عراقيون يخرقون حظر التجول لكسب قوتهم

11 مايو 2020
الصورة
عمَل كثيرين يومي ولا يمكنهم التوقف عنه(صباح عرار/فرانس برس)
على الرغم من التشدد الحكومي في السعي إلى منع انتشار كورونا، تخالف أحياء في العاصمة العراقية بغداد كلّ التوصيات والأوامر، ومن ضمنها قرار حظر التجول، لأسباب معيشية، إذ لا مفرّ أمام البعض من العمل

في أحياء فقيرة ومكتظة من العاصمة العراقية بغداد، يعيش سكانها داخل منازل صغيرة ويعتمدون في معيشتهم على ما يكسبونه من أجر يومي في أعمال بسيطة، لا إمكانية دائمة للالتزام بقرار حظر التجول من ضمن إجراءات أخرى طبقتها الحكومة العراقية على البلاد في معركة السيطرة على فيروس كورونا الجديد. شبه إجماع يسود الشارع العراقي حول صعوبة فرض حظر تجول لأيام، مع اعتماد الحجر المنزلي، ففي بعض الأحياء لا مجال لتطبيقهما، هذا ما يشير إليه صحافيون وناشطون يسكنون في أحياء فقيرة مكتظة بالسكان. يصف علي الكعبي نفسه بأنّه أكثر رفاهية من سكان الحي الذي يسكن فيه في مدينة الصدر، شرقي العاصمة بغداد. الكعبي وهو ناشط إغاثي ومدرّس في مدرسة ثانوية للبنين، يقول لـ"العربي الجديد" إنّه يستأجر منزلاً بمساحة 50 متراً مربعاً يسكن فيه مع زوجته وطفله الصغير، بينما يسكن جيرانه في بيوت بمساحات مختلفة تتراوح بين 40 متراً مربعاً و100 في أقصى حدّ، فيما يبلغ عدد أفراد الأسرة الواحدة أضعاف عدد أفراد أسرته. يكتفي الكعبي براتبه الذي يتقاضاه من عمله في التدريس لإدارة شؤون أسرته في أثناء فترة حظر التجول والبقاء داخل المنزل، لكنّ "هذا صعب بالنسبة لجيراني الذين لا يمكنهم أن يلتزموا بسبب ارتفاع عدد أفراد أسرهم". يتابع: "أغلبهم يعتمد على ما يتقاضاه ربّ الأسرة أو الأبناء في العمل بالأسواق وفي مهن مختلفة. إنّهم يعملون بأجور يومية، وكثير من هذه الأعمال توقف وصار لزاماً عليهم البحث عن عمل يعينهم في تدبير شؤونهم اليومية"، كما أنّ "بيوتهم صغيرة، ومن الصعب بقاؤهم فيها لوقت طويل من دون أن يخرجوا منها".



يؤيد ما ذهب إليه الكعبي، الصحافي أحمد الزاملي، الذي يعمل مراسلاً لوكالة أجنبية، ويسكن برفقة والدته وزوجته وطفليه في أحد أحياء شرقي بغداد. يقول الزاملي إنّه يؤدي عمله من داخل بيته، إذ يراسل الوكالة التي يعمل لصالحها يومياً، مشيراً في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أنّ عمله لا يتأثر بحظر التجول أو الحجر المنزلي كونه ينجز مهامه من خلال العمل عن بعد. ويضيف أن "الأسواق الشعبية داخل منطقتي بقيت مكتظة وتعمل من دون أيّ التزام بحظر التجول وإغلاق المحال التجارية والأسواق المختلفة. كنت شاهداً على عدة حالات إغلاق محال من قبل الجهات الرقابية، لكنّها باءت بالفشل بسبب موقف السكان والعاملين في الأسواق الرافض لهذا الإجراء وتمسكهم بالبقاء في أعمالهم".

وأعلنت السلطات العراقية حظراً للتجول منذ 17 مارس/ آذار الماضي، ولحقها تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، والدوام الرسمي في المؤسسات الحكومية باستثناء الدوائر الخدمية والأمنية، وكان للقطاع الخاص نصيبه أيضاً إذ تعطّل من جراء الحظر. يتساءل حيدر عبد الحي، الذي يعمل في بيع الخضار بسوق شعبي، في جنوبي بغداد، إن كانت هناك جهة حكومية تعوضه في حال لم يخرج إلى العمل والتزم بالحجر. ويقول لـ"العربي الجديد": "عائلتي مكونة من خمسة أفراد، بالإضافة إلى عائلة أخي الذي قتل في الحرب مع داعش. هؤلاء جميعاً عليّ أن أنفق عليهم". شقيق حيدر الذي يصغره بعامين قتل في تفجير وقع قبل نحو سبعة أعوام، استهدف تجمعاً للعمال، وبقيت أسرته- المكونة من زوجة وطفلين- بحاجة إلى من ينفق عليها، كما يقول.

كثيرون مثل حيدر، تضطرهم الظروف إلى مخالفة القوانين وتحدي الأزمات والتعرض للخطر، بل يصل الأمر إلى مواجهة مخاطر كورونا بالضحك، ليس فقط باللامبالاة، كما هي الحال مع مظفر زغير، الذي يردد باستمرار عبارة: "إحنا (نحن) كورونا". في حديثه إلى "العربي الجديد" يقول زغير وهو شاب في الثانية والعشرين، إنّه قرأ عن فيروس كورونا الجديد، وكيفية الوقاية منه وضرورة الحفاظ على النظافة الشخصية ونظافة المنزل. يضيف ضاحكاً: "أنا أعيش مع أمي وأختي وثلاثة أشقاء ذكور جميعهم يصغرونني بالسن، في كوخ مبني من الطوب والطين والخشب ومواد مستعملة". يتابع: "نعيش في منطقة عشوائية، تسكن فيها أكثر من 100 عائلة جميعها في بيوت مثل بيتي". يستطرد قائلاً: "المنطقة التي نعيش فيها خالية من أيّ خدمات. الحشرات والجراثيم والقوارض والكلاب والقطط السائبة تعيش معنا. بيوتنا لا يمكن أن تكون نظيفة بسبب ذلك". علاوة على هذا، يقول زغير إنّ النفايات مجال عمل أكثر سكان منطقته، مبيناً: "أنا أبحث في النفايات عن المواد المعدنية والبلاستيكية وهو عمل متاح لمن لا يهتم بصحته". وعليه، يرى هو وسكان منطقته، أنّ كورونا لن يؤثر بهم، فهم بحسب اعتقادهم يعيشون في أخطر بيئة وأكثرها تلوثاً. يختم زغير: "ماذا نأكل إن توقفنا عن العمل؟ نحن نعمل كي نوفر قوت يوم عائلاتنا".



السلطات الحكومية قررت رفع حظر التجول في شهر رمضان من الساعة السادسة صباحاً حتى السابعة مساء، واستثنت مناطق محددة من هذا الرفع، إضافة إلى السماح بمزاولة بعض الأعمال وفق شروط مع الالتزام بالتباعد الاجتماعي ومنعت أعمالاً أخرى في الوقت الراهن. وفرضت غرامة تبلغ 50 ألف دينار (نحو 42 دولاراً أميركياً) لمن لا يضع الكمامة من المشمولين بالقرار من عمال وأصحاب مهن وحِرف ومحال تجارية. يقول مسؤول أمني في وزارة الداخلية لـ"العربي الجديد" إنّ السلطات الأمنية تدرك صعوبة تنفيذ حظر التجول ومنع عمل بعض الأفراد بسبب الضائقة المادية لشريحة من المواطنين. يضيف، طالباً عدم ذكر اسمه، أنّ الجهات الأمنية تساهلت في إجراءاتها في بعض المناطق "لإدراكها صعوبة تشديد الإجراءات التي قد تؤدي إلى مشاكل وتزيد الغضب داخل هذه المناطق، ومن غير المستبعد أن يكون هناك اعتداء على الجهات الأمنية". يستدرك قائلاً: "لكن، على الرغم من ذلك فإنّ الفرق الصحية أدت دوراً مشهوداً في إجراء فحوص ميدانية داخل هذه المناطق، والوضع مسيطر عليه".