عبد الإله بلقزيز.. في الإسلاميات النقدية

14 فبراير 2019
الصورة
بلقزيز يتحدّث ضمن التقديم
+ الخط -

تتراكم، منذ عقود، المباحث الفكرية التي تستند إلى أدوات العلوم الإنسانية وتجعل من الإسلام فضاءً ثقافياً وإشكالية للدرس والمساءلة، وهي مباحث نشطت سواء في البلاد العربية أو في الغرب، ضمن ما بات يُعرف بحقل الإسلاميات كتسمية جامعة، وإن تعدّدت المناهج داخلها وتفرّعت زوايا النظر وطرق المعالجة. ومع تشعّب هذا الحقل، أصبح من المنطقي أن يتوسّع إلى مجالات فرعية وأن يدخل في مراجعات ذاتية وينفتح على آفاق جديدة.

بأعمال مثل "نهاية الداعية" و"الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر"، يُعدّ المفكّر المغربي عبد الإله بلقزيز أحد أبرز المساهمين في مجال الإسلاميات منذ عقود، وكان آخر إصداراته في نفس الإطار بعنوان "الديني والدنيوي: نقد الوساطة والكهنتة" ("منتدى المعارف"، 2018). كتاب جرى تقديمه ضمن فعاليات "معرض الدار البيضاء للنشر والكتاب"، يوم الأحد الماضي، بحضور مؤلّفه وبتقديم الباحث أحمد الصادقي.

يشير بلقزيز، بداية، إلى أن "هذا العمل جزءٌ أوّل من مشروع سمّيته بالإسلاميات النقدية، وهو في الهندسة المنهجية يتألّف من أربعة أو خمسة أجزاء". يوضّح صاحب كتاب "نقد التراث" أن ما يعنيه بالإسلاميات النقدية هو "ميدان معرفي يفتتح ورشاً ويستأنف جهوداً سابقة مجالها نصوص الثقافة العربية، أي أن موضوعها الثقافة العالمة في الحضارة الإسلامية، وهو ينطلق من ملاحظات نقدية تجاه بعض وجوه القصور في مشروع الإسلاميات المطبّقة لدى محمد أركون، وكذلك في دراسات الغربيين حول الثقافة الإسلامية ممن كان دافعهم علمياً وليس أيديولوجياً".

يضيف بلقزيز قائلاً: "لستُ في معرض التبشير بميدان معرفي جديد. هاجسي إعادة إخضاع التراث الديني لقراءة علمية تتوسّل أدوات درس جديدة لم نألف استخدامها في مجال البحث العلمي، وقوام ذلك اعتبار الظاهرة الإسلامية مركّبة، بوجوه سياسية وأخلاقية واجتماعية وتاريخية يعسُر فصلها، وكل وجه يستدعي منهجاً مناسباً من تحليل الخطاب إلى المنهج التاريخي مروراً بالأنثروبولوجيا الثقافية وغير ذلك من المناهج".

يتفرّع الحديث هنا بالمفكّر المغربي حين يشير إلى أن أحد مطبّات دراسة الظاهرة الإسلامية أنها "كثيراً ما دُرست برؤية تتحزّب لمنهج بعينه"، مضيفاً أن "أخطر شيء أن يتحوّل المنهج إلى عقيدة، فهو ليس أكثر من أداة ولكل مقام منهجُه".

وحول اختياره تخصيص الجزء الأوّل لنقد الوساطة والكهنتة، يقول بلقزيز: "كان من الضروري أن يكون التفكير في علاقة الديني بالدنيوي هو المدخل". يتدرّج المؤلّف هنا في تبيان بعض من محتويات عمله، ويقف بالخصوص عند مسألة "الخلط المتعمّد بين مستويات الخطاب في المدوّنة الإسلامية"، ويعني بمستويات الخطاب: الإلهي والنبوي والبشري، حيث يكثُر -بحسب بلقزيز- في التراث الديني الزعمُ بأن المقول البشري في مرتبة المقول الديني أو الإلهي، ويشرح ذلك بضربِ مثال كتب التفسير، حيث يذكُر المفسّر الآية ثم يُتبعها بالقول أن "الله يعني ..."، وهو ما يجعل القراءة والتأويل في مرتبة النص الأصلي.

يقول بلقزيز: "هكذا أصبحت النصوص الثانوية في مرتبة النصوص المؤسسة، إنها عملية تعال بالنصوص وقدسنتها، وهو ما يلجم الاجتهاد والتفكير ويلغي كل عدّة معرفية نملكها".

يرى صاحب كتاب "النبوة والسياسة" أن الإسلاميات النقدية محاولة لتفعيل هذه العدّة المعرفية الجديدة، مشيراً إلى أنها "تستلهم ما قام به عبد الرحمن ابن خلدون في القرن الرابع عشر ميلادي مع علم التاريخ، حيث قام بتأهيله من خلال إدماج معارف عصره، وهو ما لم نقم به في ميادين أخرى ومنها الدراسات الإسلامية".

دلالات

المساهمون