عبد الفتاح مورو ومسألة الرئاسة التونسية

10 اغسطس 2019
الصورة
لا يختلف اثنان على الأهمية الاستثنائية لعبد الفتاح مورو في تونس وغيرها، حيث لم تمنعه إسلاميته من الفصل الحاد بين الدعوي والسياسي، وبين الدعوي من جهة والعلوم والثقافة والتربية والتعليم الحديث وضرورة انتهاج الأخيرة كما هي في الغرب والعصر الحديث من جهة أخرى؛ فللرجل باعٌ طويلٌ في نقد الخلط بين الدعوي والسياسي، وفي ذلك ينتقد الحركة الإسلامية التي شارك هو بتأسيسها، ولم يتوقف عن نقدها وهو قيادي فيها. شخصيةٌ كهذه، يصعب نقد رؤيتها وبرنامجها. ولكن، باعتباره سياسياً، فهو وقبل الآخرين يؤكد أن السياسة لا تُمارس من خلال النص المقدّس والفقه، ولا تطرح برامج مقدّسة. السياسة تعبير عن مصالح مجتمعية، وفي هذا اختلاف كبير بين مختلف القوى السياسية، وفي هذا أيضاً، قد يخطئ الحزب السياسي، وقد يصيب، وهذا يسري على حزب حركة النهضة. مورو يقول، بوضوح مدهش، إن الثورة التونسية لم تكن من صنع الإسلاميين، ولا من صنع سواهم، وإنما الفقر هو الأساس في الثورة، وهذا يوضح مصداقيته وفهمه العميق للسياسة ولمشكلات بلده. 
باعتباره سياسياً، ويمثل حزب حركة النهضة، فإن وفاة الرئيس الباجي السبسي شكلت جديداً، إذ كانت رؤية الحركة ألا تتقدّم بمرشحٍ للرئاسة، وأن تَترك هذا المنصب لشخصية توافقية، وهو ما يقوله قطاعٌ من حزب النهضة. ولكن ترشحه هو بالذات أثار عاصفةً من النقاش. وهنا سنتجاهل نقاش التيار الرديء في النقد بأن الإسلاميين لا يوثق فيهم، ويجب أن يقمعوا وألا يعملوا بالسياسة، وأنهم يكذبون حينما يقولون بعدم الترشّح ثم يترشحون، وأن صندوق الانتخابات لديهم يستخدم مرة واحدة ومن ثم يؤخونون ويؤسلمون الدولة. ومع وجود ممارساتٍ فعلت ذلك في بلاد متعدّدة، فإن هناك تيارا آخر يعمل في السياسة، وانطلاقاً من الديمقراطية والدولة المحايدة تجاه الأديان والأحزاب السياسية، وبالتالي وصول رئيس من الحركة الإسلامية لا يعني نهاية الدولة العلمانية وبداية الدولة الإسلامية. مورو ممن يقول إنه لا توجد دولة دينية، فلو كانت كذلك لحُكمت من الغيب مباشرةً، والدولة وضعية بامتياز، وفي عصرنا، وإذا تجاهلنا الدولة الشمولية وما في حكمها، فإن الدولة الحديثة تتشكّل من سلطات مستقلة ومؤسساتٍ لها قوانين خاصة، والنظام فيها ديمقراطي ويمثل الشعب.
تصريحات الرجل كثيرة بهذا الخصوص، ويمكن الاستماع لها في "يوتيوب". وبالتالي، وكما
 كثيرون قد يختلفون مع حركاتهم في حال خالفت أسس الديمقراطية، لن يخرج عبد الفتاح مورو عن هذا السبيل. مع ذلك كله، ومع حقه في الترشح والرئاسة، فإن حجم التعقيدات التي تقف أمام تونس داخلياً وخارجياً، وكونه إسلاميا ومؤسسا وقياديا في حركة إسلامية كبيرة، وليس أولها رفض قطاع شعبي واسع لرئيس ينتمي لحركةٍ إسلامية، وخارجياً هناك إشكالية تتعلق بدولٍ عربية وعالمية ترفض توجها كهذا، إذاً ليس سهلاً ما سيواجهه الرجل، وكذلك تونس، في حال انتخابه.
تعنينا مشكلات تونس، ومورو يؤكد أن الحركة الإسلامية وغيرها يجب أن تكون وطنية، وتعي مشكلات واقعها وخصوصياته أولاً، وبالتالي أي فائدة حقيقية ستكون من ترشّحه وانتخابه؟ قلت إن هناك صعوبات كبرى، ولو عدنا إلى ما قبل وفاة السبسي، وحالما جرت انتخابات 2014، ومنذ 2011 الرئاسية، فإن تلك الصعوبات هي التي فرضت عدم ترشيح شخصية من حركة النهضة للرئاسة، ودعم المنصف المرزوقي أو آخرين للرئاسة، وهي ذاتها كانت تدفع السبسي وزعيم "النهضة" راشد الغنوشي، إلى اللقاء المستمر، لإيجاد آليات للتوافق العام بين القوى السياسية التونسية ومنع الصدام والخلافات الكبرى.
قضية الرئاسة هذه، وكما تمَّ في أكثر من دولة، ووصل فيها الإسلاميون إليها، تُراكم صعوباتٍ أمامهم وأمام مجتمعهم. ولهذا كان الأفضل أن تظل الحركة بنهجها السابق، أي الابتعاد عن مسألة الرئاسة والترشّح لها، ولا سيما أنها موجودة في البرلمان والحكومة والبلديات وسواها، وهذا حقها الكامل.
الآن، ألا يحق لحزب حركة النهضة أن يترشّح أعضاء منه للرئاسة؟ قطعاً هذا حقه السياسي، كما تفعل بقية القوى السياسية أو الأفراد. وبالتالي، وطالما انتهجت الحركة هذا الطريق، فإنها ستدخل في امتحان جديد، يُعمّق الفصل بين الدعوي والسياسي، ويحسم بقضية المساواة بين الجنسين، ويُمرّر تشكيل محكمةٍ دستورية ما زال يتعطل مراراً وتكراراً، وإن تعطّله يتعلق بالخلاف بين الإسلاميين وغيرهم، حيث لهذا المحكمة الإقرار بدستورية القوانين. السؤال: كيف تتعطل المحكمة الدستورية، ومورو يريد أن يكون رئيساً للبلاد، ألا يعني وصوله تعطيلات أخرى؟ ليست القضية بسيطة أبداً، ولا يجوز لرجل كعبد الفتاح مورو أن يتجاهلها أبداً، ولن يتجاهلها.
مرة أخرى، يحق للحركة الإسلامية الترشّح والوصول إلى الرئاسة، وليس بشخص مورو فقط، بل بأي شخصية أخرى أيضا، ولكن ذلك تقف أمامه ما أشير إليه أعلاه من قضايا داخلية 
وخارجية. غيرها، تقف أمام مورو القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ولم تجد تونس حلاً حقيقياً لها، على الرغم من مرور ثماني سنوات على الثورة. وبالتالي، ألا يرى مورو أن القضية تتطلب توافقاتٍ كبرى، تمنع وصول كل الأفراد المنتمين للحركات السياسية إلى السلطة، وتدفع شخصيات وطنية وتوافقية وقادرة على الإشراف العام على الدولة والسلطات، وتساعد في حل مشكلات تونس، بدلاً من أن تكون مسألة الرئاسة مثار جدلٍ ومشكلاتٍ كبرى لاحقة؟
كما يبدو أن هناك معركة انتخابية كبرى، إذ ترشح وزير الدفاع السابق والمرزوقي وحمادي الجبالي وآخرون، وإذا كانت تونس تتحرّك من 2014 إلى 2019 ضمن توافقات بين الرجلين الأقوى في تونس، السبسي والغنوشي، فكيف ستتحرّك الآن؟ هل يمكن أن يكون مورو، وفي حال نجاحه في الانتخابات، سبسي تونس الجديد؟ وهذا يفتح على الانتهاء من ملفات معقدة قانونية واجتماعية واقتصادية، وتنطلق من المساواة بين الجنسين، وحل مشكلة البطالة وعدم الارتهان للبيوتات المالية. هذه ملفات ناقشها مورو، وهو نائب رئيس البرلمان التونسي، وناقشتها قياداتٌ من الحركة في قيادة الوزارة التونسية، وكانت النتيجة عدم الخروج منها، وبالتالي ألا يشكل ترشح مورو مغامرةً جديدةً وخطيرة للإسلاميين وتونس، ولا سيما أن العين ترصد حالات مصر وتركيا والسودان؟
هناك مشكلات كبرى ستقف أمام أي مرشح "إسلامي" للحكم في تونس وسواها، وعلى الرغم من التجارب "الإسلامية" المُربَكة في أكثر من بلد، فإن اللحظة التاريخية والتصالح مع الإسلاميين يقرُّ بحقهم في ذلك، ولكن على أرضية المواطنة وشرعة حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والفصل الكامل بين الدعوي والسياسي.
ينطلق عبد الفتاح مورو من هذه القضايا، فهل يظل أميناً لها حالما يصبح رئيساً؟
تعليق: