عامان على استهداف "شارلي إيبدو": الهموم الأمنية الفرنسية تكبر

07 يناير 2017
الصورة
اقتصر إحياء الذكرى على وضع باقات زهور(كريستوف أرشامبو/فرانس برس)
+ الخط -


تحلّ اليوم السبت 7 يناير/كانون الثاني 2017، الذكرى السنوية الثانية للاعتداء الإرهابي الذي استهدف مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية، بعد نشرها رسوماً ساخرة عن النبي محمد، وهو الهجوم الذي قضى على قسم كبير من إدارتها ورسّاميها. وكان يوم 7 يناير 2015 يوماً استثنائياً، ففيه شهدت شوارع باريس للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، هجوماً مركّزاً ومنظّماً على مقر إعلامي، ينسحب فيه المهاجمون، واثقين، في ظل غياب رد فعل أمني واضح. ثم بدأت ردود الفعل التي تمثّلت في تنظيم إحدى أكبر التظاهرات الجماهيرية في العاصمة الفرنسية، وبحضور قادة عالميين، لإظهار التضامن مع فرنسا. وبعدها ردود الفعل الشعبية والرسمية والإعلامية في التضامن مع المجلة، التي استعادت عافيتها المالية، بشكل غير مسبوق.
ولكن لم يكن أحد يتصور أن الاعتداء على "شارلي إيبدو"، ثم بعده على المتجر اليهودي، الذي لا تزال أصوات يهودية فرنسية تنتقد نسيان مأساته، سيكون فاتحة لاعتداءات إرهابية لم تعرف لها فرنسا، ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثيلاً. إذ شهدت العاصمة الفرنسية يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 اعتداء كبيراً تخلله تنفيذ ست هجمات دموية، أدت لمقتل نحو 130 شخصاً، استهدفت مسرح الباتاكلان ومقاهي عديدة، فيما كانت عناصر أخرى تهاجم ملعب "ستاد دي فرانس" لكرة القدم، حيث كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يشاهد مباراة لكرة القدم بين المنتخبين الفرنسي والألماني. ولم يتوقف الأمر هنا، إذ توالت محاولات الهجوم الإرهابية في فرنسا، وأفشلت السلطات الأمنية، حسب تصريحات لوزراء وقادة أمنيين، عشرات منها، قبل أن ينجح إرهابي، في يوم العيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو/ تموز 2016، في ارتكاب مجزرة في مدينة نيس، بصدم جمهور من السكان والسياح بشاحنته، ليقتل 85 شخصاً.
تأتي الذكرى الثانية لاعتداء "شارلي إيبدو" وفرنسا تعيش ظروفاً أمنية بالغة التعقيد، ليس فقط عبر حالة الطوارئ التي يتم تمديدها باستمرار، وما تجلى في تعبئة أكثر من مائة ألف رجل من قوات الشرطة والدرك لحماية احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، بل أيضاً لأن الهموم الأمنية تسللت إلى بيوت الفرنسيين وموائدهم، وأصبحت همّاً سياسياً وانتخابياً، سيكون لها دور رئيسي في الانتخابات الرئاسية بعد أشهر.
كما تحل هذه الذكرى في جو كئيب، وفي ظل تجاهل للحدث، عدا بعض المقالات النادرة في بعض الصحف وكذلك وضع وزير الداخلية ورئيسة بلدية باريس باقة من الزهور أمام المقر السابق للمجلة وأيضاً في المكان الذي قُتل فيه الشرطي الفرنسي أحمد لمرابط، على يد الأخوين كواشي.
ولا يبدو أن كثيراً من الفرنسيين، باستثناء القراء الأوفياء للمجلة، وهم قليلون، يتذكرون مجزرة "شارلي إيبدو"، أو يحاولون تذكرها. والأسباب عديدة ومتنوعة، منها أن أحداثاً كثيرة حصلت بعد الاعتداء على المجلة، فعرفت فرنسا هجمات إرهابية بشكل أكثر قسوة وفظاعة، استهدفت كل الفرنسيين بلا استثناء، محاولةً كسر النموذج الفرنسي، خصوصاً "العيش المشترك"، خلافاً لهجوم "شارلي إيبدو"، الذي استهدف أناساً معينين بسبب "هجومهم على مقدسات" وفق المهاجمين.
كما أن كثيراً من ردود الفعل التي أقدم عليها الطاقم الجديد للمجلة، كانت صادمة لكثير من المتعاطفين معهم. فإذا كانت الغالبية الكبرى، إن لم يكن كل الفرنسيين، متضامنة مع المجلة في محنتها، إلا أن استفزازات الإدارة الجديدة، لجهة نشر رسم جديد للنبي محمد، أو التشديد على شعار "أنا شارلي"، دفعت شرائح كثيرة من المواطنين وكثيراً من المثقفين لانتقاد لامسؤولية الإدارة الجديدة وصبيانيتها، وبالتالي الابتعاد عنها.


صحيح أن الأحداث الجديدة تدفع بالقديمة إلى نوع من النسيان، وإذا كان القلق الأمني يمثّل إجماعاً بين الفرنسيين، وإذا كانت الهجمات الإرهابية تحظى برفض شامل من قِبل هؤلاء المواطنين، فإن كل الفرنسيين لا يزالون يتذكرون بأسى، هجمات باتاكلان ونيس وذبح الشرطيين والراهب في الكنيسة، في حين أن ذكرى "شارلي إيبدو" تتوارى، شيئاً فشيئاً، لدى الجمهور. والحقيقة أن المجلة لم تقصّر في جهودها في جلب الانتقادات والأعداء، من كل جانب. فقد تواصلت سخريتها، في أعداد كثيرة، من الإسلام ومن اللاجئين ومن الطفل السوري الغريق إيلان كريد ثم من زلزال إيطاليا وغيرها. وهي تصرفات دفعت الكثيرين لنسيانها وطيّ صفحتها.
ولعل هذا ما أدركته إدارة "شارلي إيبدو" في هذه الذكرى، فكرست له عددها الأخير، وهاجمت فيه كل من لا يتفقون مع خطها التحريري، خصوصاً اليسار الفرنسي. وإذا كانت الافتتاحية التي وقَّعها مدير التحرير، ريسِ، تتحدث عن الاعتداء باعتباره "جريمة سياسية"، وأن "الضحايا قُتلوا بسبب آرائهم السياسية"، فإن ملف العدد تم تكريسه لموضوع "هذا اليسار المنبطح، دوماً، أمام الطغاة". وقالت المجلة إنه "توجّب عليها خلال سنتين، أن تتحمل دروسهم السياسية والأخلاقية: شارلي ذهبت بعيداً جداً. شارلي لا تحترم أحدا. شارلي، هي ربما، من تسببت في ما حصل لها". ورأت المجلة أنه وراء مواقف هؤلاء، من كبار مفكّري اليسار الفرنسيين، "يوجد تاريخ الخضوع للتوتاليتارية".
واستعرضت المجلة، في ثلاث صفحات، مختلف أوجه "هؤلاء اليساريين"، عبر تاريخ فرنسا في القرن العشرين، من بول نيزان وهنري باربوس وأندريه جيد وجان بول سارتر، قبل أن تصل إلى اليوم. وأشارت إلى من تراهم وقفوا ضدها، من صحيفة "لوموند ديبلوماتيك"، ومختلف رؤساء تحريرها، من إنياسيو راموني وبرنار كاسين وسيرج حليمي. واستعرضت المجلة، كمثال، افتتاحية سيرج حليمي "اختبار النضالات" في فبراير/شباط 2015، التي تساءل فيها: "هل الرسام الكاريكاتوري حرّ في رسم النبي محمد؟ وفي رسم امرأة مسلمة وهي تلبس البرقع؟". كما انتقد مقال "شارلي إيبدو"، مواقف الكاتب إيريك هازان، الذي تنقُل عنه رفضه التعامل معها، يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول 2013، أي قبل اعتداء 7 يناير/كانون الثاني 2015، حين رفض منحها لقاء، قائلاً: "آسف، ليس لديّ ما أفعله في صحيفة لكبار العنصريين!".
ولم يسلَم مدير موقع "ميديا بارت" إيدوي بلونيل، من هجوم "شارلي إيبدو"، إذ عابت عليه قوله: "أعتقد أنه لا يمكن أن نمنح للكراهية تبرير الفكاهة"، وأيضاً استقبال موقع "ميديا بارت" للفيلسوف آلان باديو. واستعرض الملف في انتقاده أسماء كثيرة لمفكرين فرنسيين يساريين، كإيمانويل تود وريجيس دوبريه. وانتهى المقال الذي وقَّعه فابريس نيكولينو، بتوجيه انتقادات وعبارات لاذعة لراموني وباديو ولوردون وبلونيل ودوبريه، قائلاً إنهم "لم يساعدوا المجتمع قطّ، من أجل فهم مصيره"، و"يثرثرون وهم أول من يفرّ حين يسوء الأمر".
وفي مقال آخر لغيوم إيرنر، قال فيه إنه "منذ سنتين، انتقل الإرهابيون من نصر إلى آخر. ليس على المستوى الاستراتيجي، فهم غير قادرين عليه. أما وسائل الإعلام فقد منحتهم، في المقابل، فرحاً لا يُنسى". وأنهى مقاله بأن "داعش لا يستطيع فعل شيء من دوننا. وقد حان الوقت لكي نعي هذا الأمر. إذ نحن من علينا أن نقرر إن أردنا منح داعش النصر أو لا. إذاً علينا أن نغير الاستراتيجية. الشيء الوحيد الذي يريدون أن يصيبوه، هي معنوياتنا، فلنواجههم بأخلاقياتنا من أجل إفشالهم".
واستعانت "شارلي إيبدو" بالباحث جيل كيبل، الذي انتقد صحيفة "لوموند"، واتهمها بالانخراط في "دعم الإسلامية-اليسراوية، وقد رأينا ذلك أثناء قضية البوركيني، حين بلعوا الطعم". ووجّه كيبل في حواره سهامه ضد الطبقة المثقفة التي "لا تريد أن ترى البعد الأيديولوجي للجهادية"، واعتبر هذا الموقف "عمى إراديّاً، وخيانة من النُخب". ويبدو أن "شارلي إيبدو"، تعرف أن مهاجمة الإسلام، تجلب قرّاءً جدداً، وبالتالي موارد جديدة، ولهذا، فهي تعرف، من حين لآخر، كيف تنتقي موضوعاً تصنع منه حدثاً.