عبد الناصر والثنائيات القاتلة .. رداً على نمر سلطاني

23 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
حاول الكاتب نمر سلطاني، في مقاله "شمّاعة عبد الناصر ودروس الربيع العربي"، في "العربي الجديد" (8/9/2019)، الدفاع عن الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، ونظامه، بربطه بشكل أو بآخر بالربيع العربي. يدعو سلطاني القارئ إلى تقييم تجربة حكم عبد الناصر وفق "السياق الأيديولوجي العام" و"النزعة الثورية في الخمسينيات والستينيات"، لا وفق "السياق الأيديولوجي الليبرالي المحافظ". وفي ردّنا هذا، نزعم أنه ليس وحده المنظور الليبرالي المحافظ الذي يمكن استخدامه لنقد تجربة عبد الناصر. نحاكم الزعيم الراحل ليس فقط وفق برنامجه، بل من وجهة نظر تحرّرية تقدمية تُعنى بالعدالة الاجتماعية والحرية الاجتماعية والتحرّر السياسي. ونزعم أن أي تقييم عادل ونزيه لتجربة حكمه سيؤدي إلى استنتاج أن التجربة كانت كارثية، وفق مقاييس كثيرة، وما زلنا في العالم العربي نعاني من تبعات كارثيتها. نزعم أيضاً أن الربيع العربي خرج ضد "دولة يوليو" (اعتبرها سلطاني مفهوماً مختلفاً عليه حين قال "ما يسمّى نظام دولة يوليو")، وضد عسف استخدام السلطة في كل البلدان العربية، وبالذات ضد ربيب عبد الناصر ونسخة العسكر الأكثر قبحاً، معمر القذافي في ليبيا.

الوصم الليبرالي و"ثورة" عبد الناصر

يحلو لمثقفين يساريين كثيرين وصم أي مفهوم أو حراك لا يتوافق مع النزعات اليسارية بكونه ليبرالياً لشيطنته، في مقاربةٍ لما يقوم به بعض الإسلاميين عند وصف خصومهم أو أفكارهم بالعلمانية مثلاً. إلا أننا لا نرى أن الليبرالية بذاتها جريمةً نكراء، لا يجوز أن نعتمدها "مسطرةً للقياس" كما جاء في مقال الكاتب. حقوق الإنسان والحريات الشخصية والعامة مسلّمة مقبولة في كل مكان، في شرق آسيا وجنوبها، وأميركا اللاتينية (وإن تعثرت في منطقتنا لارتباطها بالغرب)، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، واعتبار الليبرالية دين العالم الجديد بحسب الكاتب (أشهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948).
في السياق المصري الناصري، لا يمكن لأيٍّ كان التغاضي عن إعدام نشطاء نقابيين مصريين 
(العاملان محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري مثالاً)، والإخوان المسلمين، وسحق أي حراك سياسي أو اجتماعي، وحصر العمل العام في الكيان المسخ الذي أنشأه عبد الناصر (الاتحاد الاشتراكي)، والذي لم يعمّر طويلاً بعد وفاته. كما لا يمكن التغاضي عن سجن آلاف المصريين وإخفائهم، لا لسبب سوى الترهيب من العمل العام، وحصر المواطن في هم القوت اليومي، وتركه للقائد الملهم التحكّم بكل شيء يعني حياته، ما دام القائد الملهم "يواجه الاستعمار". سحق عبد الناصر الحريات الشخصية والتعدّدية المؤسساتية في بلاده، وأتبعها جميعاً لمشروع دولته التي لم يبق إلا أسوأ ما فيها من مؤسسات وممارسات بعد وفاته. لا يمكن لأيٍّ كان أن يتجاهل هذه الحقائق، خوفاً من أن ينعت بالـ"ليبرالي".
ومعروف أن هناك "مساطر" عديدة لتقييم تجربة حكم عبد الناصر، ولم تكن يوماً المسطرة الليبرالية أكثرها استخداماً في المنطقة العربية. لعل أشهر هذه المساطر وأكثرها تداولاً هي الإسلامية، والتي عمل وفقها المثقفون المحسوبون على تيار الإخوان المسلمين والسلفيين (الجهاديين وغير الجهاديين) لمحاسبة عبد الناصر على "طغيانه وضلاله". وهناك مسطرة ماركسية كلاسيكية، تعيب على عبد الناصر، مثلاً، استخدامه الفظّ الثيمات القومية، لتمويه حقيقة الصراع الطبقي والإمبريالية العالمية. وهناك مسطرة بعثية نقدت عبد الناصر يوماً ما لتفرّده بالقضية القومية. ومسطرة ملكية تعيب على عبد الناصر تحريضه على "التقاليد". ثم هناك مسطرة ليبرالية تقليدية تنتقد غياب الديمقراطية الإجرائية من نظام عبد الناصر، وأخرى تحرّرية تقدّمية تعيب عليه كل الانتهاكات المذكورة أعلاه. والعبرة هنا أنه لا مكان لثنائية ليبرالية - تقدمية في تقييم عبد الناصر، يقع فيها على طرفٍ واحد من طيفها لـ"ينجح" في التقييم. نرى أن وضع تجربة عبد الناصر رهينة لمثل هذه الثنائية محاولة من الكاتب للتغاضي عما ارتكبه عبد الناصر بحق جميع معارضيه، إسلاميين أم يساريين أم ليبراليين أم غيرهم.
وحاول الكاتب نمر سلطاني، كما يحلو لعديدين من ذوي الميول اليسارية، وصف انقلاب عبد الناصر العسكري بـ"الثورة"، ولاحقاً الفصل بين جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، بالاعتماد على مبدأ "لا خطية التاريخ". إلا أنه للدقة والأمانة العلمية لا يمكن وصف حركة الضباط الأحرار في عام 1952 بالثورة، وإنما بانقلاب تقليدي قادته خونتا (مجلس عسكري) عسكرية. ولاحقاً، لم يأتِ أنور السادات بانقلاب عسكري مدعوم خليجياً، بل كان عضواً في مجلس قيادة "ما يسمّى نظام ثورة يوليو"، ونائب عبد الناصر بعد صراع قادة المجلس العسكري إثر هزيمة عام 1967 واغتيال (أو انتحار) المشير عبد الحكيم عامر. في خيار السادات، اختارت هذه الخونتا نفسها في مراكز القوى المتصارعة منذ عام 1965 الرجل الوسطي غير المحسوب على تيار رئيسي فيها نائباً لعبد الناصر. ولاحقاً جاء حسني مبارك إلى الحكم بطريقة مشابهة. ولا توحي هذه التطورات بخطية التاريخ، إنما بأهمية التأسيس للحكم العسكري الذي أرساه جمال عبد الناصر، والذي ما زالت مصر، على الرغم من ثورة يناير في عام 2011، تعاني منه.
نقد عبد الناصر وفق أجندته
يدعو الكاتب نمر سلطاني في مقاله إلى اتخاذ معيار لنقد الرئيس جمال عبد الناصر يقتضي 
بمحاسبته على أجندته، لا أجندة غيره. إذ، حسب الكاتب، لم يدّع عبد الناصر يوماً أنه جاء لتحقيق الليبرالية. وعليه، وبحسب هذا المنطق، فإن البرنامج الذي يجب به محاسبة عبد الناصر بعد أكثر من 17 عاماً في الحكم هو مجابهة الملكية والاستعمار، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والعدالة الاجتماعية.
حسناً، فإذا أردنا أن نضع جانباً حقوق الإنسان وأقبية التعذيب الناصرية، ونستخدم هذا المعيار في النقد، فإن عبد الناصر أخفق في البند الأول من هذه الأجندة بكل السبل الممكنة للإخفاق. حين وصل وزملاؤه إلى السلطة كانت مصر تحكم السودان (بالاشتراك مع البريطانيين) وغزة، وحين غادرها ترك مصر من دون سيناء! بمعيار أرضي صرف، خسر عبد الناصر من أرض مصر لمصلحة الاستعمار خسارة فادحة. بمعيار الخسائر البشرية، جاءت هزيمته المذلة في العدوان الثلاثي تأسيساً لثيمة الهزيمة التي يعتبرها أنصار القائد (أي قائد) نصراً لينقضوا على خصوم الداخل، وحرب اليمن التي فقد فيها ثلث الجيش المصري، وأدت إلى هزيمة حرب الأيام الستة في 1967. لم يكن لتلك الهزائم أي تأثيرٍ يُذكر على الملكيات العربية الرجعية.
ومن المضحك اعتبار نظامٍ، كنظام عبد الناصر، يؤمن بالشعوب، بدءاً كي يكون مع حقها في تقرير مصيرها. هل آمن عبد الناصر بحق الشعب المصري في تمثيل نفسه بدءاً كي يؤمن بحق بقية الشعوب؟ وهو الذي احتكر الكلام باسم الفلسطينيين حتى عام 1965، وسعى جاهداً إلى منع أي عمل فدائي ضد إسرائيل، لأنه كان يؤمن "أن الجيوش العربية هي التي ستحرّر فلسطين".
هنا تجب الإشارة إلى أنه يحلو لكثيرين من أنصار عبد الناصر التأكيد على مسألة نظافة يده، في ترسيخٍ لمفهوم "المستبد العادل" الذي يشتركون مع الإسلاميين فيه. لا يجب إغفال النشأة الإخوانية عند عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات، وغيرهم من قيادات "الخونتا" وصغار ضباط الجيش المصري في ذلك الوقت، إذ بايع الثلاثة مرشد جماعة الإخوان المسلمين على المسدس والمصحف، قبل تكوينهم تنظيم الضباط الأحرار. إلا أنه وخلافاً لهذه الصورة السائدة، لم يكن المستبد عادلاً ولا زاهداً. وتكشُف خيوط قصة زوج ابنته أشرف مروان في السنوات الأخيرة ما يجعل من حق الشعوب التشكيك في هذه السردية عن زهد عبد الناصر ونظافة يده. فيما لا حاجة لبراهين كثيرة عن إثراء "الخونتا" التي حلت مكان مجالس الأعيان والباشوات القديمة، واستبدلت مستغلاً لمصر بمستغل آخر، هما الجيش والبيروقراطية الجديدتان. وإنْ وزّعت "دولة يوليو"، في بادئ الأمر، بعض المكاسب الاجتماعية على القطاعات التي كانت تستدعي جذبها إلى صفّها، فإنها ما لبثت أن نكصت على جميع ما سبق، ومنذ أواخر عهد عبد الناصر حتى، وقبل مجيء أنور السادات رئيساً. ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية من دون الديموقراطية الإجرائية التي ليست من معايير نقد عبد الناصر. إذ من الذي يجب أن يحدّد أولويات الناس في صرف مواردهم بعدالةٍ من دون العملية الإجرائية؟ المستبد العادل؟
إرث عبد الناصر: الثنائيات القاتلة
لعل أسوأ ما أسّسه عبد الناصر، وما زلنا نعاني منه، هو القاموس السياسي القائم على الثنائيات القاتلة، بحجة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" و"ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، 
المعركة والقوة اللتان لم يذقهما العدو يوماً، ولطالما وجّهتا إلى الداخل، إلى المجتمعات المستباحة. وفي نهاية المقال، استخدم الكاتب أسوأ أنواع المقاربات للدفاع عن عبد الناصر (عبد الناصر أو قوى الثورات المضادة)، وهي مقاربةٌ يشترك بها جورج بوش الابن (معنا أو ضدنا) وبشار الأسد (أنا أو "داعش") وأبو بكر البغدادي (الإسلام أو الكفر) في آن. وهنا نتساءل: ألا تستحق هذه الشعوب (شعوبنا) بديلاً عن العسكري أو شيخ القبيلة الرجعي؟ ألا تستحق قادة ورموزاً من غير الطغاة؟ أو أنها "غير مهيأة" بعد للديموقراطية، الحجة التي يحلو للرجعيين في الجمهوريات والملكيات ترديدها؟ هل هي اليوم، أو في أي يوم مضى، بحاجة إلى وصي (خارجي أم داخلي، ما الفرق؟) على قرارها السياسي؟ نزعم أن شعوبنا تستحق الديمقراطية، وهي أهلٌ لها بلا وصاية، كسائر شعوب الأرض. أثبتت هذه الشعوب، خلال الربيع العربي، استعدادها للديموقراطية، وأثبتت نضجاً سياسياً يفوق خطاب نخبها، النخب التي عندما فوجئت بالانتفاضات والثورات لجأت إلى أصنامها من العسكر أو الملوك والأئمة المفقودين. ولطالما توجه إلينا رعاة النظام الإقليمي العربي بمنطق الثنائيات، لإقناعنا بالسيئ في مواجهة الأسوأ.
على الرغم من فشل الموجة الأولى من الربيع العربي في تغيير أنظمة الحكم في المنطقة، إلا أن ما نجحت في تحقيقه هو كسر الأصنام والمحرّمات، والصورة الأبوية للقائد الملهم الذي "قد يكون ارتكب بعض الأخطاء لكن مشروعه يبرّرها". ويشكل "ترند" السخرية التي طاولت عبد الناصر أخيراً تجلياً لسقوط المفاهيم الأبوية التي تمثلها "دولة يوليو"، وتزايد الحس النقدي لدى جيل الربيع العربي الذي يعبّر عنه بشتى الطرق، فالمدافعون عن عبد الناصر لا يدافعون في الواقع عن "أفكاره" بقدر ما يدافعون عن هيبة الزعيم التي يربطونها تلقائياً بهيبة الدول، ما يجعل السخرية منه "سخرية من الوطن". هنا نتساءل عن كمية العنف الذي يجب أن ترتكبه الدول بحق أبنائها قبل أن يتخلّى المثقفون العرب عن منطق الدولة التي تحتكر العنف، وإسقاط شرعيتها الأخلاقية، سواء حَكَم هذه الدولة "مستبدٌّ عادل" أم ديكتاتور أخرق، أو حتى رئيسٌ منتخب.
ختاماً، لا يقل ربط عبد الناصر وحقبته بالربيع العربي بأي شكل عن موجة الثورات المضادة التي أنهكت هذا الربيع. خرجت هذه الشعوب ضد الاستبداد بجميع أشكاله في المنطقة، وضد منطق الثنائيات الذي يحكم به المستبدون العرب، بعد أن جرفوا الحياة السياسية في المنطقة منذ استقلال هذه الدول. لا يغير هذه الحقيقة أي كم من الوقوف على أطلال القائد الملهم/ الخالد/ الضرورة.
avata
عمر صوفان وعبد الوهاب الكيالي