عدالة الرسم في الذّات المبتورة

21 فبراير 2018
هل نذهب إلى الفنون لتُسعدنا أم لأنّها تؤلمنا؟ هل الفنّ قيمة عُليا تجمّل النّقائص أم هو عاهات الفنّان التّي وظّفت كما اتّفق؟

إن إدراك الفنّ إدراك لشرطيّة وجود كائن ميكانيكي ومليء بالأحاسيس والمشاعر وصانع للنّشوة انطلاقاً من الفيزيولوجي الذي يندفع عبر الإدراك الدّاخلي للأطر الخارجيّة مانحًا بذلك للإرادة قوّتها عن طريق تعنيف الذّات بالمزيد من المازوخيّة، فإن قتلتَ يوماً ما لم ترده أن يموت سيخلقُ فيكَ حقداً فنياً يُعادل انبهاراً كنت قد صنعت انعكاسه على المتلقّي.

يتحدّث الكثيرون عن أنّهم يمارسون الفنُون لأن ذلك يشعرهم بالمتعة، لكن ما هي المتعة بمفهوم الإنسان الدّقيق ومن أين تتشكل معالمها عند كلّ شخص ما دامت تختلف المصادر الإنسيّة من حيث التّجربة والجنس؟ هل هي ذلك الأمر الذّي يجعل سعادتك مسترخية أم ذلك الذّي يخلق من نشوة (ما هي النشوة بالنسبة لك؟) هل هي السّبب الذي يدفعك للقيام بذلك العمل أم أنّها النّاتج المُتحصّل عليه من اقتسام الكائن الكوجيتو بين الكائن الديونيزيسي والكائن الأبلوني؟

أنا أتألّم إذن أنا موجود، هذا ما تختصره الكثير من الموجودات الفنيّة، وإن كان الكائن الكوجيتو هو ذلك الجسد الذّي عرف كينُونته من خلال ديمومة النّور في باطنه، فإنّ النور لا يتمثّل فقط في معرفة الطُّرق الدّاخلية التّي تنتهي إلى تجلّ فنيّ مثلا، بل ربّما يتمثّل في الظّلمة الحالكة التّي تتطلب منكَ المزيد من وقت التّركيز في السّواد لا البحث عن بُقع الضّوء، وهذا بالضّرورة سيمكِّنك من خلق انعكاس نوري في حياة الآخرين عبر ممارستك للسواد بالطّريقة الفنيّة، المنهمك يبحث في الظّلام بينما المُتلقّي يستمتع بالمصابيح الفنيّة التّي تصنعها العتمة.


يرتبط السّواد رمزياً بالحقد. والحقد ذاته يعبّر عن أعمق ما يقدّمه الإنسان وهو في كامل قواه المُتألمة. وقد شرح نتشيه هذا الأمر في فلسفته عن الفنّ، والحرمان لا يعني بالضّرورة وجود الأفضل منك بمقدار ما يملك مما ينقصكَ، فربما يبعث قوانينه الفردية من جديد حسب توجّه الإرادة والقوة التّي تدعمها للأمام. ولهذا سيكون خطاً أفقياً لمن هم الأسوأ بما لا تملك أنتَ إذ تتحوّل إلى مرآة الآخرين إذا ما قدّمت ما يوفّر مرونة المشهد بحواس مكامن التّشوهات النّاجمة عن ما لك وما لهم، ففي العتمة وحدها يتعمق الحقد لكن كيف سيطفُو؟ هُنالك من يذهب للقتل وآخرون للكلام المُبالغ فيه، هنالك من يذهب لحرق قميص وآخرون يراقبُون بعين نسر؛ نصف ليهجموا على الفريسة والنصف الآخر ليكونوا الفريسة فيتجلّى لنا الفنّان الذّي ترك نفسه للحقد لا لينتقم من الآخرين الذّين لا دخل لهم في مأساة الحياة، بل ليجادل ذاته ففي العتمة حين يتعّمق الحقد هنالك من يذهب للرسم.

يقول بيكاسو: الرّسم طريقة أخرى لكتابة المُذّكرات، لكن هل الرّسم عبارة عن مبادئ أم أنّه تجاوز لها؟

سنة 1901 و1903 أقيم معرضان الأوّل لفان جوخ حيث انتمت تلك الفترة للمدرسة الانطباعيّة والثاني لبول غوغان رائد الفنّ الرّمزي على التّوالي، الأمر الذّي شكّل إثارة نوعيّة عند الشباب الذّين تأثّروا بجرأة الألوان على التقليدي (التظليل لإبراز كتلة الأجسام هذا الاهتمام لا نجده مثلا في الفن الفارسيّ أو الهندي وغيرهم) للدّرجة التّي جعلتهم يقيمون معرضاً في السّنة الموالية (صالون الخريف بباريس) بنفس الجرأة. حتّى أطلق ناقد على القاعة "قفص الوحوش". ومن هنا بدأت الوحشيّة في فرنسا بالمُقابل في ألمانيا بدأت حركة التّعبيريّة وكذلك تأثراً بغوغان وفان جوخ، لغة الانفعالات الباطنيّة. وإن كان سيكون لنا الحظّ، فإنّه ذلك الذّي جعل من باطن أسود بالمعاناة التّجلي في اسم فنان تشكيلي رائد "امحمد اسياخم"، الذّي أرى فيه تقاسماً مأساوياً بفان جوخ وكذلك تقاطعاً فنياً رهيبًا؛ فحين لا تقتلك قنبلة تأكّد أنّه ثمّة عازلٌ في داخلك أكبر من شظاياها، وأنّ الابتعاد عن الموت لا يعني دائماً الابتعاد عن الخطر؛ ففي فلسفة الفنّ وعلم الجمال يختصر نيتشه ارتكاز الفنّ على مبدأين هما الإرادة والقوّة، لكن ماذا نفهم حين يقول رسّامٌ مرهف: الرسّم أكبر صدمة في حياتي؟ أين تكمن قوة الإرادة هنا هل في قوّة القوّة أم قوّة الضّعف؟

انتزع الرسّام الجزائري امحمد اسياخم من الأموُمة باكراً حين نُقل مع والده من منطقة القبائل الكبرى إلى مدينة أخرى"غليزان" بعمر الثلاث سنوات. هو الآن "بلا أمّ". كانت تلك أولى صدماته الوجوديّة التّي داست على أطراف مفهُوم الأسرة لكن دون أن تقتل فيه استعادة ذلك الحقّ في الشّعور، حيث شكلّت المسافة الكيلومتريّة حلاً وجودياً ممتداً من مصدر الإشكال ذاته إذا ما استطاع يوماً قطعها وهذا أمر لا يحتاجُ سوى للوقت (أن يكبر) وبعض المال، لكنّ هذا الكائن الكوجيتو، الذّي تكوّن على هيئة الرسام امحمد اسياخم مستقبلاً بدأ في النّمو حينما تحوّلت الحلوُل المؤقتة في وعيه العميق إلى محاكمة حياتيّة وجد نفسه ملزماً بالدّفاع عن ذاته كمُتهم لا التَّعاطف معه كضحيّة.

ففي سنة 1943 قام الطّفل امحمد اسياخم بسرقة قنبلة من المخيمّ العسكري الأميركي (الإنزال الإنكليزي الأميركي في الجزائر) وخبأها في منزله، فانفجرت إثر لعبه بها وقتلت شقيقتاه وأحد أقاربه وبترت ذراعه اليسرى، ينتقلُ هنا الطفل من رمزيّة اللعبة كتناسق فطريّ "يلعب الطفل باللّعبة" إلى رمزيتها كلُعبة قتل "جريمة"، "ما هي اللّعبة المستخدمة في اللّعب؟ قنبلة"، فمعرفة نوع اللعبة هل يعني بالضرورة معرفة حقيقيّة لإطار ترتباتها؟ وعلينا أن نتساءل عن المُذنب الحقيقي هل الطّفل أم اللّعب، أو اللّعبة، أو من جلب تلك الألعاب؟ وهل البراءة قد تكون في موقفٍ ما تعادل الإجرام؟

لقد رسم امحمد اسياخم الكثير من النّساء بملامح مُنزعجة تحرُسها الآلام وتغطّيها الحسرة والأوشام. نساء تشعر أمامهنّ أنّهن يردن البُكاء لكنهن لا يفعلن ذلك، لداعٍ فنّي تورّط في رفض الضُّعف وممارسة القوّة والقسوة عبر أكثر الفُنون حساسيّة ورهافة. لكن ما كان يُخفيه الرسّام خلف تلك القسوة ليس إلاّ علامة إنكار لها تارة، وتارة أخرى اعترافاً بها. كان ينطلقُ من أمّه وصولاً إلى الجزائر. لهذا لم يصنع ألغازا للحُصول على العديد من الحُلول، لأنّه يعلم أنّ هذه الحُلول ستكون بدورها قد تحوّلت إلى ألغاز وأوقات صعبة، إذ لا يبدأ أعماله لينهِيها بل يُنهي العمل ليبدأ في الصّراع معه، للدّرجة التّي تشعر وأنت تقفُ أمامها بعدم الارتياح، أصوات تواجهك وعِراك كبير مع تلك الملامح القلقة والغاضبة بالرّغم من أنّها غير واضحة الملامح، فتظهر الأمهات "الأم الوالدة".


"الأم الوطن" (الجزائر) الثانية عانى معها تهميشاً. وعانت هي بدورها قهراً أمّا الأولى فتمثَّلت في الرّفض الوجوديّ المُطلق حين عاد من المستشفى بذراع مقطوعة". أنا لم ألدكَ هكذا، أخرج من البيت. "فكانت تلك بداية رحلة لمحكمة إنسانيّة شكّلت فيها صفّارة القطار المُتجه نحو العاصمة حالة إنذار واستبدالاً لبداية تجربة أمومة جديدة لعب فيها القِطار دور الأم والقاطرة الرّحم وعدم حمله لأية أوراق هويته الحالة البيدائية للجنين حيث ستضعُه السّكك في مدينة أخرى (حياة جديدة) انتهت كحالة فرديّة في ديسمبر/ كانون الأول 1985 إثر وفاة الرّسام بعد صراع مع مرض السّرطان لكنها ما زالت إلى اليوم مرفُوعة داخل أعماله وشخُوصه كانشغال فنّي أرّخ لتلك الحقبة الزّمنيّة، فما الذّي يعنيه حين يقُول إنّ الرّسم لا يعني لي شيئاً؟

الرّسم ليس فقط عمليّة نقل للعالم الخارجيّ إلى ورقة بل هو عمليّة إفراغ العالم الدّاخلي أكثر، تدوير الموجودَات الانفعاليّة الدّاخلية إلى رمُوز تحمل دلالات تعاقب المأساة أو الأزمة في تلك الفترة، لقد كان اختباراً لاكتشاف ما ينقُص من حول اسياخم، فثمّة بناء لم يكتمل في الصّورة الواقعيّة يلزمه ابتكارٌ خارج المألوف، وصناعة عالم موازي لتمكين تلك النَّقائص من أن تطفُو على سطح الفنّ كأنّما تتحدّى صاحبها الذّي يخشها أو يخشاه الآخرين. الأعمال التّي لا تُبكي صاحبها هي الوحيدة القادرة على تجريده من كلِّ حساسيّة العمل الموالي.

مع امحمد كان البُكاء متواصلٌ دون انقطاع وكان الرّجل في شخصيته يرفُض رمزيّة "المنديل" التّي تعني أنّ أحدهم يُحاول مسح عنكَ حزنك، وبالتالي هي عمليّة تفريغكَ عن طريق المواساة. هو ينتمي إلى نقائصِه كفنون ويبحثُ عما فقده لا ما يملكُه لا ليستعيده، بل ليحقّق به براءة الذّات من قدريّة الأحداث وحتميّة المُذنب. ولا يبحث عن ما خسره مرغماً بل ما لا يزال محتفظا به ممّا خسر؛ فاسياخم كان يرى أنّ الأمر يكمن في صِياغة عمليّة البتر بطريقة حميميّة للدّرجة التّي يتصور فيها المتلقي أنّ الفنان يمسح عاهته بالفرشاة في كل مرّة يلقي بها على واجهة البياض الممسُوس بالأجوبة البيدائية. كل نقطة وضربة ريشة كانت تصوراً عن حقد دفين يؤرّخُ لإنسان مُتصالح مع الخسارة أكثر من تصالحه مع المكاسب المزّيفة.


ولأنّ الفنّ التّشكيليّ هو نوع من السّير الذاتيّة، فإنّك تنظرُ إلى اللّوحة كأنّما تنظر إلى تأريخ مباشر لسيرورة أحداث وحياة الشّخص ضمن حلقات المُجتمع المتباينة التي في الأخير تشكّل مرحلة ما من مراحل وجُود الوجود. فالحياة الصعبة لا تكمن في أن يُولد الواحد منّا فقيراً فحسب كما تُحاول الأساطير ترويجها. فالأغنياء كذلك يخوضُون صعابهم، لكن في عين الرسّام الجزائري امحمد اسياخم كانت صُعوبة الحياة في مواجهة ذلك السّعي لإهماله.
وفي لوحة ماسح الأحذية كان يؤرّخ لجيل من النفاق الثقافي الذي يحني رأسه للسياسة. وظلّ ذلك العمل إشارة تنبيه وجوديّة في حياته وعلامة عصيان في وجه الآخر. لقد نجا بأعجوبة من القنبلة، لكن لم يكُ ذلك كافياً لينجو من قنبلة مجتمع بدأ بوضع خطوطاً ثابتة لميوله؟ فجاء عالمه كمُحاكمة فنيّة يُحاول فيها أن يُدلي باعترافٍ تجاه الحياة تارةً وتارة أخرى يُحاكمها، وبين قاض ومحامٍ ومتّهم دارت آلامه البعيدة والقريبة، التي لم ترتبط بموت أشخاص فحسب بل بما سيبرع فيه بما فقده من عضو"الرسم"، فإن كان ثمّة ثقة في الخيال فإنّها تتقاطر من خلف هذا الباب الذّي يفتحه متألّم ليطل من خلاله العالم.
فإن كان امحمد اسياخم يُحكم إغلاقه، فذلك لا ليمنع التّمعن في مشاقّه، بل لأنّه لم يأتِ الفنّ حتى يُتعّرف عليه، ولا عن خلفيّة أسرة فنانة ورث شهرتها. إنّه يعترض بشدّة على هذا الأمر لأنّ الرسم عيبٌ في تقليد أسرته، وكان هو في حالة دفاع دائمة ينقل من خلالها مبرّراته ووثائقه ليُسقط عنه تلك التّهم التّي حوّلته إلى رسّام برتبة محامي، وجعلتهُ الجلاّد بينما هو الضحيّة؛ فبين "قتل شقيقتيه وابن عمه" والضّحية "بتر ذراعه"، تشكّل لمذنب بريء وبريء مذنب. حاول توضيحه دائما الرّسام بين ذاته المجلودة والجلاد الحقيقي "الاستعمار"؛
فكلنا أرامل حرب مهما كانت صفتنا وقد أبدع الرسام في تحويل هذا الشّعور الوجودي إلى لوحة "الأرامل". لقد كان في كل عمل يدافع عن نفسه فيه إنّما يحاول فهم هذه المحاكمة الفنيّة الموجعة. كان يطرح ألمه في كل اللوحات حتى ينعتق من تلك الذات المُدانة التي ظلت دائماً تلاحقه، ألمه كان خارج الذاتية رغم أنّه سيرة لها، كان يستطيع أن ينسبه لآلام شخصياته الكثيرة، حيث يشترك الكل في المأساة. لكن ما تنتجه المأساة من فرديّة الألم تجعل من العمل يُجيب عن أسئلة مختلفة ويقرأ من بطولات متباينة.

فمن منكم لا يذكرُ بطل ذاكرة الجسد "خالد بن طوبال" الذّي يشترك مع الفنان أمحمد أسياخم في الألم والأصدقاء "زياد الفلسطيني"؟!