها صفحات من رواية تشبه "فهد" دي لامبيدوزا ورباعية لورانس داريل؟ وماذا نفعل الآن بكل ذلك، بليل فلسطين الذي لا ينتهي، وعمّان  بالمناسبة، ماذا نفعل بها؟

المساهمون