عرب أوروبا ملتزمون بالوقاية من كورونا

19 مارس 2020
الصورة
تلتزم بتعليمات السلطات الإيطالية (نيكولو كامبو/ الأناضول)

وجد العرب القاطنون في أوروبا أنفسهم يلتزمون بإرشادات الحكومات للوقاية من فيروس كورونا الجديد، حتى أنّهم يتخلون عن عاداتهم.

فجأة، وجد عرب ومسلمو أوروبا أنفسهم أمام واقع جديد مختلف تماماً عن السابق، خصوصاً أنّهم يحرصون على العلاقات والروابط الاجتماعية، ويرتادون المساجد بانتظام. فعلى خلفيّة تفشّي الوباء العالمي الجديد، ألغيت الصلاة في المساجد، خصوصاً صلاة الجمعة، في غالبية الدول التي تنتشر فيها جاليات عربية ومسلمة. ويلتزم المهاجرون العرب بقرارات الحكومات حيث يعيشون، والتي أصدرت إرشادات بمنع السفر والخروج من البيوت إلا للضرورة القصوى.

فيروس كورونا بالنسبة للوافدين الجدد إلى أوروبا، أي اللاجئين، جعلهم يتعرفون على وجه آخر للأنظمة الأوروبية، لناحية الشفافية في الإعلان عن انتشار الوباء، والدقة في مسائل تتعلّق بالنظام الصحي. الجميع، فقراء وأغنياء، ومن أية خلفية عرقية، يتمتعون بكل الخدمات من دون تمييز. هذا ما تقوله منال السيد التي تعيش في روما مع زوجها وطفليها منذ ثلاث سنوات. ويتفق معها سعيد معروف الذي يعيش في شتوتغارت الألمانية، قائلاً: "الجميع يلتزم بما تصدره السلطات، وتسير الأمور وفق نظام واضح يطلب منا التقيد من دون استثناءات". ويرى أن "تعليق الصلاة في المساجد مؤلم لمن اعتادوا أن تكون صلاة الجمعة مناسبة للالتقاء بالأصدقاء والمعارف، عدا عن العبادة. لكنّ في ظلّ أهميّة الوقاية حتّى لا يصيب الوباء أعداداً هائلة من الناس، من الطبيعي الالتزام بما تمليه الضرورة".

من جهته، يرى أحمد قسماوي الذي يعيش في برلين، أن "وقف الصلوات في المساجد، خصوصاً صلاة الجمعة، أمر طبيعي. نحن حين نتقابل بالمئات تحت سقف واحد، سنكون عرضة لانتشار الوباء بيننا. كما أننا لن نلتزم بالأصل بالمسافة المحددة بين شخص وآخر لضمان عدم العدوى، بل إن الناس يتعانقون ويلمسون بعضهم بعضاً. تخيّل لو أن أحداً يحمل الفيروس، وصافح خمسة أشخاص، وهؤلاء بدورهم نشروا الفيروس لمن صافحوهم، فتلك مصيبة".



بدوره، يقول اللاجئ الفلسطيني خالد الذي كان يقطن في سورية قبل أن ينتقل إلى هولندا، إنه يعيش حجراً طوعياً لأن مناعته بالأصل ضعيفة نتيجة تناوله أدوية كثيرة لإصابته بمرض القلب وإجرائه عملية جراحية. يضيف: "حالة الهلع الموجودة نالت مني، وبتّ لا أخالط أحداً، ولا أخرح من غرفتي إلا إلى المطبخ أو المرحاض".

أما مصطفى، أبو ليث، الذي يعيش في برلين، فلا يختلف حاله عن خالد، بسبب ضعف مناعته أيضاً. ويقول إن المؤسسة التي يعمل فيها طلبت حضوره بسبب موعد عمل، إلا أنه اعتذر خوفاً على صحته، هو الذي يعاني من مشاكل صحية. وفي حال أصيب بالفيروس، سيبقى في الفراش لأسبوعين. "اخترت الحجر لأسبوعين وأخبرت المكتب في العمل بذلك، وتفهموا الأمر من دون مشاكل".

وعلى الرغم من أن بعض العرب في أوروبا لم يأخدوا فيروس كورونا على محمل الجد بداية، وراح البعض الآخر يقدم وصفات من الأعشاب والثوم، إلا أن جدية تعامل السلطات مع هذا الوباء واتخاذ الأنظمة الصحية إجراءات صارمة جعل بعض المستهترين بالفيروس يراجعون مواقفهم. واندفع بعضهم نحو المتاجر لتخزين المواد الغذائية ومواد التنظيف والمعقمات، ظنّاً منهم أن المتاجر ستغلق أبوابها.

يعقّمان أحد المساجد في صربيا (سمير جورمادوفيتش/ الأناضول) 

وما زال بعض المقيمين العرب يرون في الأمر "مؤامرة تتعلق بشركات الأدوية"، على غرار حسين حاج علي الذي يعيش في الدنمارك. أما زميله محمد، فيرى أن "انتشار الفيروس ليس سوى مؤامرة أميركية تستهدف الصين وإيران. ألم ترى خبير السلاح الروسي الذي كشف الأمر على إحدى القنوات؟".

يتابع كثيرون من أبناء الجاليات العربية القنوات الفضائية في دولهم لمعرفة تطور الوباء في بلادهم. بعضهم كان يخطط للسفر في رمضان المقبل إلى بلاده، خصوصاً الطلاب العرب في بعض الدول الأوروبية. إلا أن هذا لم يعد ممكناً.

ووصل كورونا إلى الحي الفرنسي حيث تعيش سلام حمام القادمة من حمص. تقول: "الله يجيرنا. يجب أن نتزود ببعض المواد الغذائية، وأنصح أولادي بتغيير سلوكهم في التحية". مثلها تفعل صديقتها من سورية منال، "فقد بت أطلب من أولادي الحذر أكثر وأوصيهم باستعمال المياه والصابون بكثرة واستخدام المناديل". تضيف أنها أصيبت بوسواس مقلق للغاية من جراء الحديث طوال الوقت عن الفيروس، ومتابعة أخبار انتشاره وضحاياه في كل العالم. "نجتمع حول التلفزيون ونتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى توتر بيننا وبين الأولاد، خصوصاً إذا ما لاحظنا استهتاراً".



ما هو ملفت في انتشار الفيروس بالنسبة للعرب في أوروبا أنه فرض شكلاً جديداً من العلاقات الاجتماعية، كالاعتذار عن الزيارات والاختلاط، والتخوف من أي اجتماع أو لقاء يحمل طابعاً عائلياً أو اجتماعياً، وهو ما يؤكده فيصل منذر الذي يعيش في فرنسا. كان قد منع ابنته من زيارته خوفاً على حفيدتيه الصغيرتين. وصار الاعتذار المتبادل بين العائلات عن الزيارات أمر منتشر بين المهاجرين الذين يقتصر تواصلهم على الاتصالات الهاتفية. يقول إنها "إجراءات لابد منها حتى لو كان مبالغة، فالأمر لا يحتمل أي تهاون".

دلالات