عالم العمل المتغير

عالم العمل المتغير

15 ابريل 2016
+ الخط -
كان مشهد التداول الرقمي للمعلومات في العام 2015 وفقاً لتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية: 294 مليار رسالة إلكترونية يومياً، ويحمل الناس كل يوم 100 ألف غيغا بايت من البيانات على "فيسبوك"، ويطلقون 230 مليون تغريدة في "تويتر"، ويرسلون ويتلقون 1.3 مليار غيغا بايت على الهواتف النقالة، .. هذا المشهد لا يساوي شيئاً بالنسبة لما سيكون عليه بعد عشرين عاماً (2035)، إذ سوف تتضاعف البيانات المتداولة عبر الشبكة 100 مليار ضعف، .. وفي هذا التحول، يمكن التأمل في التحولات في العمل والمال والسياسة والمجتمعات.
تنتمي أعمالنا ومؤسساتنا القائمة إلى الثورة الصناعية، ويمكن ببساطة تذكّر مدى التحولات التي جرت في الأعمال والسياسة، منذ منتصف القرن الثامن عشر، وما يبدو اليوم واقعاً مألوفاً في حياتنا كان يبدو معجزاتٍ خياليةً بالنسبة للبشرية، قبل مائتي سنة. وفي معظم عالمنا العربي، لم تصل الثورة الصناعية إلا في النصف الأول من القرن العشرين، وقبل ذلك كنا ننتمي إلى الاقتصاد الزراعي، وربما لم نعد نتذكّر في ألفتنا مع العالم القائم أن مؤسساتنا وأسواقنا وأعمالنا هذه لم تكن موجودة.
اليوم، يتحول العمل، بفعل العولمة والتكنولوجيا الرقمية (الحوسبة والتشبيك)، وينتقل من الصناعة أو التكنولوجيا الميكانيكية إلى الرقمية، وهي تحولاتٌ لا تقل عمقاً وجذريةً عن التحولات التي جرت في الانتقال من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، ويرصد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية تحولاتٍ عدة، يفترض أن تشغل العالم حكوماتٍ وأسواقا ومجتمعات، فقد أصبح العاملون وأصحاب العمل في جميع أنحاء العالم على ترابطٍ ضمن شبكاتٍ معقدة للتجارة والهجرة، بينما تعبر الأصول المالية الحدود بسرعة البرق. ومع مرور الزمن، أعادت الشركات هيكلة نظم إنتاجها وتوزيعها. واستفادت من خفض الأجور والتكاليف الأخرى في تكييف أعمالها، فقد قسمت أنشطتها إلى وحداتٍ متعددةٍ وزعتها في أنحاء العالم، وركّزتها في بلدانٍ تؤمن المهارات اللازمة والبنية التحتية الضرورية بأجور أقل.
وقد عزّزت العولمة، بما جاءت به من تغيير في الأعوام الثلاثين الماضية، الترابط بين جميع أنحاء العالم، فأثرت على أنماط التجارة والاستثمار والاستهلاك والنمو، وعلى استحداث فرص العمل وإلغائها، كما أثرت على شبكات العمل الإبداعي والعمل التطوعي.
والواقع أنها ثورات عدة متسارعة ومتزامنة؛ وليست ثورة واحدة، وتغيّر هذه الثورات
التكنولوجية في الأجور والإنتاجية في أسواق العمل وأماكن العمل، من خلال طرق جديدة للتعاقد والتعاقد من الباطن، وظروف عمل جديدة ونماذج جديدة لتنظيم الأعمال وريادتها، فهي تؤثر على توزيع الطلب على اليد العاملة عبر القطاعات. وبالتالي، على عمليات التحول الهيكلي، كما تؤثر على كمية الوظائف ونوعيتها في بعض القطاعات والمشاريع، وكذلك على توزيع الدخل، والثروة على جميع المستويات. وتخلق فرصاً جديدة للإبداع والابتكار، وتجلب مزيداً من العمل غير مدفوع الأجر إلى المجال العام. ولن تتباطأ وتيرة التغيير هذه، بل ستشهد الأعوام المقبلة ثورةً مستمرةً، تحمل إلى العمل وأماكن العمل مزيداً من التعقيد والتقلب وعدم اليقين.
يحدّد تقرير الأمم المتحدة مجموعة من التكنولوجيات التي تغير طبيعة العمل، مثل الإنترنت النقال الذي يؤثر على حياة 3.2 مليارات مشترك. ويتجاوز عدد الاشتراكات في الهاتف النقال 7.1 مليارات اشتراك، ما يشير إلى تغييرٍ في طبيعة عمل الأشخاص، وأساليب ابتكارهم، والتفاعل في ما بينهم، وإنجاز أعمالهم.
وهناك أيضا أتمتة العمل المعرفي، من خلال نظم البرمجيات الذكية التي تؤثر على تنظيم العمل المعرفي وإنتاجيته، والتي قد تمكّن الملايين من استخدام المساعدة الرقمية الذكية، والتكنولوجيا السحابية التي تحسن فرص الشركات والحكومات الأفراد في الوصول إلى خدمات تكنولوجيا المعلومات على الإنترنت بكلفة منخفضة، وتتيح تأمين منتجات وخدمات جديدة على الإنترنت لمليارات المستهلكين وملايين الشركات.
وتغير الطباعة ثلاثية الأبعاد طبيعة العمل في ما تتيح إنتاجه، ويتراوح بين النماذج الصناعية البسيطة والأنسجة البشرية. وتعمل إحدى أكبر الشبكات العالمية للطابعات ثلاثية الأبعاد في 110 بلدان، وتملك 9,000 آلة. وهذه الآلات تجعل الإنتاج ممكناً حسب الطلب، ويمكن أن تؤثر على وظائف 320 مليون عامل في الصناعة التحويلية في العالم، أي 12% من القوى العاملة، وقد استفاد منها العاملون ذوو الإعاقة. وأنشئ أول مختبر في العالم لطباعة الأطراف الاصطناعية في جنوب السودان. وقد أطلق مشروع دانيال في عام 2013 لصنع طرفين اصطناعيين لدانيال عمر، وهو شاب فقد ذراعيه في انفجار قنبلة. ولا تستطيع الطابعات اليوم أن تنتج إلا مجموعة محدودة من السلع، لكن المستقبل يشير إلى انتهاء عصر الإنتاج بكمياتٍ كبيرة من السلع المتطابقة في المصانع وباتساع الفرص للأفراد والشركات الصغيرة للمشاركة في نمط إنتاج لامركزي.
وتنقل الروبوتات المتقدمة الصناعة التحويلية إلى مستوياتٍ جديدة. وقد توقّع كثيرون، منذ زمن طويل، أن يزاحم الذكاء الاصطناعي الذكاء الإنساني. وسرعان ما ثبتت صعوبة هذا التوقع على مستويات التفكير العليا. أما على مستوى المهام البسيطة، فأصبحت المعرفة والمهارة متوفرةً في سلع تكنولوجية معيّنة. والمعدات أصبحت مزوّدة بكاميرات وأجهزة استشعار ومعالجاتٍ تجعلها أكثر استجابة للتفاعل مع البشر.
428F6CFA-FD0F-45C4-8B50-FDE3875CD816
إبراهيم غرايبة

كاتب وباحث وصحفي وروائي أردني، من مؤلفاته "شارع الأردن" و"الخطاب الإسلامي والتحولات الحضارية"، وفي الرواية "السراب" و"الصوت"