عباس بيضون: ما يحدث الآن حدَثَ دائماً

01 يوليو 2016
الصورة
(تصوير: حسين بيضون/ العربي الجديد)
+ الخط -
[ربما يكون الشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون أحد أكثر الكتّاب العرب غزارة، فهاهو عمله السردي الجديد "خريف البراءة"، يصدر بعد ثلاث روايات متتالية وهي "ساعة التّخلي" و"الشافيات" و"خريف البراءة"، هنا حوار مع صاحب "صور" حول أسئلة الكتابة والتجديد]


* لم تعد تشارك نصوصاً شعرية على فيسبوك، مع العلم أنّك لا تزال تكتب الشعر. أصدرت "صلاة لبداية الصقيع" السنة الماضية شعراً، وعلمنا أنك سوف تصدر مجموعة في المستقبل القريب؟

- صحيح. هذا لأنني نشرت، سابقاً، على فيسبوك كلّ القصائد الأخيرة، ومنها تلك التي سوف يتضمنها ديوانيَ الجديد.

* أبدأ من السرد، ومن الإصدار الأخير، رواية "خريف البراءة"، يبدو لي أن هذه الرواية هي المنجز السرديّ الأكثر اكتمالاً بالنسبة إليك. هل أنجزت سرداً كلاسيكياً محايداً مختلفاً عن سابقيه إلى حدّ ما أو متخلصاً من أيّ أثر لتوترات الذات وسيرتها؟

- قد يكون هذا صحيحاً، هذه الرواية في نظر عدد من أصدقائي مختلفة عن بقية رواياتي. لم أشعر بهذا الاختلاف الذي شعر به أصدقائي لكن طالما أنهم شعروا به، فقد أقنعوني. لكن بودّي القول إن ما نسميه رواياتٍ صدرتْ ثلاثٌ منها مؤخراً هي "ساعة التّخلي" و"الشافيات" و"خريف البراءة". جميعها روايات بمعنى الروايات الكلاسيكيّ، بخلاف "مرايا فرانكشتاين" مثلاً، التي هي سرد يستند الى سيرة ذاتية وكذلك "ألبوم الخسارة" وكتاب ثالث لم أصدره بعد. هذه الأخيرة نصوصٌ تستمِد من السيرة، وقد نلحظ فيها تقاطعاً مع شخصية ما أو مع حدث ما لكن هذه الشخصية أو ذاك الحدث يعاد إدماجهما في محيط أو إطار آخر.

* لفتني أثناء توقيع "خريف البراءة" في جناح دار الساقي إغفال صفتك كشاعر عن لوحة الدعوة. من هنا أريد أن أسأل، هل تخشى من هيمنة منجزك كشاعر على تجربتك الروائية؟

- رأوا، في الساقي، أن ما يلائم هذه المناسبة أكثر أن يقال روائيّ، لأنه سبقت أن حملت بطاقة الدعوة كلمة شاعر، فبدا كأنه تناقض في مكان ما، فأحبّوا هذه المرة أن يتلافوه. فكيف يُدعى شاعرٌ بمناسبة رواية تصدر له! برأيهم، إني قد صرت روائياً بعد هذا العدد من الروايات ومن النصوص السردية. ذلك يعني أنه، على مستوى الكمّ، في الأقلّ، قد رسختْ روائيّتي. أقول، بعد هذا الكم، فأنت يحق لك أن تسمّى روائياً.

* هل نستطيع الآن وأنت روائيّ مكرّس إقامة تمفصلات واضحة بين عباس بيضون الروائيّ وعباس بيضون الشاعر أم أن الأمر ملتبس في الحدّ الأدنى؟

- أريد أن أقول إنني لا أشعر بحرج في أن أكون في آن واحد شاعراً وروائياً. لا التباسَ. أكتب الشعر كشاعر والرواية كروائيّ. لست الأول أو الوحيد. هناك عدد كبير من الروائيين هم شعراء جديّون وهناك شعراء هم أيضاً روائيون جدّيون. أقول أحبّ أن أكتب الرواية. أحبّ كتابة النثر. لا تنس أنني شاعر نثر. ولا أشعر أن الشعر يزاحمني. لا أشعر أن الشعر يتدخل في الرواية. في الشعر أنت تولّد، أنت تبتكر. في الواقع، إنني أتجنب وأتفادى بالمطلق الإنشاء الشعري في الرواية. روايتي تُكتب نثراً ونثراً خالصاً. ولا بد أنك لاحظت أنني قلما ألجأ إلى قوالب شعرية أو إلى نمط شعريّ فأنا أكره القوالب الشعرية في الشعر فكيف في الرواية.

* نلحظ اهتماماً كبيراً بالإنتاج الروائي العربيّ في العقدين الأخيرين على حساب ما يقال إنه انكفاءٌ للشعر. هل توافق على هذا القول؟

- لا بد لي من أن أوافق على هذا القول. لكن هذه تكاد تكون أزمة عالمية. في كل مكان يتراجع الشعر وفي كل مكان ينحسر. وإذا قارنّا الأدب العربيّ بالآداب الأجنبية سنلاحظ أن الشعر هنا أسعد حالاً مقارنة بإنكلترا أو بفرنسا بوجه خاص. أعتقد أن هذا حدثَ في وقت قصير، في بدايات القرن الماضي. كانت المدارس الأدبية مدارس شعرية بالدرجة الأولى. فعندما نتحدث عن السريالية لا نكاد نتذكر سوى شعرائها. لكن في النصف الثاني من القرن الماضي وما فوق، بدأ الشعر يتراجع ولا أظن أن سبب ذلك يمكن رده إلى تدنّي مستوى الشعر. لا يزال الشعر حاضراً ولم يتدنّ مستواه بحيث نستطيع أن نردّ تراجعه إلى هذا التدني. مجتمع المدينة الراهن لم يعد يطيق الشعر. الشعر كمفهوم قديم كان نوعاً من التغنّي بالحب وبالحياة. كان نوعاً من الغناء. والواضح أن عصرنا الراهن لم يعد يطيق الغناء وتوابعه. أخلص من ذلك إلى القول إن الشعر بعد أن صحا من سكرته المتفائلة، دخل في ما دخل فيه النثر، دخل في نقد الواقع والحياة والعالم. لا بدّ أن هذا النقد كان وجهاً من وجوه خيانة الشعر لمفهومه الأول. لا بدّ أن هذه السلبية ليست محبوبة في الشعر، فالناس يطلبون من الشعر أن يكون غناءً، وحين لا يعود الشعر غناء لا يعود يؤدي دوره القديم.

* كيف تنظر إلى مسألة الجوائز الأدبية في الجانب الروائيّ؟ هل هي المحفّز الأهم من وجهة نظرك في دفع هذا النوع الكتابيّ أم أن الجوائز هي نتيجة طبيعية لسياق انتشار الرواية الراهن؟

- الجوائز أمر راهن وقائم. وتدخل في السيرة الذاتية للكاتب. بهذا تصبح شيئاً من واقع العمل الأدبي. في المقابل، كلّ الجوائز، لا العربية فقط، تتأثر بظروف كثيرة ليست كلّها أدبية أو فنية. تتأثر بالسياسة أو بالمنشأ وبعناصر كثيرة لا تمتّ دائماً إلى الأدب أو الرواية بصلة. لذلك، لا نتذمّر كثيراً من تدخّل هذه الظروف. ومع ذلك أظن أن الجوائز يمكن فعلاً أن تكون محفزة.

* بأي عين شعرية تنظر، اليوم، إلى تلك التجارب الشعريّة الأولى؟ كيف تقرأها؟

- من المؤكد أن علاقتنا بالأدب هي علاقة نقد. فنحن، في كلّ لحظة، غيرُنا. ونحن نشعر صدقاً أو كذباً بأننا ننضج وبأن عملنا يتكامل مع الوقت، وهذا شعور كاذب. أقول إن الأدب لا يترقّى بحسب الزمن لكنّ الكاتب الذي هو، في الآنِ، قد يقرأ نفسه. الكتّاب قرّاء مهمّون لأنفسهم. رغم أن لا حقّ لهم في أن يملوا هذه القراءة أو أن يعلنوها. وكونهم هكذا فهم يملكون في كلّ لحظة تصوّراً للشعر قد لا يكون في لحظة أخرى.

* لا نجدك بعكس كثيرين متشائماً فيما خصّ الإنتاج الشعريّ. نعم تنتقد في بعض الأحيان. هل تدهشك بعض التجارب الجديدة؟

- أقول لست متشائماً، ولست من الذين يتشاءمون أو يتفاءلون فيما يخصّ الأدب. الشعر، بالنسبة إلي، ليس قضية خاصّة لأكون متشائماً أو متفائلاً. لكن أظنّ أنّ التراكم الشعريّ الذي حصل منذ بداية القصيدة الحديثة قد فتح أبواباً وآفاقاً عديدة للشعر، يبني عليها الشعراء الجدد. نعم، أقرأ مجموعات أولى وأُدهش لما فيها من ابتكار ولا أقول لما فيها من تجديد. التجديد أصبح أمراً بديهياً وواقعاً. وأصبح بداية لكلّ شيء. فإذا باشر الشعراء التجديد الذي بدأ من سنوات أو عقود، فهم يجدون وراءهم إرثاً حقيقياً.

* ألا تلحظ، اليوم، ندرة في التجارب الشعرية التي تنشئ لغة ونبرة خاصتين. أقصد تلك النبرة التي تصبح علامة على تجربة الشاعر، مقارنة بأسماء من جيل الثمانينات أو التسعينات؟ بسام حجار، مثالاً لا حصراً؟

- لا أريد أن أحاكم جيلاً بمفهوم جيل آخر. شعر الجيل الماضي وما قبل الماضي رسا في النهاية على عدد قليل من الشعراء ولو عدت إلى تلك الآونة لوجدت الكثير من الهراء والانتحال والادّعاء. والآن، نلاحظ لدى الجيل الجديد القليل الذي نحبّه والكثير الذي لا نأبه له. ذلك يعني أن التجربة تعيد نفسها وأن هناك دائماً قلة مبتكرة وقلة مجددة، وهناك أكثرية كسولة وغير مجتهدة وغير جديّة. بكلمة واحدة، ما يحدث لدى هذا الجيل قد حدث لدى أجيال أخرى. يمكن أن نتكلم بسعة عن الفقر الثقافيّ أو التأثّر والتقليد لكن هذه ليس ميزة الجيل الحاليّ. هذه ميزة أجيال.

* يخطر لي دائما "بطاقة لشخصين"(2010) إذ أذكر بسام حجار؟ كيف نرى إلى شعرية نصّك هذا؟ من ثيمة الموت/ الغياب؟

- بطاقة لشخصين محاولة لإعادة تأليف بسام حجار. هو عمل يقترب من هذه الناحية من الرواية. بسام حجّار بطل بطاقة لشخصين. هو شخصية بطاقة لشخصين. بسام كان يسافر معي في بطاقة لشخصين من مكان لآخر وكنا معاً في البلد وخارجه. بكلمة، ليس الموت موضوع بطاقة لشخصين الرئيسيّ. كانت رغبتي هي فقط أن أرى بسام حجار بعين هي مزيج من الواقع والشعر. كان بودي فقط أن أقوله، أن أقول بسام حجار. لا أعرف إنْ نجحت لكن بطاقة لشخصين كان استعادة.

* حدثنا عن بسام وعن نظرتك إلى اشتغاله الكتابيّ والمعجميّ؟

- أنا وبسام حجار كنا صديقين حميمين، وكان يتراءى لي أحيانا أننا نخوض معا تجربة واحدة، وأننا من جهتين مختلفتين نؤدي العمل نفسه وأن عالمينا متداخلان، وأنّ ثمة شبكة بين عملي وعمله. هذا الإحساس لا يعني على الإطلاق أننا لسنا مختلفين. كان لبسام لغته ورؤيته وثقافته الخاصة وإحساسه الخاص. والآن، عندما أقابل بين ما كتبته أنا وما كتبه هو، يعود لي الإحساس أننا طرقنا الأشياء من مكانين متباعدين. بالتأكيد، بسام حجار المعتزل والمتجنّب خلق من عالمه، عالمِ الغرفة والبيت والمكتبة، رؤيا كاملة وأظنّ أنني فيما صنعته لم أكن قادراً على أن أبقى رهن هذه العناصر التي جعل منها بسام أوثاناً. بسام شاعر كبير لأنه طوال حياته الشعرية لم يكن إلا شاعراً ولأنه كان بعيداً وكانت له تجربته التي لا تأبه لتجارب الآخرين ولا تأبه للدارج والرائج.

* أنتقل من الشعر إلى ترجمة الشعر. هل يمكن ربط، من جانب أساسيّ، وضع المشهد الشعري العام أو التباسه بالحدّ الأدنى، بضمور حركة الترجمة من وإلى العربية؟

- بالتأكيد. هذا حقيقيّ. لا نترجم ما لا نجد قراء له. مجلة شعر، مثلاً، قامت في رأيي على الترجمة، وكانت بدرجة أولى مجلة ترجمة شعرية وأظنّ أن الترجمات التي حوتها أثّرت في الشعر أكثر مما أثرت فيه النصوص العربية. الترجمة تلحق الشعر وحين ينكفئ الشعر تنطفئ الترجمة. ما زلنا برأيي بأمسّ الحاجة، الآن، إلى قراءة شعر الآخرين.

* ثمة من يقول إن ما يبقى من الشعر بعد ترجمته هو أحد مقاييس شعريّته، ما رأيك؟

- قد يكون هذا الرأي صحيحاً وقد لا يكون. إذا تبنيناه قد نظلم كثيراً من الشعراء. قد نظلم كثيراً نزار قباني، وحتى محمود درويش، لأن الجزء الكبير في شعر محمود درويش يتجلّى في موسيقاه وفي نظمه. نظلم كثيراً شعراء قدامى فلا أحسب أنه يبقى شيء كثيرٌ من المتنبي بعد الترجمة مع أنني أظن أن المتنبّي شاعر كبير في قامة شكسبير أو ريلكه... لكن هذا لا يمنع أن الشعر يقترب من الترجمة. فالشعر الحديث هو شعر قريب من المحكيّ. أنا، على سبيل المثال، لا أستعمل في شعري أو نثري كلمة واحدة غير مشغولة أو غير مستعملة في الحديث اليوميّ أو الكتابة اليومية. أظن أن الشعر الحديث أقرب الى هذا المفهوم من الشعر الذي سبق. مع ذلك يبقى هناك شعراء لا يصلون من خلال الترجمة. خذ، مثالاً لا حصراً، الشعر الروسي. إنه شعر لا يُترجمْ. عندما تقرأ بوشكين لا تجد شيئاً كثيراً يتبقّى من بوشكين بعد ترجمته. في الشعر الروسي، لم أجد شاعراً تستوقفني ترجمته إلا فوزنزنسكي في ترجمة فرنسية. وجدت أنني لا أستطيع أن أقرأ ترجمات لأخماتوفا أو لبرودسكي ولا لبوشكين ولا لبسترناك، وهؤلاء هم كبار الشعر الروسيّ.

دلالات

المساهمون