عراقيون يسافرون رغم القلة

عراقيون يسافرون رغم القلة

22 اغسطس 2019
الصورة
سياحة في كردستان العراق (صافين حامد/ فرانس برس)
+ الخط -

يبدو أن السفر بالنسبة لبعض العراقيين خيار حتمي، وإن كان دخلهم محدوداً. الهدف هو الراحة بعد عام من الضغوط
تكاد لا تخلو الشوارع التجارية في العراق من مكاتب تروّج لرحلات سياحية خارج البلاد، في وقت تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مواقع عدة تؤدي الغرض نفسه. وفي النتيجة، العروض لا تنتهي. يستمر إقبال العراقيين على السفر إلى خارج البلاد لا سيما في فصل الصيف، ولا يتوقف شتاء، إذ أن كثيرين يستغلون هذا الوقت من السنة للسفر والراحة حين تكون الأسعار أقل.

الترويح عن النفس بعد ضغط العمل طوال العام هو السبب الذي يبرّر فيه غالبية العراقيين إقبالهم على السفر بهدف السياحة، وهو ما ينصح به الأطباء أيضاً. يقول فالح السعدي، وهو طبيب متخصص في أمراض القلب، إن نصيحته الأولى والأهم لمرضاه هي السياحة والسفر وتغيير جو المكان المعتاد. ويؤكّد لـ "العربي الجديد" أن "العلاج الأهم هو التغيير"، مبيّناً أن "نسبة قليلة جداً من العراقيين غير متأثرين نفسياً بعوامل عدة من جراء الواقع المتردي في مجالات شتى داخل البلاد. هذا أمر مفرغ منه بالنسبة للباحثين والمتخصصين. الإنسان العراقي الذي عاش طيلة فترة حياته وسط ظروف صعبة وقاهرة ومرعبة، لن ينجو من مشاكل صحية بدنية أو نفسية".

يضيف أن "تغيير المكان مهم جداً ولو لفترة قصيرة، أو ساعات. هذا ما أنصح به دائماً. أطلب من مرضاي الخروج إلى الحدائق، والاقتراب من النهر والبحر. أحياناً أطلب منهم الذهاب إلى الصحراء والجبال ومراقبة الطيور والحيوانات وأوراق الأشجار، خصوصاً الذين لا يستطيعون السفر إلى مدينة أخرى أو إلى خارج البلاد. لكن بشكل عام، الكثير من المرضى يسعون إلى توفير أثمان تذاكر السفر لقضاء أيام في منتجعات في دول أخرى، أو التجول في أسواق ومتاحف وحدائق في بلدان أخرى، لأنهم شعروا بتحسن بعد السفر".



"عصفوران في حجر"... هذه هي الغاية من السفر بالنسبة لكثير من العراقيين الذين يستغلون بعض الوقت للسياحة والعلاج أو التجارة أو التسوق. هذا ما يؤكده أحمد نصار، الذي يدير مكتباً للسفر والسياحة في العاصمة بغداد. ولدى مكتبه علاقات مع مستشفيات ومكاتب استشارية ومتاجر مختلفة في بلدان عدة. يؤكد نصار لـ "العربي الجديد" أن "أسباب انتعاش السفر والسياحة في الصيف معروفة للجميع، وتشمل كل بلدان العالم". لكن اللافت "وجود رغبة للسياحة في الشتاء".

ويوضح أن "مكتبنا والعديد من المكاتب السياحية الأخرى لا تتوقف عن جدولة رحلات سياحية إلى خارج البلاد في الشتاء، لكنها بطبيعة الحال أقل عدداً من رحلات الصيف. ففي حين يكون لدينا في اليوم الواحد ما بين خمس إلى عشر رحلات في فصل الصيف، تكون رحلاتنا في الشتاء ما بين ست إلى ثماني رحلات أسبوعياً".

ويؤكد أن "هناك من يفضل الرحلات الشتوية بسبب قلة تكاليفها بالمقارنة مع الرحلات في فصل الصيف"، مشيراً إلى أن الرحلة تشمل تذاكر السفر ذهاباً وإياباً، والمبيت في فندق مع وجبة طعام واحدة أو ثلاث وجبات بحسب نوع الحجز".

للسنة السابعة على التوالي، تسافر رقية هاشم برفقة زوجها وطفليها في رحلة إلى خارج البلاد، مستفيدة من عروض مكاتب السياحة. وتزيد كلفة الرحلة الواحدة عن الثلاثة آلاف دولار لكامل أفراد عائلتها، في حين يصل دخل عائلتها الشهري بعد جمع راتبها وراتب زوجها الشهري إلى نحو 2000 دولار. تقول إن الدخل الشهري قليل جداً بالنسبة لعائلة مكونة من أربعة أفراد.

تفضّل السفر شتاء (صافين حامد/ فرانس برس) 


وتؤكد لـ "العربي الجديد" أنها تقتطع مبلغاً كل شهر تدخره في صندوق توفير خاص. "في كثير من الأحيان، نواجه ظروفاً خاصة تجبرنا على إنفاق دخلنا الشهري قبل أيام من انقضاء الشهر. أضطر وزوجي إلى الاستدانة لتصريف أمورنا. هنا نقتصد كثيراً في الشهر الذي يليه كي نسدد الدين. وعلى الرغم من ذلك، لا نستعين بما ادخرناه في صندوق الرحلات".
خطة رقية في اقتطاع مبلغ من الراتب الشهري للتمكن من السفر صيفاً، يعتمدها عدد كبير من العراقيين أصحاب الدخل المحدود. ومنهم من يعتمد طريقة أخرى هي الاشتراك في سلفة سنوية. من بين هؤلاء معد فتاح، الذي يعمل موظفاً في وزارة الكهرباء. يقول لـ "العربي الجديد" إنه ينفق دخله الشهري على أسرته المكونة من خمسة أفراد. يضيف: "فكرت في المشاركة في سلفة مع زملائي في العمل ستمكنني من الحصول على مبلغ يكفي لدفع تكاليف رحلة لعدة أيام إلى خارج البلاد، وهذا ما لجأت إلى فعله منذ ثلاث سنوات".



كثيرون ممن يصنفون من أصحاب الدخل المحدود وجدوا في السفر منافع أخرى غير الراحة النفسية والتخفيف من ضغوط العمل والمشاكل الحياتية. سعد جواد يستفيد من السفر أيضاً لشراء مستلزمات عائلته من ملابس وبعض الاحتياجات بأسعار أقل من مثيلاتها في العراق. ويقول لـ "العربي الجديد": "بذلك، أوفر بعضاً من المال الذي أنفقه لشراء هذه المستلزمات من الأسواق العراقية".

أسلوب آخر يعتمده أصحاب الدخل المحدود للسفر وقضاء فترة نقاهة وراحة بأقل كلفة، وذلك من خلال السفر في فصل الشتاء. ويقول محمد جاسم إنه وأسرته يقضون أسبوعين أو أكثر كل عام في إحدى الدول، يستمتعون بمنتجعاتها السياحية ومشاهدة مناطقها السياحية وأسواقها، بكلفة "تساوي ربع كلفة هذه الرحلة في الصيف". ويؤكد لـ "العربي الجديد" أن "السفر يشعرني وكأنني تعافيت من أمراض عدة. أعاني من العصبية الزائدة والسفر يهدئني ويريح أعصابي فضلاً عن السعادة التي تغمر عائلتي وهذا لا يقدر بثمن".