عزمي بشارة.. في الانتقال الديمقراطي وإشكالياته

عزمي بشارة.. في الانتقال الديمقراطي وإشكالياته

20 يوليو 2020
الصورة
(عزمي بشارة)
+ الخط -

يراكم المفكر العربي عزمي بشارة قراءاته المعمّقة في مسار الانتفاضات العربية في موجتيها الأولى عام 2011 والثانية عام 2019، من خلال اشتغاله في عدّة مباحث تحلّل علاقة الجيوش العربية بالسياسة، والحرية، والطائفية، والدين والعلمانية في سياق تاريخي، وغيرها من القضايا الإشكالية.

"الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة" عنوان كتابه الذي صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، وهو خلاصة جهد بحثي متشعب، ينطلق من البحث في نظريات التحديث ونقدها حيث يشخص بدايةً دراسات الانتقال فيها، وصولًا إلى دراسات الانتقال إلى الديمقراطية التي انطلقت في سبعينيات القرن الماضي. 

وينتقل بشارة إلى معالجة تطبيقية لمآلات تجارب الانتقال في البلدان العربية التي اندلعت فيها ثورات تغييرية وانتفاضات شعبية، متوصّلًا إلى قصور دراسات الانتقال في فهمها، ومستخلصاً منها استنتاجات نظرية هي إسهام عربي في نظرية الانتقال الديمقراطي.

يضم القسم الأول، "جذور دراسات الانتقال في نظرية التحديث"، خمسة فصول. في الفصل الأول، "التحديث والشروط البنيوية للديمقراطية"، بحث بشارة في مقاربة التحديث، وفي الشروط البنيوية للديمقراطية كالتمدين والتنمية الاقتصادية ومعدل دخل الفرد ونسب التعليم. 

خلاصة جهد بحثي متشعب، ينطلق من البحث في نظريات التحديث ونقدها

في الفصل الثاني، "نظرية التحديث ومقاربة الشرعية من زاوية طبيعة الانتقال إلى الديمقراطية"، يعالج بشارة مفهوم الشرعية والربط بين شرعية النظام الديمقراطي وطريقة الانتقال إليه. وفي الفصل الثالث، "عناصر الانتقال عند التحديثيين وفكرة التدرج إلى الديمقراطية"، يعالج أفضلية الانتقال التاريخي المتدرج من الليبرالية والتنافسية الحصرية إلى الديمقراطية عبر قرون من التطور، وتناقض تركيز مصادر القوة مع النظام الديمقراطي، وصعوبة الانتقال المباشر من نظام سلطوي إلى ديمقراطي. 

في الفصل الرابع "البرجوازية ونشوء الديمقراطية"، يتناول بشارة دور البرجوازية التاريخي، مبرهنًا أنه لا يعني وجود علاقة ضرورية بين الديمقراطية والرأسمالية، وأن الرأسمالية ربما تؤدي إلى الاستبداد، لكن لا ديمقراطية حديثة من دون توزيع مراكز القوة الاقتصادية. ويعرض لدور البرجوازية الليبرالي، ولرهان ماركس على توسيع حق الاقتراع للأسباب نفسها المتمثلة بخوف بعض الليبراليين من هذا التوسيع، ولخطأ رهان الشيوعيين الأوائل على الديمقراطية للتوصل إلى دكتاتورية البروليتاريا. 

يفصّل بشارة في الفصل الخامس، "في نقد مقاربات التحديث"، شروط التحديث لنشوء الديمقراطية مع ملاحظة عناصرها المعوِّقة للديمقراطية، وتفاوت درجات التحديث وآثاره، وضرورة بناء النظام السياسي قبل الديمقراطية، وأثر التعبئة السياسية الهدام في بناء المؤسسات عن هنتغنتون وتلخيصه المهمة الرئيسة في العالم الثالث في بناء النظام والتنمية، وأن الدكتاتورية هي الطريق الوحيد إلى ذلك في ظروف التعبئة السياسية. 

تضمّن القسم الثاني من الكتاب، "دراسات الانتقال الديمقراطي"، خمسة فصول. يبحث بشارة في الفصل السادس، "الانتقال إلى دراسات الانتقال وتصنيفها"، في مسائل عدة، في مقدمها أن دراسات الانتقال تهدف إلى الوصول إلى الديمقراطية، وأن عدم الحياد في ما يتعلق بالغائية الأخلاقية لا يتعارض بالضرورة مع الموضوعية العلمية. 

الصورة
غلاف الكتاب

في الفصل السابع، "دراسات الانتقال: الخيارات الاستراتيجية"، يسلط بشارة الضوء على محطات تطور دراسات الانتقال من النظام السلطوي إلى الديمقراطية، مؤكدًا تشديدها على أهمية الإجماع على الدولة، والصراعات التي تنتهي بتسويات واتفاق على إجراءات ديمقراطية في إطارها، فالديمقراطية بوصفها تسوية للصراعات في إطار دولة مجمع عليها. 

يركز بشارة في الفصل الثامن، "أثر نوع النظام السلطوي في عملية الانتقال"، على أهمية التمييز بين أنواع الأنظمة السلطوية، وصعوبة تغيير أنظمة الحزب الواحد والأنظمة الشمولية مقارنةً بالأنظمة العسكرية، إلا إذا تحولت الأخيرة إلى ديكتاتورية فردية. 

أما الفصل التاسع، "نقد برادايم الانتقال والرد عليه"، فيعرض المؤلف لمسائل نقد برادايم الانتقال، ونفي وجود مثل هذا البرادايم. كما يدافع عن دراسات الانتقال لأنها لا ترى أن أيّ انتقال من السلطوية يؤدي حتمًا إلى الديمقراطية، وفي توافر مؤسسات للدولة بوصفه شرطًا مسبقًا قبل أيّ حديث عن الانتقال، وأخيرًا في نشوء السلطوية التنافسية بوصفها نموذجًا قائمًا بذاته، وليس بالضرورة حالة انتقالية إلى الديمقراطية.

في الفصل العاشر، "الإجماع على الدولة: الأمة والقوميات الإثنية"، يعرّف بشارة الدولة الحديثة ووظائفها، ويتحدث عن دور القومية، وعن التمييز بين القومية الإثنية والأمة على أساس المواطنة، وأهمية هذا التمييز لشرعية الدولة. كما يفصّل الفارق بين دولة الأمة وأمة الدولة. ويبحث في السؤال: هل التجانس الإثني القومي شرط الديمقراطية؟ واحتمالات الديمقراطية في دول متعددة القوميات الإثنية واحتمالات فشلها. ويتناول أيضًا دحض الربط بين المذابح الإثنية والديمقراطية، ودحض الخلط بين أثر الدولة الحديثة والمشاركة الجماهيرية وقومنة الإثنيات من جهة، وبين أثر الديمقراطية من جهة أخرى.

تضمن القسم الثالث من الكتاب، "العامل الخارجي وقضية الثقافة"، فصلين. يبحث بشارة في الفصل الحادي عشر، "العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي"، في تأثير العوامل السياسية الخارجية المعوقة والمساندة للانتقال الديمقراطي، وفي أن الدول الديمقراطية حرصت إبان الحرب الباردة على مساندة الحلفاء بغض النظر عن طبيعة النظام وليس على مساندة الانتقال الديمقراطي إبان الحرب الباردة، وفي أن نهاية الحرب الباردة، خلافًا لما هو رائج، لم تَعْنِ تحوّل الولايات المتحدة إلى مساندة الديمقراطية بل إلى تراجع الحرص على مصير الدكتاتوريات الحليفة. 

يرى بشارة في الفصل الثاني عشر، "عن الثقافة السياسية والانتقال إلى الديمقراطية"، أنه لم تثبت علاقة سببية بين ثقافة شعبٍ ما ونظام الحكم الديمقراطي، وأن الأعراف المتموضعة في المؤسسات لا تعني أنّ الأعراف سبقت المؤسسات تاريخيًا، بل هي نتاج لها أيضًا، وأن الموضوع يفترض أن يحصر في الثقافة السياسية، لا الثقافة بصفة عامة، ولا توجد ثقافة سياسية متجانسة لشعبٍ بأكمله. 

في القسم الرابع، "استنتاجات نظرية من تجارب عربية"، أربعة فصول. يضم الفصل الثالث عشر، "الفصل والوصل بين الإصلاح والثورة والثورات الإصلاحية"، بحوثًا لبشارة في التمييز بين الإصلاح والثورة، وفي الثورة بوصفها قادحًا لانشقاق النخبة الحاكمة، وفي قصور دراسات الانتقال عند تطبيقها عربيًا وضرورة تقديم مساهمة نظرية من خلال التجربة العربية.

في الفصل الرابع عشر، "عن السلطوية وبناء الدولة في بلدان الثورات العربية"، يتناول بشارة دور العنف في عملية بناء الدولة، وتفاوت عناصر الشرعية والعنف في استقرار الدولة. ويميّز في الفصل الخامس عشر، "الجيش وتماسك النظام السلطوي مع ملاحظة عن تشيلي ومصر"، بين الدول العربية التي لم تؤد فيها الثورة إلى انتقال ديمقراطي شارحًا الأسباب، والدول التي وصلت إلى الانتقال الديمقراطي بعد ثورة. 

في الفصل السادس عشر والأخير، "التعلم من الفَرْق: تجربتا مصر وتونس"، يفسر بشارة الفرق بين مصر وتونس في نتائج عملية الانتقال، قائلًا إن مقاربات التحديث تفشل في تفسير الفرق، وإن الفرق في النتائج على الرغم من تشابه الحالتين قد يصلح في التأسيس النظري لبعض قواعد الانتقال عربيًا. 

المساهمون