عدّ عكسي لبريكست: شهر مفتوح على الاحتمالات كافة

02 أكتوبر 2019
الصورة
رغب جونسون في إجراء انتخابات مبكرة(بن ستانسول/فرانس برس)
+ الخط -
يشهد شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي أياماً حاسمة في ما يتعلق بمسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من مضيّ ثلاث سنوات من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي والنقاشات الداخلية البريطانية، لا تزال المسألة مفتوحة على جميع الاحتمالات. فلا يزال غير معلوم ما إذا كانت بريطانيا ستخرج من الكتلة الأوروبية في نهاية الشهر، بل وربما تنتهي الأيام الثلاثون برئيس وزراء جديد في 10 داونينغ ستريت. وينصّ جدول الأعمال الحالي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر/تشرين الأول، بينما تعقد القمة الأوروبية الحاسمة يومي 17 و18 من الشهر الحالي. ووفقاً للقانون الذي أقرّه البرلمان البريطاني مطلع شهر سبتمبر/أيلول الماضي، يجب على رئيس الوزراء بوريس جونسون طلب تأجيل موعد بريكست إلى 31 يناير/كانون الثاني المقبل، إذا فشل في التوصل إلى اتفاق مع قادة الاتحاد خلال القمة الأوروبية. وحدد البرلمان موعد 19 أكتوبر/تشرين الأول حداً أقصى لطلب التمديد.

وسيعرض جونسون قريباً مقترحات لتعديل اتفاق خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، تشمل أفكاراً جديدة تزيل الترتيب المتنازع عليه الخاص بإيرلندا، الذي كانت بريطانيا قد وقّعت عليه في السابق. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي": "أعددنا عرضاً جيداً جداً، وسنقدم عرضاً جيداً جداً، وسنطرحه رسمياً قريباً جداً". وأضاف: "نعتقد أن هناك سبيلاً جيداً للتقدم، نعتقد أن هناك حلاً جيداً. أرجو بشدة أن يبدي أصدقاؤنا الأوروبيون في الاتحاد الأوروبي في بروكسل وفي دبلن وفي ألمانيا رغبة كذلك في المضيّ قدماً". وتابع جونسون أنه يريد التخلص من العنصر المثير للجدل في اتفاق الخروج، وهو الترتيب الخاص بإيرلندا، وأنه ليس هناك معنى لمغادرة الاتحاد الأوروبي إذا ظلت البلاد مرتبطة باتحاد جمركي.

وقال إن التخلص من هذا الترتيب "أمر رائع، لأنه يمكّن بريطانيا من استعادة سيطرتها فعلياً على إطارنا التنظيمي وعلى تعريفاتنا وجماركنا وسياستنا التجارية، ويسمح لنا بالمضيّ قدماً في علاقات جديدة ومثيرة، ليس فقط مع الاتحاد الأوروبي، ولكن أيضاً مع بقية العالم".

وكانت صحيفة "ذا تايمز" قد ذكرت أنّ جونسون طالب الاتحاد الأوروبي باستبعاد تأجيل خروج بريطانيا من التكتل. وأضافت، في تقرير آخر، أنّ كبار القضاة البريطانيين يخططون للتقدم بطعن قانوني طارئ إذا تقاعس جونسون عن طلب تأجيل الموعد النهائي للخروج في 31 أكتوبر/تشرين الأول. وكانت صحيفة "ذا تلغراف" البريطانية قد أشارت، الاثنين، إلى أنّ جونسون سيكشف لزعماء الاتحاد الأوروبي عن خطته النهائية لخروج بلاده من الاتحاد الأوروبي. ووفقاً لتقرير الصحيفة، من المتوقع أن تعتمد الخطة على إنشاء "منطقة اقتصادية" تشمل إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا، وهو ما سيسمح بمرور المنتجات الزراعية والغذائية بينهما دون فحص على الحدود.
وتعهد جونسون، الأحد، بالبقاء في منصبه حتى إذا لم ينجح في التوصل إلى اتفاق على خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، قائلاً إنّ حكومة المحافظين التي يترأسها هي الوحيدة القادرة على إتمام هذا الخروج، سواء باتفاق أو من دونه. وأحجم جونسون ووزراؤه مجدداً عن توضيح خطته للالتفاف حول هذا القانون والوفاء بتعهده بالخروج، ما يزيد الغموض إزاء أكبر تحوّل في السياسة التجارية والخارجية لبريطانيا، منذ ما يزيد على 40 عاماً.

ويظلّ خيار التوصل إلى اتفاق ينظم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الحلّ الوسط بين تعهد جونسون بتطبيق بريكست في موعده مهما كان الثمن، ومعارضة الأغلبية البرلمانية للخروج من دون اتفاق. ووفقاً لهذا السيناريو، يتعين على جونسون ضمان موافقة الاتحاد الأوروبي على خطة بديلة لخطة المساندة الخاصة بالحدود الإيرلندية. وفي حال تأييد بروكسل مقترحات جونسون، يعود إلى برلمان بلاده لطلب الموافقة على الخطة البديلة، التي في حال حصوله عليها، تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نهاية الشهر بطريقة توافقية ترضي لندن وبروكسل، وتتبعها فترة انتقالية تمتد حتى نهاية عام 2020.

إلا أن هذا السيناريو يتضمن عقبات عدة، أهمها حتى الآن فشل الجانب البريطاني في التقدم ببديل عملي لخطة المساندة. وتهدف الخطة إلى أن تكون شبكة أمان تحمي السلم في الجزيرة الإيرلندية من خلال إلغاء البنية الحدودية بين إيرلندا الشمالية والجمهورية الإيرلندية. وكان هذا الأمر ممكناً في إطار الاتحاد الجمركي الخاص بالاتحاد الأوروبي، إلا أن خروج بريطانيا سيؤدي إلى افتراق تنظيمي في القواعد التجارية، وهو ما سيلزم الجانبين بوجود نقاط تفتيش حدودية لتفقد حركة البضائع والمسافرين. وكشفت الصحافة البريطانية عن عدد من الخطط المسرَّبة من الجانب البريطاني حول المقترحات البديلة، ولكنها جميعاً لاقت الرفض في بروكسل، لكونها لا تستوفي الشروط المطلوبة. لكن في حال تمكن جونسون من التوصل بطريقة ما إلى تسوية مقبولة لدى قادة الاتحاد، وتعديل اتفاق بريكست، يجب عليه بعدها الحصول على موافقة البرلمان البريطاني على هذا الاتفاق الذي أبرمته رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي.

وكان البرلمان قد رفض اتفاق ماي ثلاث مرات خلال العام الحالي بأغلبية كبيرة. وقد ينجح استبدال خطة المساندة، ونفاد الوقت والخيارات أمام بريطانيا في إقناع المترددين أو الرافضين السابقين للعدول عن رأيهم ودعم الاتفاق، إلا أن معارضة متشددي بريكست لاتفاق ماي لم تقتصر على خطة المساندة. بالتالي، إن حكومة جونسون قد لا تنجح في حشد الأغلبية البرلمانية خلف الاتفاق المعدل. وفي حال رفض البرلمان للاتفاق، يكون الخيار الافتراضي حينها بريكست من دون اتفاق، أو أن يقوم البرلمان بالتشريع من جديد لإلزام رئيس الوزراء بطلب التمديد، وغالباً بهدف إجراء انتخابات عامة.

ولكن جونسون يصرّ من جانبه على حتمية تطبيق بريكست في موعده، وهو الذي قال إنه يفضل الموت في خندق على طلب تأجيل موعد بريكست. وكانت قد خرجت إلى العلن سبل عدة قد يلجأ إليها للالتفاف على القانون البرلماني الذي يمنع بريكست من دون اتفاق. وتشمل هذه الطرق الاستعانة بقوانين عفا عليها الزمن، تعود إلى الإرث الدستوري البريطاني، مثل "قانون المجلس" الذي تستطيع الحكومة خلاله إصدار "مرسوم" من دون العودة إلى البرلمان أو الملكة، أو ربما إعلان حالة الطوارئ لمدة محدودة تمكنه من تجنب التزام القانون البرلماني، أو حتى إرفاق رسالة بطلب تأجيل موعد بريكست إلى قادة الاتحاد، تنفي فيها الحكومة البريطانية وجود أية أسباب للتمديد. لكن الخبراء القانونيين يرفضون هذه الاحتمالات لعدم وجود تبريرات قانونية تسمح باتخاذها. ولا بد أن تجربة جونسون مع إغلاق البرلمان ستدفعه إلى التفكير مرتين قبل الدخول في معمعة قضائية تنهي حياته السياسية.

ومن السبل المطروحة أيضاً أمام جونسون للتخلص من المعارضة البرلمانية، التوجه إلى صناديق الاقتراع. وكان جونسون قد سعى مرتين للتوجه إلى انتخابات مبكرة تنظَّم يوم 15 من الشهر الحالي، لتمكين رئيس الوزراء المقبل من التوجه إلى القمة الأوروبية مدعوماً بالأغلبية البرلمانية. وتمنح استطلاعات الرأي في الأسابيع الماضية تقدماً لحزب المحافظين، بما لا يقلّ عن عشر نقاط على أقرب منافسيه، وهو ما قد يترجم إلى هيمنتهم على برلمان ويستمنستر. وأمل جونسون أيضاً أن يعمد برلمان يهيمن عليه إلى إلغاء قانون منع بريكست من دون اتفاق. وتصرّ المعارضة البرلمانية على ضمان عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق أولاً، قبل أن توافق على دعم الانتخابات المبكرة.

أما الوسائل الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى انتخابات مبكرة، فتشمل سحب البرلمان الثقة من حكومة جونسون أو استقالة جونسون أو إقالته. وبينما يحتاج تعديل موعد الانتخابات إلى أغلبية الثلثين، فإن سحب الثقة يحتاج إلى أغلبية بسيطة فقط في مجلس العموم (أكثر من 50 في المئة). وترفض المعارضة البرلمانية التقدم بمثل هذه الخطوة قبل ضمان منع بريكست من دون اتفاق، بينما يظل الخيار متاحاً أمام حكومة جونسون لأن تطلب سحب الثقة من نفسها. ويتبع نجاح التصويت بعدم الثقة مهلة أسبوعين يتعين على البرلمان فيهما اختيار حكومة بديلة أو التوجه إلى انتخابات عامة. أما تجاهل جونسون لقانون منع بريكست من دون اتفاق، فقد يؤدي إلى أن تُقيله الملكة إليزابيث الثانية من منصبه.

وقد تتمكن أحزاب المعارضة من تشكيل حكومة تسيير أعمال ائتلافية في مهلة الأسبوعين، وهو ما يجري التشاور فيه حالياً بينها، فيتقدم رئيس وزرائها بطلب تأجيل موعد بريكست، وتنظيم الانتخابات العامة. كذلك فإن زعيم العمال جيريمي كوربن، يرى أن حكومة عمالية تستطيع التفاوض على صفقة بريكست جديدة في مهلة قصيرة، ومن ثم تنظيم استفتاء ثانٍ تكون الخيارات فيه الصفقة العمالية أو البقاء في الاتحاد الأوروبي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيقف من جانبه متفرجاً على الأزمة البريطانية، متطلعاً إلى خروج بريطاني منظَّم، ومستعداً للأسوأ في الوقت ذاته. وتبقى الخيارات الأوروبية المتاحة مقيدة بدعم دبلن في وجه عدم اكتراث المحافظين البريطانيين، وباستعجال عدد من قادة الاتحاد، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للخروج البريطاني، أو دعم عدد منهم من ممثلي الأحزاب القومية اليمينية، مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، للخيار البريطاني، واستعدادهم للتصويت ضد طلب تأجيل موعد بريكست.

المساهمون