عبور نهر الغوسبل

25 يونيو 2016
الصورة
(أريثا فرانكلين، 1969، تصوير: فريد إيه. سابين)
+ الخط -

يُحكى أن عجوزاً سوداء، في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت تلحّن الأغاني الدينية على هواها، فتعيد تقطيع السطور وتتلاعب فيها، وتغنّيها للمؤمنين في كنيسة تُدعى "روز هيل" في منطقة جنوب أميركية كان اسمها "غارفيل سبرينغ".

وبعد أن كانت أماندا غوردون تنتهي من "الأغاني المقدّسة" التي ألّفها الإنجليزي إسحق واتس (1674 - 1748) وتناقلتها الكنائس من بريطانيا إلى أميركا، كانت تعود إلى منزلها وتجلس مع حفيدتها على شرفة البيت الخشبي، وتستخدم نمط الغناء نفسه، مردّدة اللازمة الدينية، بينما هي تزيد على المقاطع أسطراً وتبتكر أغنية جديدة تسخر فيها من واعظ الكنيسة يوم الأحد، والذي تزعم أنه زارها في المنزل والتهم كل ما أعدّته من دجاج مقلي لأطفالها، بل وفعل ما هو أكثر:

"أبانا الذي في السموات: أبانا الذي في الكنيسة أخذ مني عشرة دولارات وأعاد لي سبعة فقط، لتتقدّس مملكتك، لكن لو لم أقبل بالسبعة لما حصّلت منه شيئاً. يقول الناس لا يمكن للأب أن يسرق، لكني أمسكت بسبعة منهم ينهبون حقول البطّيخ وكروم العنب، ولتتقدّس مملكتك".

أو حين تقول "انتقلت إلى ممفيس وعلى الشرفة كنت أجلس، حين مرّ الواعظ دعوته إلى الداخل، غسلت وجهه ومشطت شعره، ذهبت أُحضر له القهوة، وحين عدت كان عارياً في سريري، أمسكته من رأسه وسحبته من بيتي ورميته في الخارج. أبانا الذي في السموات أرجوك لا تجعل أبانا الذي في الكنيسة يمرّ من أمام بيتي مرّة أخرى".

كل هذه الأسطر المقفّاة طبعاً بالإنجليزية، تُدخل عليها العجوز المقاطع المألوفة للكورس الديني، مثل "You shall be free" أو Oh when the good Lord set you free، لتجعل منها أغنية شبيهة بالأغاني الإنجيلية أو أغاني "القيثارة المقدّسة"، وتتفنن كل مرّة في تقديمها بشكل مختلف. هذا ما سترويه عنها حفيدتها العجوز لاحقاً، وهي جالسة في الشرفة ذاتها.

وفي الحقيقة إن أغاني وموسيقى "القيثارة المقدّسة" التي وضعها ويليام بيلينغز (1746 - 1800) كانت أول إصدار موسيقي في تاريخ الموسيقى الأميركية في العصر الكولونيالي، ولما كان بيلينغز من أنصار "تحرير العبيد"، فقد شاعت أغنياته في الكنائس السوداء والبيضاء على السواء، وما زالت أناشيده "حين بكى يسوع" و"رثاء داود" من أغاني الكورال الكنسية التي تنشد إلى الآن، كما أن بيلينغز كان كاتب النشيد الوطني للثورة الأميركية.

وإن كان الإنشاد الديني الذي غنّاه البيض والسود، يستخدم التعابير نفسها، إلا أن ذلك لا يعني أن القصد من وراء الكلمات كان نفسه، فـ "اجتياز نهر الأردن"، بالنسبة للبيض هو معجزة دينية تُستعاد للتعبير عن الانتقال الروحي والإيمان، في حين أنها كانت بالنسبة إلى السود تعبيراً عن استعدادهم لاجتياز العبودية والعبور إلى الضفة الأخرى، حيث تعيش الحرية.

وكذلك كانت أغان أخرى مثل "اذهب خلسة إلى يسوع"، أو "اهبط يا موسى" (غناها لويس أرمسترونغ لاحقاً)، فقد كان لصدى كلمات مثل "بالرعد ناداني، شعرت البوق من روحي، قال لي لا تخف لن يطول بقاؤك هكذا، لن يطول مكوثك ها هنا"، أو "اهبط يا موسى، إلى أرض مصر اهبط وقل لفرعون: أطلق سراح شعبي، شعبي أطلقه، لقد خارت قواه، اترك شعبي يغادر".

ليس موسى هو موسى نفسه هنا، ولا فرعون هو فرعون، وهذه الدعوة بالنسبة إلى المؤمن الأسود المستعبّد، كانت دعوة إلى حرية أرضية بحتة تم تجسيدها من خلال إنشاد يخاطب اللاأرضي، فإذا كان اللاأرضي يريد من الأرضي أن يكون عبداً له، فلا يمكن له أن يضرب عبوديته في اثنين، لذلك كانت الأغاني الدينية دعوة للتحرّر الآن وهنا، في الدنيا، فلا يُعقل أن يطلب الرب من المؤمن الأسود عبور محنة النهر مرّتين.

رغم ذلك الفرق، لم يكن الغناء الديني الأسود، يخصّ السود وحدهم، بل اشتهرت عدة فرق دينية سوداء حتى في أوروبا، ومنها "منشدو فيسك جوبيلي"، والتي ستكون واحدة من أهم الفرق التي سافرت بين أميركا وأوروبا لتقدّم أغانيَ دينية شهدت رواجاً كبيراً. وقد أحيت الفرقة حفلات أمام فكتوريا، ملكة بريطانيا، سنة 1873. ورغم نجاحها الغنائي الكبير وقدرتها على جمع تبرّعات لتعليم السود في ذلك الوقت، فشل الجيل الأول من الفرقة في الاستمرار.

في مذكّراتها تقول إيلا شيبرد، إحدى أعضائها: "كانت طاقتنا تخور أمام سوء المعاملة التي نلقاها في الفنادق، وفي القطارات وعلى السكك الحديدية، والسخافات، وكانت هناك أوقات كثيرة لم نجد مكاناً ننام فيه، أو شيئاً نأكله. قد يذهب السيد الأبيض ويحضر لنا بضعة ساندويشات ويحاول أن يعثر لنا على بقعة نرمي بأجسادنا المنهكة فيها، أحياناً كنا نهبط من القطار ويأتي رجل أبيض يأخذ واحداً منّا ليجول في الثلج أو تحت المطر بحثاً عن مأوى لليلة واحدة".

أما الغوسبل كما نعرفه اليوم، فسيكون الغناء الديني الحديث والمعاصر، بعد "القيثارة المقدّسة" و"الأناشيد الروحية"، وكلمة غوسبل تحمل معنى البِشارة والتي تمثّلت بظهور المسيح أو قيامته أو ظهور كلمة الرب، وبعد أن بدأت هذه "البشائر" تستخدم الضربات الإيقاعية القوية، وأُدخِلت إليها آلات جديدة كالغيتار والترومبيت، لم يعد يقتصر أداؤها على الكنائس بل خرجت إلى المسارح والمهرجانات والاحتفالات، وأصبح لهذا الشكل الموسيقي نجومه من مثل سام كوك وآل غرين وحتى جيمس براون وراي تشارلز الذي عبر نهر الغوسبل قبل الوصول إلى الجاز، وكذلك الأسطورة أريثا فرانكلين، والتي قالت مرّة "كل ما فعلته حين انتقلت من غناء الغوسبل إلى السول أنني استبدلت كلمة ربي بـ حبيبي، لكن غنائي ظلّ نفسه".

لم تكن كلّ النساء محظوظات كأريثا فرانكلين وقد غنّت في كنيسة يرعاها والدها. ظلّ الغناء في كنيسة، لفترة طويلة، صعب الاختراق من النساء، لذلك لجأت مغنيات بارعات، مثل فاني بيل شابمان، إلى إنشاء فرق جوّالة تعالج المرضى وتبرئ المذنبين بالإنشاد وتغمغم بكلمات لا يفهمها أحد، وكأنها ساحرة منبوذة في كتاب قديم، فلطالما قابل طرد النساء من الفضاء العام، عناد نسوي سيقتحم الفضاء ذاته بأي وسيلة كانت.