عبد الحليم كبيّش: شظية من مرفأ بيروت في مرسمي

13 اغسطس 2020
الصورة
(تفصيل من لوحة "شظايا بيروت")
+ الخط -

في عمله الفنّي الذي يحمل عنوان "شظايا بيروت"، فضّل الفنّان الجزائري عبد الحليم كبيّش (1972) أنْ تكون اللوحةُ التشكيليّة مجرّدَ عنصرٍ من عناصر عدّةٍ تُشكّل مجتمِعةً عملاً أدائياً: لوحةٌ منجَزة بالألوان الزيتية على قماشة مساحتُها متران على مترٍ ونصف تُصوّر انفجار مرفأ بيروت، ودماءٌ بالأحمر القاني تنزّ مِن حافّتها السفلية عبر الجدار لتصل إلى الأرضية التي توزّعت عليها فراشي الفنّان وأدواتُه بطريقةٍ فوضوية، ثمَّ الفنّانُ نفسهُ وهو ملقىً تحت اللوحةِ حاملاً فرشاته، وقد أصابت شظيّةٌ رأسه وجعلته يغرق في بركة دماء. نرى أيضاً آثار يدٍ مبقّعة بالدم، وصورةً صغيرةً للعلم اللبناني في زاويةٍ من الأرضية.

في حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول كبيّش إنَّه بدأ برسم اللوحة بعد وقتٍ وجيز مِن حدوث الانفجار، ولم يَفرغ منها إلّا بعد قرابة سبع ساعاتٍ من الاشتغال المتواصل عليها. بهذا المعنى، يُمكن قراءةُ العملِ الأدائي من زاويةٍ ثانية لا تنسخ القراءة الأولى، تتمثّل بأنّنا نرى في المشهدِ الفنان وقد خرّ على الأرض منهكاً بعد أن أكمل إنجاز عمله الفنّي.

الصورة
شظايا بيروت 2 - القسم الثقافي
عبد الحليم كبيّش في "شظايا بيروت"

ماذا لو أزلنا بقيّة العناصر مِن العمل الأدائي واكتفينا باللوحة وحدها؟ بمعنى آخر، هل يُمكنُ عرضُ اللوحة التشكيلية في أماكن وأوقاتٍ أُخرى كقطعةٍ مستقلّة عمّا هو خارجها؟ يجيب كبيّش بالقول: "ذلك ممكنٌ بالتأكيد. لكنّني أعتقدُ أنَّ اللوحةَ ستنقلُ إحساساً مختلفاً عن الذي ينقله العملُ الأدائي بجميع عناصره، بما فيها الأداء الجسدي، وربّما لن تُعبّر وحدها عن الخراب الحاصل".

عن فكرة "شظايا بيروت"، يقول الفنّان الجزائري في حديثه إلى "العربي الجديد: "زرتُ بيروت غير مرّة، ولديَّ أصدقاء كثيرون فيها، كذلك فإنَّ ثمّةَ علاقةً عاطفية تجمعني بها منذ طفولتي؛ فكثيرٌ ممّا قرأتُه وشاهدتُه على التلفزيون كان يأتي من هذه المدينة الجميلة. حين وقع الانفجار، وجدتُني أرسم بشكلٍ تلقائي ودون تفكيرٍ مُسبَق. أردتُ أن أقول للبنانيّين: الشظايا وصلت إلى الجزائر، وثمّة شظيّةٌ اخترقت مرسمي".

بعد لحظاتٍ قليلةٍ من نشره على فيسبوك، أثار العملُ الأدائيّ اهتماماً واسعاً على شبكات التواصُل الاجتماعي التي تناقلته بكثرة، وعلى وسائل الإعلام المحليّة والدولية؛ وهو ما يعترف عبد الحليم كبيّش بأنه لم يكُن متوقّعاً بالنسبة إليه: "جرت العادةُ أن يكون ثمّةَ اهتمامٌ بأعمالي الفنّية، لكنَّ "شظايا بيروت" كان له وقعٌ خاص. وبالتأكيد، فقد كان لفداحة الكارثة وهول الصدمة أثرٌ كبير في ذلك".

وجع الإنسان ومآسيه موضوعٌ حاضرٌ في جميع أعمالي

تخرّج كبيّش، الذي وُلد في مدينة جيجل شرقي الجزائر، مِن "المدرسة العليا للفنون التشكيلية" في الجزائر العاصمة عام 1998، وشارك في العديد من المعارض التشكيلية داخل الجزائر وخارجها، كذلك حصل على عدّة جوائز، آخرها ميداليّتان في "المسابقة الدولية لمحترفي الفنّ" بباريس عام 2019؛ ذهبيةٌ في فرع "الاتجاهات الفنّية المختلفة"، وفضّية في فرع "التعبير الفنّي المعاصر". وكانت تلك المرّة الأولى في المسابقة التي يحوز فيها فنّانٌ ميداليتين خلال دورة واحدة.

كثيراً ما يكونُ عملٌ فنّيٌّ بعينه سبباً في الالتفات إلى أعمال أُخرى لفنّانٍ ما. غير أنَّ كبيّش ينظرُ إلى هذه المسألة بشيء من الحساسية؛ إذ يقول: "لا أتمنّى أن يكون عملي الأخير سبباً في الالتفات إلى أعمالي الأُخرى؛ فقد أنجزتُه بعفويةٍ كما ذكرتُ سابقاً. ثمّ إنَّ وجع الإنسان ومآسيه موضوعٌ حاضرٌ في جميع أعمالي، و"شظايا بيروت" ليس استثناءً بينها".

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون