عدنان أبو عودة (3-4): كيسنجر وراء قرار منظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطيني

حوار معين الطاهر ومعن البياري
26 سبتمبر 2017
+ الخط -
يصدر قريبا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "يوميات عدنان أبو عودة.. 1970- 1988". ويضم في صفحاته الأولى، بعد مقدمةٍ لمحرّره، معين الطاهر، مقابلة مع صاحبه، السياسي والدبلوماسي الأردني، تضيء على ما لم تأت عليه اليوميات، ويجيب فيها عدنان أبو عودة على أسئلة عن طفولته، دراسته، بيئته العائلية التي نشأ فيها، انتسابه إلى حزب التحرير الإسلامي ثم إلى الحزب الشيوعي، عمله مدرّسا في الخليج، التحاقه بدائرة المخابرات العامة، بدايات علاقته بالملك حسين وكيف تطوّرت، وعلاقته المميّزة مع رئيس الوزراء الأسبق وصفي التل، وتفصيلات أخرى عن وقائع تالية تتابعت في محطات تجربته السياسية الخاصة، وفي مواقع ومسؤوليات تولاها.

وقد ولد عدنان أبو عودة في نابلس في العام 1933، ودرس في دار المعلمين في عمّان، ثم الأدب الانجليزي في جامعة دمشق، عمل في دائرة المخابرات العامة، وشغل منصب وزير الثقافة والإعلام والسياحة والبلاط على فترات بين 1970 و1988، وعيّن عضوا في مجلس الأعيان بين 1988 و1991، ومندوبا للأردن في الأمم المتحدة بين 1992 و1995، وأخيرا مستشارا للملك عبدالله الثاني بين 1999 و2000.
وتساعد المقابلة في مزيد من التعريف بشخص عدنان أبو عودة، وتجربته، وآرائه، وفي إيضاح وقائع تأتي عليها اليوميات. وتوضح الحلقة الثالثة تفاصيل عن حدود مشاركة الأردن في حرب 1973، والتي أعقبها بعام قرار القمة العربية في الرباط منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، والذي يفيد أبو عودة هنا أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، هو من أوحى به.

طُرحت في عام 1972 فكرة إعلان الاتحاد الوطني في الأردن، صيغة للعلاقة مع الفلسطينيين.
نعم، وهي إحدى أفكار وصفي التل في امتصاص ما حدث في عام 1970، وهي تنشئ كيانًا، أو شبه حزب، من فلسطينيين وأردنيين، كشعب واحد، وكنتُ من كتب نصّ تأسيسه، وأصبحتُ الأمين العام له بعد مصطفى دودين، يعني الأمين العام للحزب، والملك رئيسه.

كان هناك رفض فلسطيني شعبي للفكرة.
غير صحيح. كان هناك رفض فصائلي في منظمة التحرير.

تقول في يومياتك إنّ الفلسطينيين كانوا، بعد ظهور جمال عبد الناصر، يرونه يمثّل آمالهم، أمّا الملك حسين فيمثّل مصالحهم. هل هذا دقيق؟
نعم، دقيق في أوساط الفلسطينيين المثقفة، خصوصًا.

قبل حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 بأيام، شاركت في لقاءات الملك حسين في الإسكندرية مع الرئيس أنور السادات والقيادة المصرية، كيف كانت أجواء اللقاءات؟ ما الذي قاله السادات للملك فيها؟ هل عرف الأردن في تلك المباحثات أنّ الحرب ستقع؟
كنتُ ورئيس الوزراء زيد الرفاعي مع جلالة الملك حسين في تلك الزيارة. لكنّنا لم ندخل معه في جلسة محادثاته المغلقة مع السادات، جلس الاثنان رأسًا لرأس. كنّا جالسين مع مرافقين للرئيس المصري، عسكريين ومدنيين. انتهى اللقاء وعدنا إلى عمّان. وفي الطائرة، سأل دولة رئيس الوزراء الرفاعي جلالة الملك: "ماذا كان يريد السادات، وهو الذي طلبنا؟". قال الملك: "أبلغني أنّ لديهم معلومات مؤكدة بأنّ إسرائيل ستهاجم سورية، وأنّها تُعدّ لذلك. ومن ناحية عسكرية قد تستخدم إسرائيل أراضي أردنية في عبورها إلى جنوب سورية، وطلب منّي أن نتهيأ لهذا الاحتمال ولحماية أنفسنا وأرضنا".

بعد بضعة أيام، أو أسبوعين ربما، وقعت الحرب. كل ما كنّا نعرفه أنّ إسرائيل كانت ستضرب سورية، غير أنّ الذي حدث هو ليس كما ذُكر لسيّدنا. اضطربنا قليلًا، سياسيًا، وارتبكنا، ذلك أنّ دولتين ممن حاربنا معهم في عام 1967 يقاتلون الآن إسرائيل التي احتلت أراضينا لاسترداد أراضيهم، ونحن لسنا في هذه الحرب؛ لأنّنا لم نُبلّغ بهذا الأمر كي نستعد، فكيف سنبدو أمام الناس، أمام أهالينا، أمام الذين في الضفة الغربية. ما معنى أنّ مصر تحارب لاسترجاع أراضيها، وسورية تحارب لاسترجاع أراضيها، ونحن لا نحارب لاسترجاع أراضينا؟
كانت تلك مشكلة حقيقية أربكتنا. وبالطبع، في مثل هذه الحالات تظهر نظرياتٌ متعدّدة، رأي كان يرى أن نقاتل ونفتح جبهةً من عندنا، ورأي آخر يحذّر من ذلك. وكنتُ من جماعة "حذارِ من ذلك"، فعمقنا ضعيف، كما أنّنا نعي ما تريده إسرائيل. استمر هذا الموقف المرتبك قليلًا، وقُلّب الأمر على وجوهه، يومين أو ثلاثة، ثمّ خرج جلالة الملك بفكرة أنّنا سنقاتل مع سورية، لكن لن نفتح جبهة عندنا، فقاتلنا.

هل كانت هذه رغبة الملك أم رغبة السوريين؟
كانت رغبة الملك. لم يطلب السوريون ولا المصريون أن ندخل معهم الحرب، في بدايتها، غير أنّهم لاحقًا أرادوا أن نقف معهم، عندما ضعفوا.

  الملك الحسين وعدنان أبو عودة والإعلامي والكاتب خالد محادين                                                                                                                                    


لماذا لم يطلبوا مشاركة الأردن؟

طلبوا منّا بعد وقت من بداية المعارك. لا أعرف لماذا، ثمّ إنّنا دخلنا الحرب مع سورية. وفي اليومين الأولين من مشاركتنا سقط من قواتنا شهداء، وخسرنا معداتٍ عسكرية، مثل أي قوة مقاتلة على الأراضي السورية. وجاءت بعدنا قواتٌ عراقية، حيث صارت سورية بحاجة أكثر إلى إسناد عسكري، كما جاءت قواتٌ سعودية، لأنّ سورية صارت تتراجع في الجبهة. وكان جيدًا أنّنا شاركنا معها في القتال، حيث ساعد هذا في إيقاف التقدّم الإسرائيلي في منطقة معينة.
يُلاحظ في يومياتك تناقضٌ بين الطلبات المصرية والطلبات السورية من الأردن في ما يتعلّق بموضوع الحرب. لم تكن الطلبات السورية في المسار نفسه، وفي الوتيرة نفسها. كل يوم يأتي طلب سوري يختلف عن طلب اليوم الذي سبقه، ويختلف عن الطلبات المصرية.
مع الأسف، هذا صحيح. إنّها حربٌ واحدة، وقيل بقيادة واحدة، لكنّها لم تكن كذلك، فعندما وقعت الحرب، مضت بأشكالٍ مختلفة، جرى التراجع المصري ثمّ التراجع السوري. ثمّ ما عاد التفكير واحدًا، صار كل منهما يفكّر كيف يحمي نفسه، عبر المصريون قناة السويس، ثمّ جاء الدعم الأميركي للإسرائيليين، ثمّ حدثت ثغرة الدفرسوار. وتراجعت القوات السورية، بعد أن كان الدفاع عندهم في البداية ممتازًا، ووصلوا إلى مراحل متقدّمة، ثمّ بدأوا يتراجعون. والتراجع من الجهتين جعل كلًا منهما يفكّر بنفسه، وهذا من طبيعة الأشياء. لكنّ هذا لا يعني بالضرورة ألّا يُنسّق بعضهما مع بعض أحيانًا أمرًا مشتركًا. وعندما تفكّر وحدك، فإنّك بالتأكيد تريد أن تنقذ نفسك، وأعتقد أنّ هذا من أسباب تناقضات الطلبات المصرية والسورية من الأردن.


بحسب يومياتك، استدعى الرئيس السوري، حافظ الأسد ، في يوم 8 تشرين الأول/ أكتوبر، السفير الأردني، لينقل رسالةً إلى الملك، يطلب منه تحرير الضفة الغربية. ثمّ بعث الملك رسالة إلى الأسد، بحسب ما قرأنا، تتضمن تعنيفًا ضمنيًا للقيادتين السورية والمصرية لعدم التنسيق مع الأردن مسبقًا. يعني أنّ هذا الطلب السوري الغريب غيّر مجرى الحوار مع الأردن، هل لديك تفصيل حول هذا الأمر؟ هل كنت مطّلعًا على هذا؟
نعم كنتُ مطّلعًا عليه. والرسالة كُتبت في قيادة الجيش. وما أعرفه أنّها كُتبت بغضب، والسبب، ببساطة، أنت لم تقل لي إنّك تريد مهاجمة إسرائيل، وقلت لي إنّ إسرائيل ستهاجم سورية، أي إنّك أخبرتني شيئًا آخر، والآن تطلب منّي أن أضرب.
كيف تفسّر هذا؟
أتصوّر أنّهم كانوا صادقين في طلب تحريك الجبهة الأردنية، لكنّهم نسوا أنّنا لسنا مستعدّين للحركة كلها، وهذه حربٌ وليست لعبة. وهذا هو أساس غضب جلالة الملك. بعد ذلك، صاروا يجتهدون، حتى صار اضطرابٌ في الحركة السورية نفسها. وكان وزير الخارجية السوري، عبد الحليم خدام ، يقابل السفراء في دمشق يحكي لهم أمورًا، ثمّ نسمع من الإذاعة السورية ما لا علاقة له بما يقوله خدّام، ويخبرنا به السفير الأردني، ما يعود أساسًا إلى تراجع السوريين. وكان الملك على اتصال بالقيادتين، السورية والمصرية، ذلك أنّ لدينا قوات تقاتل، والعملية ليست سهلة.

بعد هذا بأعوام، دافعت عن الملك، بعد اتهام صحفي له بأنّه سرّب نبأ حرب 1973 إلى إسرائيل. ما تفصيلات ذلك، وما هي الحقيقة؟
الحقيقة كما قلتها. ظهرتُ في عام 1998 على شاشة MBC التي أذاعت هذا الأمر في برنامج وثائقي. وقلتُ لهم ما الذي تتحدّثون عنه؟ ما أعرفه هو ما قاله الملك حسين بعد ساعةٍ من خروجنا من مكتب الرئيس أنور السادات، ومن غير المعقول أن يحدث العكس. لكن، يبدو أنّ جهاتٍ معينةً أحبت هذا التشنيع على الملك. ما أعرفه هو أنّ دولة رئيس الوزراء زيد الرفاعي سأل جلالة الملك: "ماذا يريد منك السادات؟". فقال: "إنّه لا يريد منّي شيئًا سِوى أن يخبرني بأنّ الإسرائيليين يُعدّون لهجوم على سورية، وقد يستخدمون الأراضي الأردنية في الشمال جوًا، وأنت مطلوبٌ منك، يا جلالة الملك، أن تتكرّم وتضع قواتٍ في الشمال، لتمنع هذا التدخل الإسرائيلي المحتمل".

حرب عام 1967 قامت لأنّ معلومات كانت لدى الرئيس جمال عبد الناصر أنّ قوات إسرائيلية تتهيأ للعدوان على سورية. بعيدًا عن هذا الأمر، لماذا أخفق تحقيق فكّ ارتباط الجبهة الأردنية؟
كما أنّ مصر كانت تطالب بفكّ ارتباط، وكذلك سورية، فإنّنا في الأردن كنّا نطالب بفكّ ارتباط؛ فنحن دولة محاربة، وموجودون على الأراضي السورية. رفضت إسرائيل، لقناعتها بأنّها لن تعطي الضفة الغربية لأحد، وهذا جزء من تخطيطها الاستراتيجي.

ألمحت في يومياتك إلى أنّ وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت، هنري كيسنجر، كان السبب، واتهمته بأنّه كان وراء قرار مؤتمر القمة العربية في الرباط في عام 1974، أنّ منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، الأمر الذي استخدمه مبررًا لتنصّل إسرائيل من فكّ الارتباط مع الأردن، باعتبار الضفة الغربية أصبحت "أرضًا متنازعًا عليها". بعد كل هذه الأعوام، هل ما زلت على هذا الرأي؟

جدًا جدًا جدًا، وكلّما مرّ الزمن زادت قناعتي، وزاد غضبي على ذلك القرار الذي انبسط منه
[سُرّ به] أبو عمّار، رحمه الله، وطلب من الشبّان من المخيمات أن يوزّعوا الحلويات بعد صدور القرار، من دون أن يعرفوا أنّهم يوزّعون حلوياتٍ على موتهم الذي هو قرار الرباط اعتبار منظمة التحرير الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهو القرار الذي جعل كيسنجر، بشطارته الدبلوماسية [ذكائه الدبلوماسي]، يحوّل قضية الضفة الغربية من أرضٍ محتلة، كما نصّ على ذلك قرار مجلس الأمن 242 الذي نشتغل على أساسه من أجل السلام، إلى أرضٍ متنازعٍ عليها، تطالب فيها منظمة التحرير. وبعدها فورًا بدأت ترتيباتٌ في الأمم المتحدة من أجل أن تُعطى المنظمة صفة مراقب من أجل الكلام. أرض متنازع عليها يصبح لها معنى.
أكان الأردن ينطق باسم الفلسطينيين، أو أنّهم ينطقون باسم أنفسهم، فإنّ الضفة الغربية محتلة عند إسرائيل التي لا تريد أن تعطي شيئًا. نحن نتكلّم على قرارٍ يتعلّق بأن يمثّل الفلسطينيون أنفسهم، وليس الأردن، لماذا التحفّظ على هذا؟

للتحفّظ منطق واضح، حينما تقول منظمة التحرير إنّها الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني فذلك يُلحق به أنّ هذه المنظمة هي التي تقرّر في شأن الأرض الفلسطينية، وليس الأردن، بينما قرار مجلس الأمن 242 يتعلّق بالأردن ومصر وسورية، أي إنّ الأردن هو من عليه أن يسترجع الأرض، فالأرض الفلسطينية احتُلت منه وليس من أحدٍ آخر.

في لقاء لك في القاهرة مع أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، بحضور موظفين رفيعين في وزارة الخارجية المصريين، أشرت إلى حوار لك مع كيسنجر، واتهامك له بأنّه كان وراء قرار الرباط.
نعم، احتجّ بعض أولئك الموظفين، عندما قلتُ إنّ كيسنجر قال لي في عام 1983، أي بعد أعوام من خروجه من الخارجية الأميركية، إنّ الرئيس أنور السادات كان صاحب فكرة منظمة التحرير ممثّلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني. حينها صحّح أسامة الباز ذلك، وقال إنّ كيسنجر همس بالفكرة في أذن وزير الخارجية المصري، إسماعيل فهمي الذي بدوره همس بها في أذن السادات.

لماذا اعتمد السادات هذا الموقف برأيك؟
أعتقد من قراءاتي للفترة الماضية أنّ العرب دخلوا حرب 1967 بمفهوم جمعي متماسك، ولمّا انتهت بهزيمتنا، أذكر جملةً كان يكرّرها دائمًا المرحوم الملك حسين، وهي أنّ عبد الناصر قال له: "يا جلالة الملك، بأي طريقةٍ كانت (انتبه للتعبير) إذا كان بإمكانك أن تسترجع الضفة الغربية لا تنتظر". وهذا يدلّ على أنّ عبد الناصر كان واعيًا أنّ إسرائيل لن تعطيه شيئًا، أو أنّ عنده حدسا بذلك. ولذلك قال للملك: "بأي طريقةٍ كانت استرجعها لا تنتظرني، لا تنتظر موافقتي، ولا تنتظر أن نذهب أنا وأنت من أجل سلام مشترك".
مع الوقت، عندما تورّطنا في عملية السلام بالطريقة التي أرادتها الأمم المتحدة، وحضر إلينا في عام 1967 مندوب الأمم المتحدة، غونار يارنغ، كان يذهب إلى إسرائيل فيسمع هناك ما لا يسمعه منّا. وواضحٌ أنّ لعبةً كانت تترتب، لكنّها لم تنجح. تُركنا في الأردن وحدنا، وهذا كان مقصودًا، فأن تُترك وحدك من دون وسيط دولي معناه أن تُقدّم ما في ذهنك، وتفكّر بمصلحتك، ما يُلغي العمل الجماعي، وهذا ما حدث، كل من الأردن وسورية ومصر صار يفكّر بنفسه، كيف يسترجع أرضه، ووحده. وطبعًا ظهر لكل واحدٍ وسطاء، وهناك كثيرون تبرعوا للقيام بذلك.
ما جعلني أتكلّم مع كيسنجر أنّه المسؤول وأنّني، كوزير إعلام للأردن، كنتُ أسمع منذ عام 1974 حتى حديثي هذا معه في عام 1983، ممّن يتحدّثون إليّ من وزراء خارجية لدول أجنبية، أو أعضاء برلمانات غربية، أو صحافيين أجانب، عندما أطرح قضية الضفة الغربية واسترجاعها وحقنا في فكّ الارتباط عسكريًا مع إسرائيل، كنتُ أسمع أنّ قرار الرباط يُعقّد الأمور.

كنت، إذًا، على قناعة بأنّ كيسنجر وراء إقناع العرب بأن يعملوا من أجل إصدار قرار منظمة التحرير ممثّلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، هل هو من أبلغك بهذا؟

لا، جرى حوار بيني وبينه في عام 1983. عقد الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، في ذلك العام، في مركز كارتر في أتلانتا، مؤتمرًا من أجل السلام، حضره ممثلو إسرائيل ومصر وسورية والأردن. وكنتُ مع ممثّل الأردن، وهو الأمير الحسن. وكان وزير الخارجية السوري السابق، فاروق الشرع، يمثّل سورية، وكان أسامة الباز ممثّل مصر. وفي طريق عودتنا، عرّجنا على نيويورك، واستقبل الأمير الحسن في جناحه في الفندق، هنري كيسنجر، وتكرّم عليّ بأن أبقى معه وجلست. وطرح في الحوار موضوع الضفة الغربية والحلّ السلمي، فكان كيسنجر يُعقّب ويشير للأمير إلى قرار قمة الرباط، وهو ما كنتُ أسمعه طوال تلك الأعوام، منذ صدور القرار في 1974، من الغربيين الذين نلتقيهم. فتدخلتُ، وقلتُ لكيسنجر: "إنّنا، ومثقفين وسياسيين كثيرين في الشرق الأوسط، نعتقد أنّك أنت الذي أوحيت بهذا القرار".

ماذا كان جوابه؟
صرخ: "هذا غير ممكن، أنا لا أفعل ذلك". سكتُّ حتى يهدأ. ولمّا سألته عن المسؤول عن ذلك القرار، أجابني بأنّه الرئيس المصري السابق، أنور السادات. وفي عام 1984، كنتُ وزيرًا في الحكومة، ثمّ طلبني جلالة الملك حسين عنده، فأصبحتُ وزير بلاط، وكان آنذاك مهتمًا بالعمل القومي. وكان يرى ثلاث مشكلات يريد أن يحلّها، أو يتدخّل فيها، وهي: مصالحة الرئيس السوري حافظ الأسد بالرئيس العراقي صدام حسين ، والتقرب إلى أبو عمّار ليجعل منه أكثر ليونة وفهمًا لعملية السلام، وإرجاع مصر إلى الحظيرة العربية.
وفي تلك الأثناء، كُلّفتُ معظم الأحيان بنقل رسائل من جلالة الملك إلى الرئيس حسني مبارك في القاهرة، وأرجع إلى جلالة الملك بإجابات الرئيس مبارك عن رسائله، وكانت تلك الحركة للتمهيد لإعادة مصر للحظيرة العربية. وكان يستقبلني في المطار المرحوم أسامة الباز، ويصحبني إلى القصر الجمهوري، لأُقابل الرئيس مبارك، وأعطيه رسالة سيدنا، وآخذ منه جوابًا، ثمّ يُرجعني الباز إلى المطار. وفي يوم، دعاني إلى الغداء في فندق هليوبوليس، وشاركنا فيه ثلاثة من سفراء وزارة الخارجية. وكعادتي كأردني، كان حديثي على الغداء عن الضفة الغربية، وماذا يمكننا أن نفعل لها، وكيف نستعيدها. ثمّ عقّب أحد السفراء بأنّ المسألة صعبة بسبب قرار القمة العربية في الرباط في عام 1974 تسمية منظمة التحرير ممثّلا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني. ساعتها تذكّرت ما قاله لي كيسنجر، فقلتُ للمتحدّث إنّ كيسنجر أخبرني أنّ المسؤول عن هذا القرار هو الرئيس أنور السادات. استغرب السفراء الثلاثة ما قلت، وأظهروا رفضًا له، وظلّ أسامة الباز صامتًا، تاركًا لهم أن يتحدّثوا كما يشاؤون، ثمّ لمّا هدأوا، قال لهم: "ما تحدّث به عدنان صحيح. صاحب الفكرة هو كيسنجر، وباعها، بشكل أو بآخر، إلى إسماعيل فهمي الذي اعتمدها وباعها إلى الرئيس السادات الذي اتصل ببعض الزعماء العرب، ووافقوا عليها، وكان منهم الملك الحسن الثاني".
صدق كيسنجر وكذب في الوقت نفسه؛ صدق في أنّ السادات هو الذي رفع الفكرة، وعمل على اعتماد العرب لها، لكنّه كذب في أنّه لا علاقة له بها، فيما هو صاحب الفكرة. وأروي هذه القصة هنا لأنّها تُريك كيف كانت الدبلوماسية العربية، هل هي غبية أو منحطة؟ هل هي ذكية؟ لقد تورّطت في ورطة، وهي لا تعرف ما الذي تفعله. وأتذكّر أنّ تقارير كانت تأتي إليّ، حين كنتُ وزيرًا، أنّ اللاجئين في مخيميّ الوحدات والحسين وزّعوا الحلوى بعد قرار قمة الرباط.

حسني مبارك مستقبلا عدنان أبو عودة                                                                                                                                                           


عقدت في الأردن، بعد مؤتمر الرباط، اجتماعاتٌ لنقاش آثار قراره بأنّ منظمة التحرير هي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وقد كتبت في يومياتك، في وقت مبكر بعد عام 1974، أنّك بدأت تشعر بالغربة في داخل النظام.
لاحظتُ أنّه لا يوجد وعي للمعنى الأكبر. إذا كنت تريد الوحدة وتستفيد من الوحدة أساسًا عليك أن تفهم أمرًا واحدًا، هو أنّك في ذلك تحمي فلسطين وتحمي الأردن، وهذا هو المفهوم العربي، وهذا هو مفهوم الوحدة، بمعنى أنّك تتمسّك بقوتك مع الآخر، لتدافع عن فلسطين، وتدافع عن بلدك. هذا الوعي لم يحدث مع الأسف، وهذا ما جعلني أضطرب، وأرى أنا مع من، وأدافع عمّن، ومن أجل ماذا، وإذا كان كل واحد يفكّر ماذا يعمل بعد ما اتُخذ قرار الرباط، هل نترك الفلسطينيين مثلًا؟ لكنّ الملك حسين سُئل مرة في زيارة لقيادة الجيش من ضابط كبير: "ماذا نعمل بالضباط الفلسطينيين؟". فأجابه الملك، رحمه الله، بأنّ الفلسطينيين كما هم، ولا تغيير على وضعهم، هم ضباط في الجيش ومواطنون أردنيون. وقال إنّ هذا سؤال غير مسموح به. كانت الأمور واضحةً لديه، وكان الأكثر فهمًا لها.


كان الملك حسين قد استقبل وفدًا من الضفة الغربية قبل قمة الرباط. كما أنّه تحدّث عن شيء اسمه "القضية الأردنية - الفلسطينية" في خطبته في قمة الجزائر التي سبقت قمة الرباط، وقد أُلقيت نيابة عنه (لم يشارك في القمة). وقال فيها: "إنّنا سنُمكّن أهلنا في غرب الأردن أن يختاروا لأنفسهم المستقبل الذي يريدون، ونظام الحكم الذي يرتضون" (بعد التحرير وليس قبله).
كانت هذه محاولة طمأنةٍ لأبو عمّار، بأنّ تدخلك، يا سيد أبو عمّار، يلخبطك [يربكُك]. وأنتم، يا شعب فلسطين، إذا كنتم تحبون أن تستقلّوا، دعونا نُرجع الأرض أولًا، ودعونا نثبتكم، ولنا في ذلك سابقة. وكان الملك حسين صادقًا وجريئًا في هذا الكلام. وعلى أساسه، عملنا في الأردن، في عام 1972، مشروع المملكة العربية المتحدة، وكان لطمأنة الفلسطينيين وأبو عمّار، يرحمه الله ويغفر له، الذي ظنّ أنّ الأمور بهذه البساطة، أي إنّه أول ما يُدعى إلى المحكمة، ويُحضر شهودًا أنّه ممثّل الفلسطينيين، يأخذ فلسطين، غير أنّه لم يدرك أنّ العدو لا يريد أن يترك فلسطين.

هناك هاجس واسع عند الفلسطينيين، وهو أنّهم يريدون أن يمثّلوا أنفسهم بأنفسهم، ولا يريدون الأردن أو غيره أن يمثّلهم. ومنظمة التحرير تُعتبر كيانًا وطنيًا لهم. هذا التطلّع لدى الفلسطينيين كان مشروعًا، وكانت له شعبيته بين أوساط الفلسطينيين في الأردن وفلسطين وسورية ولبنان، لماذا التحسّب الأردني منه؟
لم نتحسّب منه. كان شاغلنا هو احتلال الضفة الغربية ومن هم فيها، وشاغلنا بشكل كبير اللاجئون. فلماذا نُغذّي هذا الحسّ بسلوكٍ معيّن بمواقف معيّنة. هذا كان يهلكنا. لذلك، حاولنا أن نخفّف منه قدر الإمكان، وقمنا في عام 1972 بمشروع المملكة المتحدة، لنقول للفلسطينيين ما ذكرته هنا، ولنقول لمنظمة التحرير إذا أعدنا الضفة الغربية نقيم فدرالية بيننا وبينكم، تحكمون أنفسكم بها، ونحن نحكم أنفسنا. ومن رفضوا هذه الصيغة ثلاثة: أبو عمّار، وغولدا مائير، وأنور السادات.

ربما جاء الهوى المصري عند ياسر عرفات من معرفته أنّه ليس لدى مصر، منذ الملك فاروق رغبة بالنطق باسم فلسطين، ليست كالسوريين وكالأردن، لا يوجد تطلّع مصري للحديث باسم فلسطين أو احتواء الفلسطينيين. لم تكن هناك ورقة فلسطينية في الجيب المصري؛ ولذلك، كان عرفات يرتاح في مصر، ولا يرتاح في الأردن، ولا يرتاح في الشام.
ليس الأساس هكذا. كان أبو عمّار يعتقد أنّ حجم مصر الدولي يجعل منها قوةً مؤثرةً أكثر من الأردن، لكنه نسي أنّ الرئيس أنور السادات لم يكن يسأل عنه، وإنّما كان معنيًا بحاله في مصر وبثقته بنفسه. ولمّا رفض مشروع المملكة العربية المتحدة كان يقصد أن يُطمئن أبو عمّار، بأنّه هو لن ينساه، فيما هو ناسيه، وقد انبسط [فرح] أبو عمّار بذلك، من دون أن يلتفت إلى ما كانت تقوله رئيسة وزراء إسرائيل في حينه، غولدا مائير، وإنّما يتحدّث عن اللاعبين الوحيدين على المسرح، ونسي أنّ المحتل هو عملاق على المسرح.
في ضوء ذلك، من أجل أن يُقنع الرئيس السادات أبو عمّار أكثر بأنّه من يحميه، قطع علاقته مع الأردن في عام 1972، واستمرت الاتصالات مقطوعةً حتى حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبذلك كثر اللاعبون، والمثل العربي يقول "إنّ كثرة الطباخين تحرق الطبخة".

يرد في يومياتك أنّ السادات كان يخطط لإبعاد الأردن عن المعركة، أي إنّ قرارًا كان لديه بإبعاد الأردن عن مؤتمر السلام، لينفرد بالحلّ في الشأن الفلسطيني، هل هذا صحيح؟
صحيح، على الأقل كان وزير الخارجية المصري، إسماعيل فهمي، لا يُسلّم على رئيس الوزراء الأردني.

تنقلُ عن حافظ الأسد قوله إنّ كل سياسي في العالم هناك من يكرهه، وهناك من يحبه، إلّا اسماعيل فهمي الكل يكرهه.
لا أعرف، لم أتعامل معه، كنتُ وزير إعلام وهو وزير خارجية. ولذلك معلوماتي إعلامية.

اقترح وزير الدفاع السوري، مصطفى طلاس، خطة حرب على وزير الدفاع المصري، عبد الغني الجمسي الذي أجابه: "نحن لا يهمنا إلّا سيناء، لا يهمنا لا القدس ولا الضفة الغربية". ما تفسيرك؟
كل واحد صار يريد بلده.

شهدت العلاقات الأردنية الفلسطينية مرحلة توتر شديد، بعد حوادث أيلول/ سبتمبر 1970، إلى درجة أنّك ذكرت في يومياتك أنّ القيادي في منظمة التحرير وحركة "فتح"، خالد الحسن، اتهمك بأنّ يديك ملوثتان بدماء الشعب الفلسطيني.

نعم، كان ذلك في حفل استقبال نظمته السفارة اللبنانية في لندن للوفود العربية في مؤتمر للدول الأعضاء في منظمة البرلمان الدولي في عام 1975، وجئتُ أُسلّم على خالد الحسن الذي كان يمثّل منظمة التحرير الفلسطينية في المؤتمر، وموجود في السفارة مثل ما أنا موجود، فقال إنّه لا يُسلّم على يدٍ ملوثة بالدم. وراحت الأيام وجاءت الأيام، وخرج أبو عمّار من لبنان، وأقامت منظمة التحرير في تونس. وباشر الملك حسين في الخطوة القومية الثالثة التي تحدّثت عنها، أي التقرّب من أبو عمّار في عام 1984. في تلك الأثناء، صرنا أنا وخالد الحسن (أبو السعيد)، يرحمه الله، نشتغل مع بعضنا، وأنجزنا اتفاق شباط/ فبراير بين الأردن ومنظمة التحرير. الدنيا هكذا.

آلمتني طبعًا عبارة خالد الحسن تلك لي. وما آلمني كثيرًا أيضًا صديقٌ كان في صفي في مرحلة المدرسة الثانوية، ثمّ درس الحقوق وصار محاميًا، والتحق بالفدائيين الفلسطينيين. وكان معهم في الأردن، بينما كنتُ أنا في المخابرات، وهو مع من سنحبسهم. كان مركزه، باعتباره تونسي الجنسية، السفارة التونسية، وكنّا نلتقي هناك، وهو تيسير شوكت النابلسي، رجل فاضل بمعنى الكلمة، رحمه الله، كان كريمًا، وكان يرسل أموالًا إلى الفقراء في نابلس. كنّا معًا ونحن شباب في "حزب التحرير"، وفي ما بعد صار كلٌ منّا في صف مختلف، وقد زعلتُ [حزنتُ] كثيرًا بسبب هذه الحالة. ومن المفارقة أنّه وخالد الحسن كانا تحريريين.

يُشاع في أوساط المقاومة الفلسطينية أنّك في المخابرات الأردنية من حققت مع القيادي في حركة فتح محمد داود عودة (أبو داود) ، وأنّ الشخص الذي وشى به كان موظفًا عندك في وزارة الإعلام.

لا، ليس لي علاقة بالتحقيق ابتداءً، فقد كنتُ قد تركتُ المخابرات في تلك المرحلة. كان موظف في وزارة الإعلام هو من وشى بأبو داود وسلّمه. وقد أخبرني بهذا، ثمّ خطفوا هذا الموظف وأخدوه إلى ليبيا وعذّبوه.

ليس لك، إذًا، أي علاقة بقضية أبو داود كلها، ولم تشارك في الحوارات، وكانت هناك وجهة نظر بالعفو عنه، ووجهة نظر بإعدامه.

كنتُ بعيدًا عن هذا الموضوع. حصل هذا بعد عام 1970. وكنتُ قد أصبحتُ معروفًا لدى السلطة، ولدى المسؤولين والإعلاميين الأجانب الذين يزورون عمّان، وكان هناك نوع من التوجيه في الديوان الملكي بأن أقابلهم. وكان سيدنا جلالة الملك حسين يثق بي وبقدراتي على الحديث مع الأجانب. وبذلك بدأت حياتي تنتقل من مثل شؤون أبو داود إلى محاورة السفير الفلاني ورئيس الوزراء الفلاني وهكذا. وصار من مهماتي التعامل مع هذه الشخصيات، خصوصًا بعد قرار قمة الرباط تمثيل منظمة التحرير الشعب الفلسطيني.

ذات صلة

الصورة

سياسة

شيّع الفلسطينيون ظهر اليوم الأربعاء، جثمان أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، من مقر الرئاسة بمدينة رام الله، بمشاركة الرئيس محمود عباس.
الصورة
أميركا/سياسة/مقر التحرير الفلسطينية/(آندرو كباليرو/فرانس برس)

أخبار

أعلن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن سيتم قبل 10 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
الصورة
صائب عريقات/سياسة/الأناضول

أخبار

كشف أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، أنّ فلسطين ستقدم طلباً لمحكمة العدل الدولية، ضد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسوية القضية الفلسطينية، والتي تتضمن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لإثبات مخالفتها لقرارات "الشرعية الدولية".
الصورة
فلسطين-سياسة-16/12/2017

سياسة

لا يبدو أن المسار الأميركي لتصفية القضية الفلسطينية سيتوقف، فمع رهان واشنطن على خمود الردود على إعلان القدس عاصمة لإسرائيل تستعد لخطوة جديدة تستهدف تعديل حدود القدس، بإعلان حائط البراق جزءاً من الدولة الإسرائيلية.

المساهمون