عدن... مدينة تدفع الثمن الأقسى للحروب اليمنية

09 مايو 2015
الصورة
تحاول "المقاومة الشعبية" الصمود في وجه الحوثيين(فرانس برس)
+ الخط -
في أغلب مراحل الصراع في اليمن تدفع مدينة عدن المسالمة أثماناً باهظة لصراعات السياسيين، الذين عادة ما يأتون إليها من المدن الأخرى. ومنذ بدء حرب الاجتياح قوات الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح نحو الجنوب وانطلاق "عاصفة الحزم"، أصبحت عدن أبرز عناوين الأحداث وحوّلتها الحرب من "ثغر اليمن الباسم"، إلى جرحها النازف، كما تقول التطورات اليومية، وآخرها المجزرة التي ارتكبتها مليشيات الحوثيين والقوات الموالية لحليفها المخلوع علي عبدالله صالح في مدينة التواهي باستهداف قارب يحمل عشرات النازحين.

اقرأ أيضاً: عدن... مدينة فُرض على أبنائها حمل السلاح

من موقعها الاستراتيجي العالمي اكتسبت عدن أهميتها، إذ تقع قرب ملتقى بحرين (العربي والأحمر) ومفترق قارتي آسيا وأفريقيا. وعلى المستوى اليمني، فعدن الإنسان المدني والبحر، ينتمي أغلب سكانها إلى المحافظات القريبة منها (لحج، أبين، تعز، والضالع وغيرها). وتكتسب أهميتها داخلياً كوجه للمدنيّة والتحضر، لرفض أهلها المظاهر المسلحة وانخراطهم في الأعمال المدنية، وهو الأمر الذي تراكم مع كون عدن، من أوائل المدن التي عرفت الحياة الحديثة، حيث بقيت تحت الاستعمار البريطاني 128 عاماً.
بعد تفجر الثورة ضد الانكليز  في العام 1963، دفعت عدن، ثمناً باهظاً في صراع تثبيت النظام السياسي في الجنوب، إذ سلم المستعمر المدينة، للجبهة القومية، التي قادت العمل المسلح، وكانت مرتبطة بمصر عبد الناصر، غير أن جزءاً مهماً من قياداتها ارتبطت بالاشتراكية، ودخل جنوب اليمن الذي استقل رسمياً في العام 1967، مرحلة تصفيات بين أطراف العمل الثوري التي خرج بعضها باكراً لتستقر عدن على النظام الاشتراكي حتى إعادة توحيد اليمن في العام 1990.
في العام 1986، تفجر الصراع بين أجنحة الحزب الاشتراكي، ليسقط في تلك الحرب أكثر من عشرة آلاف قتيل في أقل من شهر. وكانت عدن ساحة تلك التصفيات الدامية التي انتهت بنزوح أحد طرفي الحرب إلى الشمال، وبقيت آثارها أحد أسباب صراعات لاحقة.

حرب 1994 

بعد أشهر من توحيد اليمن في 22 مايو/أيار 1990، بدأت الخلافات بين الحزبين الشريكين في اتفاق الوحدة، حزب المؤتمر الشعبي وحلفائه من جهة والحزب الاشتراكي من جهة ثانية، وتصاعدت لتصل ذروتها في العام 1994، حين اندلعت الحرب الأهلية بين جيشي الشطرين السابقين، واستمرت الحرب أكثر من شهرين انتهت بسقوط عدن، التي كانت مركزاً للقوات الموالية للاشتراكي، ودفعت عدن في هذه الحرب الكثير من الضحايا. كما كانت هدفاً لنهب واسع طال الكثير من المؤسسات والمقار في المدينة.
وبين عامي 1994 و2007 عاشت عدن مرحلة استقرار نسبية، لم تخلُ من الأحداث، ففي العام 2000 بعد تفجير المدمرة الأميركية "يو إس إس كول"، كادت قوات أميركية أن تدخل المدينة، ووصلت أحد الفنادق قبل احتواء الأزمة سياسياً. وفي العام 2007، بدأت فعاليات الحراك الجنوبي، الذي جاء كأحد آثار حرب عام 94، وما حصل بعدها من إقصاء وتهميش للآلاف من الكوادر الجنوبية وإصرار السلطات على عدم معالجة مطالبهم التي سرعان ما تحولت من مطالب حقوقية إلى مطالب سياسية تصدّرها مطلب "فك الارتباط بين الشمال والجنوب".

حرب الاجتياح الحوثية

في الـ21 من فبراير/شباط الماضي، فاجأ الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، اليمنيين بتمكنه من كسر الإقامة الجبرية المفروضة عليه من قبل جماعة الحوثيين التي سيطرت على العاصمة في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، وانتقاله إلى عدن، التي أعلن فيها عدوله عن الاستقالة بعدما تقدم بها قبل حوالى شهر من ذلك الحين، وبعد وصوله بأيام، أعلن عدن عاصمة مؤقتة، واعتبار صنعاء غير آمنة بسبب سيطرة المليشيات.
تصاعد التوتر في ظل وجود سلطتين (الحوثي في صنعاء، والسلطة الشرعية في عدن)، وصولاً إلى 18 مارس/آذار حين بدأ الحوثيون والقوات الخاضعة لنفوذ المخلوع صالح، بالتحرك جنوباً، بعد أن هدد الأخير (صالح) بدخول عدن متهماً الرئيس هادي ومؤيديه بالسعي إلى الانفصال. وعندما اقترب الحوثيون وحلفاؤهم من عدن، غادر هادي وطلب من مجلس التعاون الخليجي تدخلاً عسكرياً لإنقاذ "الشرعية"، لتبدأ "عاصفة الحزم". بينما كان الحوثيون يحتفلون بخروج هادي، بدأت العاصفة وأصبحت مواقعهم والقوات الخاضعة لنفوذ الرئيس المخلوع هدفاً مباشراً لغارات يومية من صعدة، أقصى الشمال وحتى أبين وشبوة أقصى الجنوب.
وبالتزامن تحولت شوارع عدن إلى ساحة حرب بين الحوثيين والقوات الموالية لهم من جهة، وبين القوات المؤيدة لهادي بما في ذلك اللجان الشعبية التي باتت تعرف باسم "المقاومة الشعبية" من جهة أخرى.
على الرغم من الغارات شبه اليومية، رفض الحوثيون النداءات والمطالب بالانسحاب من عدن، وكانت أعمالهم باستهداف مدنيين والمواجهات في الشوارع، أحد الأسباب التي قللت التعاطف الشعبي معهم ضد "العاصفة".
في أكثر من مرة صدرت تصريحات عن الرئيس اليمني وعن نائبه، رئيس الوزراء، خالد بحاح، ومسؤولين آخرين، عن أن الحكومة الشرعية ستعود إلى عدن، وقد اعتبرها بحاح "مفتاح الحل والسلام"، وفي المقابل، كان الحوثيون يستميتون في عدن على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدوها، كلما سمعوا أن القيادة الشرعية ممثلة بالرئيس هادي، ستعود إليها.
من الواضح بعد أكثر من 42 يوماً على بدء اجتياحها من قوات الحوثيين والرئيس المخلوع، وكذلك العمليات العسكرية للتحالف، أن عدن، دفعت حتى الآن الثمن الأقسى في الحرب. ومما يزيد معاناتها، أنها مدينة ساحلية بدرجة حرارة مرتفعة، تصعب فيها الحياة من دون الكهرباء، إذ تحتاج إلى المكيفات والماء البارد. وتعدّت الأزمة المتطلبات الأساسية لتعيش عدن تحت رحمة القصف والحرب والقنص، ضحيةً لحسابات أطراف قادمة من بعيد.

اقرأ أيضاً معاناة عدن: نزوح وكارثة إنسانية تنتظر الجسر الإغاثي 

المساهمون