عباس في بيروت واستهجان فلسطينيي المخيمات

عباس في بيروت واستهجان فلسطينيي المخيمات

28 فبراير 2017
الصورة

عباس وعون في مباحثاتهما في بيروت (23/2/2017/الأناضول)

+ الخط -
تبدو الدولة اللبنانية حائرةً في أمرها، لا تصطفي على مسارٍ، ولا تعرف سلوك غيره. جمعت التسوية الرئاسية الأخيرة قبل أربعة أشهر معظم القوى السياسية حول مخرج ميشال عون رئيسا للجمهورية، إلا أن هذا التفاهم لا يبدو أنه سحب نفسه على تسوياتٍ أخرى. فها هي القوى نفسها تتصارع منذ شهرين حول أي قانون انتخابي جديد، يجب أن تجرى على أساسه الانتخابات البرلمانية في الربيع المقبل. هذا إذا سلمنا جدلا أن الخلاف هو حقيقة حول "عدالة القانون وصحة التمثيل"، وليس بين من يريد السيطرة على القرار عبر الأكثرية الجديدة التي ستواكب التطورات التي ستنجم عن الكباش المستجد إقليميا بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يستمر عون في محاولة إيهام اللبنانيين بأنه يخوض معركة الإصلاح ومحاربة الفساد، علما أنه لم يتم حتى الآن وضع أي حل على السكّة، لا بل إن المشكلات الأكثر حيويةً ازدادت تراكما وتعقيدا. ناهيك عن أن "عراب العهد" وشريكه سعد الحريري يشبه كمن يمشي بين النقاط، ويحاذر أي صدام، أو حتى تباين بينه وبين عون الذي سيقتصر دوره على الأرجح على إدارة الأزمة.
غير أن المشكلات والملفات الضاغطة لا تنتظر حسابات السياسيين ومناكفاتهم، وخصوصا الاقتصادية، والنزوح تحديدا الذي يتفاقم على لبنان، ويقوق قدراته على الاستيعاب والمعالجة بشكل غير مسبوق، فقد أفاد إحصاء غير رسمي، أجرته لأول مرة مديرية الاحصاء المركزي في لبنان، بأن عدد السكان بات يقارب ثمانية ملايين، منهم نحو ثلاثة ملايين نازح أو لاجئ بين سوري وفلسطيني. وبطبيعة الحال، تختلف مشكلات الفلسطينيين الذين يقارب عددهم الخمسمائة ألف عن مشكلات النازحين السوريين الذين تخطوا المليونين، وربما أسوأ بحكم طبيعة هذا الوجود المزمن، والذي تتفافم مشكلاته المتنوعة والمتعدّدة، من السياسي إلى الأمني، ومن الاقتصادي إلى المعيشي البحت، وصولا إلى الحق بالإقامة والعمل والتنقل لشعب معظمه لن يطأ، على الأرجح، مجددا أرض وطنه السليب والمحتل. ناهيك عن الصراع على السلطة والنفوذ بين مختلف الفصائل الفلسطينية التي تتناسل وتتشظى داخل المخيمات جنوبا وشمالا، وفي العاصمة بيروت، والتي تنعكس عليها أزمات المنطقة، وبخصوصا السورية، فالاشتباكات والمناوشات شبه يومية في مخيم عين الحلوة، شرق صيدا، بين الإسلاميين الأصوليين و"الممانعين" الذين يدينون بالولاء لإيران والنظام السوري من جهة، وفصائل منظمة التحرير وتحديدا حركة فتح من جهة أخرى.

وقد شهد المخيم قبل أيام مواجهة حامية، تزامنا مع وصول الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى بيروت في زيارة رسمية دامت ثلاثة أيام، التقى في أثنائها رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة. وجاء كلام عباس عن الفلسطينيين "الضيوف في لبنان وتحت سقف القانون بانتظار عودتهم الأكيدة الى أرضهم" في المؤتمر الصحافي المشترك مع عون الذي حمّله مسؤولية "الاستقرار" في المخيمات، ليزيد من غضب المتشدّدين و"الممانعين" الذين يقيمون عمليا "دويلتهم" داخل مخيم عين الحلوة، ويتهمون أبو مازن بـ"التخاذل". وزاد الطين بلة أن أبو مازن لم يزر أياً من المخيمات الفلسطينية، وإنما توجه خارج بيروت شمالا، حيث الأستديوهات التي يقام فيها برنامج "أراب آيدول" الغنائي العربي، لشد أزر شابيْن فلسطينيين تنافسا مع شاب يمني على الفوز بنهائي المسابقة. وترافق ذلك مع موجة من الاستنكار والامتعاض على مواقع التواصل الاجتماعي للمواقف التي أطلقها عباس في لقاءاته، مكرّرا شكره لبنان الذي "استضاف الفلسطينيين، وقدّم الكثير من الدعم، وضحّى من أجلهم".
وشدّد عباس على عدم التدخل في شؤون لبنان، واحترام ما تتخذه الأجهزة الأمنية اللبنانية من إجراءات، وخصوصا الجيش، بما يخص الأمن في المخيمات. وركز عباس على ضرورة إتمام المصالحة الفلسطينية وتحصينها، إذ لا بديل عن التعاون وتحصين البيت الداخلي. وقال إنه يعوّل على علاقاته الطيبة مع تركيا وقطر من أجل إحداث تقارب أكبر مع حركة حماس. وأكد أنه من أشد المتحمسين لانضمام "حماس" إلى المجلس الوطني، مبديا استعداده لخوض انتخابات تشريعية في قوائم مشتركة، ثم الذهاب بعدها إلى حكومة وحدة وطنية. وقد صارح عباس الجانب اللبناني بقوله إنه "مجبر على التنسيق" مع الجانب الإسرائيلي ولو بالحد الأدنى، أقله لجهة إقامة اتصالات بين وزير المالية للتنسيق بخصوص ملف رواتب الفلسطينييين.
ويبدو أن الجانب اللبناني صب اهتمامه، بحسب المعطيات المتوفرة، على مسألة أمن المخيمات التي تحولت، برأي المراجع الأمنية اللبنانية، إلى "بؤر أمنية"، وباتت تشكل خطرا ليس فقط على الأمن اللبناني، بل وعلى الفلسطينيين أنفسهم. ومن المرجح أن تكون قد طرحت مسألة استكمال الجدار الذي كان الجيش اللبناني قد شرع، قبل نحو شهرين، ببنائه حول مخيم عين الحلوة، مثيرا غضب سكان المخيم ومعظم الفصائل الفلسطينية واعتراضهم، فاضطر إلى تجميد بنائه.
وماذا عن السلاح الفلسطيني داخل المخيمات؟ مجموعات من الناشطين الفلسطينيين في صفوف المناوئين لرئيس السلطة حذّرته من التطرق إلى الموضوع، بعدما تسرّب لها أن موضوع دخول الجيش اللبناني إلى بعض أحياء مخيم عين الحلوة طرح جديا بين الطرفين، عزّزه لقاء جمع الرئيس الفلسطيني مع مدير الأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، المكلف بهذا الملف، لكن أبو مازن نفى، ردّا على سؤال، أنه تم طرح هذا الأمر.
وبغض النظر عما قد آلت إليه فعليا زيارة أول رئيس عربي للبنان، بعد انتخاب عون رئيسا للجمهورية، إلا أن المؤكد أن حيثيات زيارة أبو مازن ومفاعيلها لم تلق أصداء إيجابية لدى شرائح واسعة من الفلسطينيين الذين استهجنوا عدم زيارته لهم، و"ودّعوه" يوم مغادرته السبت باشتباكات في مخيم عين الحلوة.