عدم المساواة في الحياة والموت

16 مارس 2020
الصورة
كما في أي حدث كبير في مصر، يحدث انقسام في الرأي وجدال كبير، وتظهر كذلك الازدواجية عند بعضهم والكيل بمكيالين. وعند وفاة الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ذلك التراشق المعتاد. هناك من حاول التماس الأعذار لمبارك ولفترة حكمه، وكانت عبارة "له ما له وعليه ما عليه" الأبرز في الأسابيع الماضية، كذلك "اذكروا محاسن موتاكم" و"مبارك الآن بين يدي الله"، وكان بعضهم يحاول البحث عن أي محاسن ليذكرها، فلم يجد غير الكباري (الجسور) والأنفاق والبنية التحتية، مع أن بعضها تنهار في كل موجة عواصف أو أمطار كثيفة. وأحيانا نشعر بأن ثمة ناساً لديهم ذاكرة تشبه ذاكرة الذبابة التي تُمسح كل عدة ثوانٍ، فمثلا تجد إعلاميين محسوبين على السلطة يبدون مشاعر الألم والحداد على مبارك، في حين أن بعضهم كان يهاجمه بين كل فترة والأخرى، على قاعدة أن فساد 30 عاما له دور في تعطيل المشروعات الكبرى الحالية، وهو سبب انهيار البنية التحتية في مصر، وعدم تحملها الأمطار الكثيفة. تلك الازدواجية موجودة أيضا، حين نجد ذلك الاحترام لثورة يناير في ديباجة دستور 2014، في حين أنها تلقى كل اللعنات، ويتم تحميلها كل الأخطاء الحالية في الإعلام الموالي للسلطة أو بعض التصريحات الرسمية.
العواطف والانحيازات هي التي تحكم تلك المواقف، وليس ما يتم إعلانه من مبادئ، فمعظم مدّعي التنوير والعلمانية كانوا هم الأكثر دفاعا وقت وفاة حسني مبارك، والأكثر شراسة في 
الهجوم وقت وفاة الرئيس الأسبق، محمد مرسي، مع أن مبادئ الإنسانية واحدة. وبالمثل كان هناك تعصب مضاد من معسكر ثورة يناير. ولافت أيضا أن أصواتا كانت تطالب بتذكّر محاسن مبارك، وأنه لا يليق ذكر جرائم شخص ميت، حتى لو كان رئيسا للجمهورية، هي الأصوات نفسها لم تطبق المقولات نفسها عند وفاة الرئيس مرسي، فكان السب واللعن والتخوين هو السائد ضد كل من كان يرثيه أو يدعو له بالرحمة، أو يقول إن للرجل ما له وعليه ما عليه.
كان المشهد بعد وفاة مبارك مستفزّا لقطاعات عديدة محسوبة على ثورة يناير، فقطاعات الدولة، الرسمية وغير الرسمية، تفرغت للحداد على شخص يفترض أنه كان سببا للفساد والخراب 30 عاما، ويفترض أن ما فعله هو السبب الرئيسي لتأخر النهضة المتوقعة ونتائج مشروعات كبرى حالية، طبقا لتصريحات رسمية وشبه رسمية، وهذا لا يتعارض أيضا مع حالة الحزن والرثاء التي تمت ملاحظتها لدى قطاعات شعبية عديدة، فالحال في عهد مبارك، مهما كان سيئا وضيّقا، كان أكثر رحابة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، مقارنة بالوضع الحالي.
ومظاهر الحداد الرسمي للدولة والدوائر الرسمية كان استفزازيا بشكل كبير، فشارات الحداد على شاشات التلفزيون ثلاثة أيام، إلى جانب عشرات البرامج التلفزيونية عن تاريخه العسكري المشرف، ومراسم الجنازة والعزاء، وهذا الكمّ الكبير من التأمين والحراسات وإغلاق الطرق الرئيسية من أجل استقبال مسؤولي الدولة ورموز النظام القديم وكل من ارتبط بنظام مبارك. الرسالة مقصودة، مفادها بأن ثورتكم كانت خطأ عارضا لا بد من محوه، وهذا النظام هو امتداد فعلي للنظام القديم، حتى لو كان هناك خلاف على بعض الأشخاص أو السياسات، ولكن
 مبارك، في النهاية، هو أحد أبناء المؤسسة الحاكمة لمصر منذ 1952، وهذه هي الطبقة الحاكمة، وهؤلاء هم رجال الدولة، وهذا كان قائدا عسكريا في النهاية، أما ثورتكم فقد كانت فعلا عارضا تم تصحيحه.
ولكن بعيدا عن الانحيازات السياسية أو الأيديولوجية أو العصبية أو العاطفية، يمكن النظر إلى الأمر من منظور حقوقي مجرد، فكلا الرجلين (مبارك ومرسي) حكم مصر، وكلاهما تمت إطاحته عقب خروج قطاع ضخم من الجماهير، وكلاهما أيضا تدخلت المؤسسة العسكرية بالضغط على الأول في 11 فبراير/ شباط 2011، ثم عزل الثاني وحبسه في 3 يوليو/ تموز 2013. وقد واجه مبارك تهم الكسب غير المشروع والفساد والتلاعب بالبورصة، وأيضا قتل المتظاهرين إبّان ثورة يناير، وكذلك القصور الرئاسية، وتلقي هدايا من مؤسسات الدولة، فيما واجه مرسي تهم إهانة القضاء والتخابر مع قطر وقتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية عام 2013، ولم تكن ظروف الحبس أو المحاكمات واحدة.
ومن منظور حقوقي وقانوني، وليس سياسيا، يمكن القول إن فكرة محاكمة رئيس الجمهورية، وهو أعلى سلطة تنفيذية، إجراء جديد على السياسة المصرية بشكل عام، على الرغم من الاختلافات بين إجراءات المحاكمة لكل منهما، على الرغم من أن مبارك حكم مصر 30 عاما تراكمت خلالها المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وكان من جرّاء سياساته عبر هذه الفترة الطويلة أن تراكمت مشكلات اجتماعية واقتصادية عديدة، بالإضافة إلى غياب الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. أما مرسي فعلى الرغم من أنه وصل إلى منصبه نتيجة انتخابات ديمقراطية حرة، ومنافسات قوية، إلا أن فترته شهدت مشكلاتٍ مختلفة، لم يحسن التعامل معها، فكان هناك غضب لدى قطاعات عديدة من أداء جماعة الإخوان المسلمين وسياستهم، وحزب 
الحرية والعدالة.
وجدير بالذكر أن المواثيق الدولية، وكذلك الدستور المصري، تشدد على المساواة بين الجميع أمام القانون من دون تمييز، وأن لكل مواطن الحق في محاكمة عادلة، وأيضا الحق في ظروف احتجاز عادلة ومعاملة تحفظ الكرامة، ونصت لائحة السجون على حق المسجون في الحصول على العلاج المناسب، والخضوع لرعاية طبية كاملة.
ولكن يظل استقلال القضاء وحياده إحدى الضمانات الجوهرية لمقاربة تحقيق المحاكمة العادلة. الاستقلال أن يكون بعيدا عن أي تأثير أو ضغوط. أما الحياد فيعني ألا يكون للقاضي رأي مسبق ضد المتهم، أو ضد توجهاته. ومن وجهة نظر حقوقية، يمكن القول إنه كان هناك تمييز كبير في المعاملة بين الرئيسين الأسبقين، فمكان احتجاز مبارك كان معروفا ومعلنا وظل فترة طويلة في المركز الطبي العالمي. في المقابل، كان مكان احتجاز مرسي غير معلوم عدة أشهر، وكان هناك تمييز بينهما في ظروف الاحتجاز، وإمكانية الزيارة، وكذلك إمكانات الرعاية الطبية. وكانت هناك مراعاة لسن مبارك وتقدّمه في العمر خلال جميع مراحل المحاكمة، فمكث في مستشفى مجهز بكل وسائل الرعاية الطبية في أثناء فترة المحاكمة، في حين قضى مرسي فترته في الحبس الانفرادي بعيدا عن مستشفى مجهز، ما كان له دور في زيادة تدهور حالته الصحيّة. وعند وفاته، دُفن على عجل في إجراءات قد تكون سرية، ولم تتم إقامة جنازة له أو السماح بتلقي العزاء. وفي المقابل، أقيمت جنازة عسكرية لمبارك، باعتباره أحد قادة القوات المسلحة، على الرغم من إدانته في قضايا فساد تعتبر مخلة بالشرف، وتحرمه من أية امتيازات عسكرية. وتم السماح بإقامة عزاء حضره مسؤولون عديدون في الدولة ونجوم المجتمع، بالإضافة إلى حالة الحداد الرسمي، وتثبيت الشارة السوداء في شاشات القنوات التليفزيونية والفضائية المصرية.
عومل مبارك كابن للدولة ومؤسستها العسكرية على الرغم من جرائمه، وعومل مرسي كعضو في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، وكانت الرسالة واضحة من المراسم: نحن الدولة، أما ثورتكم وتبعاتها فمجرّد حوادث عارضة، سيتم حذفها من الذاكرة مع الوقت.