عرب كارلوفي فاري: العيش اليومي في جحيم التبدّلات الخطرة

28 يونيو 2018
الصورة
من "ولدي" للتونسي محمد بن عطية (الملف الصحافي للفيلم)
يسعى "مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي" إلى انفتاحٍ ثقافي وجمالي وفني على النتاج السينمائي العربي. في دورته الثالثة والخمسين، المُقامة بين 29 يونيو/ حزيران و7 يوليو/ تموز 2018، يستكمل مشروعه هذا.

رغم أن الأفلام العربية المختارة لهذه الدورة قليلة، قياسًا إلى وفرة إنتاجية وتنويعٍ بصري واهتمامات سينمائية كثيرة ومتنوّعة في العالم العربي، خصوصًا في العامين الفائتين، وقياسًا إلى العدد الكبير من الأفلام المُشاركة في مسابقات المهرجان وبرامجه العديدة؛ إلاّ أن التنويع العربي، جغرافيًا وشكليًا ومواضيع، كفيلٌ بتقديم بعض وقائع العيش العربي في يوميات مشبعة بالقهر والتمزّق والتحدّيات.

فمن تداعيات "ثورة 25 يناير" (2011) في مصر ("أمل" لمحمد صيام) إلى حرب عراقية ضد جهاديين إسلاميين ("داخل الموصل" للتشيكية يانا أندرت)، ومن التأثيرات النفسية والروحية لعملية إرهابية على شباب مصريين ("الحلم البعيد" للمصري مروان عمارة والألمانية يوهانا دومكي) إلى قسوة الغياب ووطأته الشديدة على والدين لبنانيين بسبب فقدانهما ابنتهما الشابّة ("المرجوحة" لسيريل العريس)، أو لوالد تونسي بسبب التحاق وحيده بالتنظيم الجهادي "داعش" في سورية ("ولدي" للتونسي محمد بن عطية)، مرورًا بأحوال الناصرة عبر عيون أبٍ وابنه أثناء توزيعهما بطاقات دعوة إلى حضور عرس الابنة/ الشقيقة ("واجب" للفلسطينية آن ـ ماري جاسر)، يُمكن للمهتمّ أن ينتبه، أكثر فأكثر، إلى وقائع عالم عربي لا يزال يتخبّط في ارتباكاتٍ جمّة تُصيب أفرادًا وجماعاتٍ، عبر اشتغالات سينمائية مختلفة.

بعض تلك الأفلام معروض سابقًا في مناسبات ومهرجانات واحتفالات سينمائية مختلفة، آخرها مهرجان "كانّ" السينمائي الدولي. فالفيلم التونسي مثلاً (ولدي) مُشاركٌ في برنامج "نصف شهر المخرجين"، في الدورة الـ71 (8 ـ 19 مايو/ أيار 2018) للمهرجان، إذْ يُعرض حينها للمرة الأولى دوليًا. ومع أنّ التناقض واضحٌ للغاية بين أهمية الموضوع وبساطة المعالجة ("العربي الجديد"، 11 يونيو/ حزيران 2018)، إلاّ أن "ولدي" يبقى أحد الأفلام التونسية القليلة المهمومة بواقع مأسوي تعانيه تونس منذ اندلاع الثورة السورية السلمية، المتحوّلة إلى حرب طاحنة يشنّها النظام الأسدي وحليفيه الإيراني والروسي ضد شعبٍ ومجتمع وتاريخ.



وإذْ يكترث "ولدي" ـ الروائي الطويل الثاني لمحمد بن عطية بعد "نحبّك هادي" (2016) ـ بالعلاقة الملتبسة التي تنشأ بين شبابٍ تونسيين والتنظيم الإرهابي "داعش" في سورية، فإن "داخل الموصل" (وثائقي طويل، 2018، 72 دقيقة) يهتمّ بواقع مدينة عراقية خاضعة لاحتلال تنظيم "الدولة الإسلامية" نفسه (داعش) بين عامي 2014 و2017، أثناء قيام نخبة عسكرية تابعة للجيش العراقي بشنّ حربٍ ضده بهدف القضاء عليه (يونيو/ حزيران 2017).

ذلك أن المخرجة الوثائقية التشيكية يانا أندرت تمضي 8 أشهرٍ متتالية برفقة تلك النخبة العراقية أثناء الهجوم، كي تنقل وقائع المعركة ولحظات المواجهة، لكن الأهمّ كي تُعيد اكتشاف تلك المدينة التاريخية، وتُقدِّم "شهادة سينمائية لن تخلو من أبعادها الإنسانية المتنوّعة" (كما هو واردٌ في أكثر من تقرير صحافي عن الفيلم) عن "مدينة مُصابة بالخراب وروحها مسروقة، في إحدى أكثر الكوارث سوءًا في العصر الحديث"، كما في التعريف الرسمي للفيلم.

الثورة المصرية ـ "المسروقة" لاحقّا ـ ستكون جوهر "أمل" لمحمد صيام، الذي يرافق الشابة أمل في تحوّلاتها النفسية والروحية والتأملية، في ظلّ الأيام الـ18 "المجيدة"، والمنتهية بتنحي الرئيس حسني مبارك، وفي فترات البحث عن أجوبة ما لتساؤلات عديدة، تطرحها الشابّة على نفسها أثناء مواكبتها الحدث الأبرز والأهم والأجمل في التاريخ المديد لمصر، منذ "ثورة الضباط الأحرار" (1952) على الأقلّ. تساؤلات مرتبطة بالعلاقات الملتبسة والمعلّقة للشابة أمل بنفسها وبوالديها (الموظَّفين في مؤسّسات الدولة) وبمعنى الانقلاب والتقاليد والضغوط وانسداد الأفق؛ وأيضًا بالمآل التي تبلغها ثورة سلمية وعفوية كتلك، المندلعة في مصر بين 25 يناير/ كانون الثاني و11 فبراير/ شباط 2011.
إلى ذلك، هناك "الحلم البعيد" للثنائي المصري عمارة والألمانية دومكي، الذي يلتقي "أمل" في سؤال أساسي: مصير أحلام شباب مصريين يطمحون إلى عيش حياة تلائم طموحاتهم وانفعالاتهم ورغباتهم. ففي المدينة السياحية "شرم الشيخ"، يعمل شبابٌ مصريون في مجالات مختلفة، قبل أن تهزّها عملية إرهابية، تُجبرهم ـ لاحقًا ـ على طرح أسئلة تتعلّق بهواجسهم ومخاوفهم واضطراباتهم وهويتهم وارتباطهم بالبلد، في ظلّ صراع حادّ بين قناعة بعيش حياة متحرّرة اجتماعيًا، وقسوة التقاليد الضاغطة في أمور يومية مختلفة.

وإذْ يطرح "واجب" ("ضفة ثالثة" في "العربي الجديد"، 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2017) مسألة العيش في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي في الناصرة، عبر قراءة العلاقة بين الأب (محمد بكري) وابنه المغترب (صالح بكري)؛ فإن "المرجوحة" يتوغّل في التمزّق الداخلي الحاد لأم تفقد ابنتها، وتُقيم مع زوجٍ مقعد بسبب الشيخوخة، كي يكشف مكامن الوجع الفردي وسط انهيار الخارج في شتّى أحواله.