عاصفة تركي آل الشيخ: محاولات للاحتواء ومصير مجهول لمشاريع السيسي وبن سلمان

26 مايو 2018
الصورة
كان آل الشيخ مسيّر مشاريع السعودية في مصر(صلاح ملكاوي/Getty)
+ الخط -
فجّرت سلسلة التدوينات التي أطلقها تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للرياضة في السعودية والمستشار الرياضي لولي العهد محمد بن سلمان، عن علاقته بالنادي الأهلي المصري ورئيسه محمود الخطيب، حالة من الغضب في الأوساط الرياضية المصرية من مسؤولين ومتابعين، خصوصاً بين جماهير النادي الأهلي الذين طالبوا على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي باستقالة الخطيب، كما طالبوا قبل يومين باستقالة آل الشيخ من منصب الرئيس الشرفي للنادي.

وأكدت تدوينات آل الشيخ التدخّل السعودي المباشر في انتخابات أكبر الأندية المصرية، وإغداقه دعماً مالياً بقيمة 6 ملايين جنيه (نحو 335 ألف دولار) على الخطيب، فضلاً عن التأثير الإعلامي لترجيح كفته على منافسه محمود طاهر، الذي كان مدعوماً من بعض أجهزة الدولة المصرية ورجال الأعمال البارزين ووسائل الإعلام الموالية لنظام عبدالفتاح السيسي.

كما كشفت التدوينات محاولات الخطيب للحصول على أكبر دعم مالي من الأموال السعودية لحل مشاكل الأهلي وضمان استمرار تفوّقه الرياضي على منافسه التقليدي نادي الزمالك، الأمر الذي اقتضى، وفق اعتقاد آل الشيخ، أن يحميه الخطيب ومجلس إدارته من غضب الجماهير المصرية، وإبراز صورته كشخصية داعمة للنادي وللرياضة المصرية من دون مقابل، الأمر الذي لم يحدث بعد الهجوم الإلكتروني الواسع عليه.

وبعيداً عن تفاصيل الصفقات المقبولة والمرفوضة وتردد الخطيب في اتخاذ القرارات ومحاولات النائب البرلماني مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك، لاستغلال مشاكل الأهلي وجلب الأموال من آل الشيخ "استغفالاً"، كما وصف المسؤول السعودي، بعيداً عن كل ذلك، طرحت التدوينات ظلالاً من الغموض والتساؤلات حول مستقبل المشاريع الرياضية والإعلامية المشتركة بنكهة التقارب السياسي بين مصر والسعودية، والتي كان من المقرر أن يكون آل الشيخ مسيّراً رئيسياً لها، كعين مباشرة لبن سلمان.

اتصالات للحل
وتجري، منذ صباح أمس، اتصالات مكثفة بين أعضاء سابقين وحاليين في مجلس إدارة الأهلي وإعلاميين، كالعامري فاروق وخالد مرتجى ومحرم الراغب وأحمد شوبير وخالد أبوبكر، وشخصيات رفيعة المستوى، كمدير مكتب السيسي اللواء عباس كامل، ووزير الرياضة المصري خالد عبدالعزيز، والسفير السعودي السابق أحمد قطان، وهو عضو بالأهلي، وتركي آل الشيخ نفسه، لاحتواء الأزمة ومنع تفاقمها، تخوفاً من كشف الأخير المزيد من التفاصيل التي قد تنال من سيرة شخصيات رياضية أخرى، حفاظاً على ما تبقى من فرص لإنجاح الشراكة.
وبدأ آل الشيخ قصته مع الاستثمار الرياضي والإعلامي في مصر ممثلاً لبن سلمان من خلال تدشين خطة طموحة لإنشاء ملعب كبير للنادي الأهلي بالاشتراك مع الجيش المصري وأجهزة أخرى، ثم بدأ الإجراءات العملية لإطلاق شبكة سعودية إعلامية في مصر بالتوافق مع أجهزة السيسي أيضاً.

وكان اللقاء مع السيسي ومدير مكتبه عباس كامل فقرة ثابتة في برامج زيارات آل الشيخ الأخيرة لمصر، ما منحه زخماً أعلى من أي مسؤول سعودي يدعم الرياضة المصرية بأمواله الخاصة، فالمشاريع منذ بدايتها كانت تتسم بالطابع الرسمي، متواكبة مع تقارب مصري سعودي بعد نجاح السيسي في إغلاق ملف التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

التساؤلات المطروحة بلا إجابة منذ تدوينات آل الشيخ، تتعلق بمصير المشروع الرياضي المشترك بين البلدين، والذي نبع بالأساس من رغبة النظام المصري في توسيع تجربة فتح السوق المحلية للاستثمارات الإماراتية، بهدف تحقيق المزيد من الأرباح وتقليل الالتزامات الحكومية تجاه الأندية والاتحادات الرياضية وتعظيم أرباحها الخاصة ولو على حساب الأندية الأصغر.
فالمشروع الذي كان سيديره آل الشيخ لإقامة مدينة رياضية متكاملة للنادي الأهلي، كان مقرراً أن يكون مقدّمة لخطة واسعة لتحقيق مكاسب مالية ضخمة للسعودية ومستثمريها من الرياضة المصرية التي تتمتع بمقوّمات لا تملكها نظيرتها السعودية، كالاهتمام الشعبي العريض داخل مصر وخارجها بالأندية المصرية الكبرى، والحضور الجماهيري الكثيف، وضخامة الاستثمارات الإعلانية والإعلامية، فضلاً عن تحوّل بعض الأندية المصرية لعلامات تجارية شهيرة إقليمياً وقارياً، كالأهلي والزمالك.

المشروع الذي أصبح في مهب الريح بسبب الخلافات الشخصية بين آل الشيخ والمسؤولين المصريين الذين كانوا يتعاملون معه كمصدر دائم للأموال المجانية، كان سيتضمن إنشاء ملعب خاص بالنادي الأهلي وفندقاً ملحقاً به ومركزاً تجارياً وعدداً من المنشآت الاستثمارية الأخرى، وكان سيُكلّف على الأقل 9 مليارات جنيه (نحو 502 مليون دولار)، بحسب مصدر مطلع بإدارة النادي. وسبق للمصدر أن قال لـ"العربي الجديد"، إن "المشروع ليس مجرد هدية للنادي لفوز نجم الكرة السابق محمود الخطيب برئاسته، بعدما كان آل الشيخ وغيره من المسؤولين السعوديين يجاهرون بمساندته في الانتخابات الأخيرة، بل إن المشروع تم التجهيز له منذ فترة طويلة بالتنسيق بين أعلى المستويات السياسية في القاهرة والرياض، وكان السعوديون يرغبون في أن يبدأ تحت إشراف الخطيب، فقط لشعبيته الواسعة في السعودية وعلاقاته الجيدة بالمسؤولين الرياضيين هناك، وما يمثله اسم الخطيب من إضافة تسويقية لاسم النادي الأهلي في العالم العربي".

وما يؤكد أن مشاريع آل الشيخ كانت "مشاريع دولة"، أن المفاوضات حول المشروع الرياضي جرت بين السفير السعودي السابق أحمد قطان، والمرشح لرئاسة النادي آنذاك محمود الخطيب، وكان الطرف الثالث، وهو الدولة، ممثلة في اللواء عباس كامل وبعض قيادات الهيئة الهندسية للجيش. وتم الاتفاق مبدئياً على أن تضع شركة "صلة" السعودية للاستثمار والتسويق الرياضي، والتي تربطها بالأهلي عدة اتفاقيات رعاية حالياً، مخططاً لمشروع المدينة الرياضية، يكون منفصلاً عن مشروع الفرع الجديد للنادي في القاهرة الجديدة.


وكان الخطيب قد رفض أن يتم الإعلان عن المشروع خلال فترة الانتخابات حتى لا يوصف بأنه مرشح قوى خارجية بعينها، ما دفع المسؤولين السعوديين لإعلان تأييدهم كل على حدة للخطيب، من دون الإفصاح عن الاتفاقات المبدئية بشأن المشروع. وعلم منافسه طاهر بذلك، فسارع إلى عقد مؤتمر صحافي للإعلان عن بدء تدشين مشروع الملعب باعتباره جزءاً من فرع النادي المقرر إنشاؤه في القاهرة الجديدة، حتى يقطع الطريق على الخطيب للاستفادة الإعلامية من المشروع السعودي، وحتى يكون له الفضل الأول في طرح مشروع الملعب، لكنه لم يعلن آنذاك الجهة المرشحة للدخول في شراكة مع الأهلي لإنشائه.

كما أن هناك أدواراً رسمية للنظام المصري في هذا المشروع ذي المستقبل الغامض، تتمثّل في إشراف الهيئة الهندسية للجيش على عمليات إنشاء وتشطيب المشروع بشكل كامل، بحجة ضمان إنجازه بأسرع وقت ممكن، ومنح الشركة الجديدة المكوّنة من النادي الأهلي والمستثمرين قطعة أرض مناسبة للمشروع في القاهرة الجديدة، أو طريق العين السخنة أو العاصمة الإدارية الجديدة، وكذلك تهيئة الأجواء التشريعية والعملية ليكون مشروع الأهلي "قاطرة" لمشاريع أخرى للاستثمار السعودي في الرياضة المصرية، وليس كرة القدم فقط.

تساؤلات المستقبل

وكان من المقرر أن يشهد العام الحالي إنشاء شركات مساهمة مصرية برأسمال سعودي وبغطاء قانوني تابع للنادي الأهلي، وفقاً للائحة النادي الخاصة التي يعكف الخطيب ومساعدوه على وضعها حالياً لتقرها الجمعية العمومية خلال النصف الأول من هذا العام، بحيث تكون الشركة متخصصة في مجالات الاستثمارات الرياضية وإدارة مشاريع كرة القدم. ومن خلال الشركة التي ستحمل في الغالب اسم الأهلي ومجموعة مستثمرين سعوديين، ستضخ السعودية المليارات المطلوبة لتنفيذ المشروع، كما سيحتفظ مستثمروها بحقوقهم في الأرباح وفقاً لتوزيع الأسهم.

وتأتي أزمة آل الشيخ لتفاقم التساؤلات عن مدى جدية السعوديين في المشروع، وما إذا كان قابلاً للتنفيذ أصلاً، وهي تساؤلات في حقيقتها كانت قائمة منذ الإعلان عن تمويل السعودية للمشروع وتنفيذها له من دون توضيح حجم الاستثمارات وحجم الاستفادة والشكل القانوني للتنفيذ بل وحتى مكان المشروع، ومن دون توضيح ما إذا كانوا فعلاً يهدفون للاستفادة من استثمارات طويلة الأجل في مصر، أم أنها مجرد مغازلة على سبيل التجربة يمكنهم الانسحاب منها في أي لحظة.

وكانت مصادر داخل النادي الأهلي وفي وزارة الشباب والرياضة، قد أكدت لـ"العربي الجديد"، في تصريحات سابقة، أن "السعوديين يتعاملون مع المشروع باعتباره غير قابل للفشل"، وأن "السفير السعودي السابق قطان يباشره بشكل شخصي مع الجهات المعنية والموزعة بين النادي والوزارة ووزارات الاستثمار والعدل والدفاع فضلاً عن رئاسة الجمهورية، فمجموعة المستثمرين السعوديين المشاركين يدفعون بقوة لإنجاح المشروع، ولديهم مخطط متفائل مستقبلاً لتعميمه على ناديي الزمالك والإسماعيلي وبعض الأندية العسكرية والتابعة لشركات حكومية خاصة في قطاع البترول".

مصير الشبكة التلفزيونية
أما المحور الثاني للتساؤلات المستقبلية، فهو المشروع الإعلامي الذي كانت ستموّله السعودية ويديره آل الشيخ، في صورة شبكة تلفزيونية جديدة كان من المقرر أن يتم تدشينها قبل نهاية العام، بتنسيق عالي المستوى بين الدائرة الخاصة للسيسي والمستشارين الإعلاميين لبن سلمان.
الخطة القائمة حتى الآن أن الشبكة السعودية لن تكون على شاكلة شبكة "إم بي سي" التي تخصص قناة لمصر، كانت وما زالت تبث برامج سياسية وترفيهية مصرية ويتم إنتاجها في مصر، بل ستكون الأولوية فيها للمحتوى المصري الموجّه للمصريين. وتم الاتفاق بالفعل مع عدد من كبار الإعلاميين الذين يقدّمون البرامج السياسية العامة والرياضية على قناة "أون" المملوكة حالياً لشركة "إعلام المصريين" التابعة لشركة "إيغل كابيتال" التي تديرها دائرة السيسي الخاصة مباشرة بأموال المخابرات العامة، وكذلك إذاعة "دي آر إن" المملوكة حالياً لشركة "هوم ميديا" التابعة لشركة "فالكون" التي يديرها رجال أعمال بإشراف من وزارة الداخلية.

وكانت عملية إنشاء الشبكة الجديدة تهدف في الأساس لتوسيع استثماراتها الإعلامية والرياضية في مصر، إذ كان من المقرر في البداية أن تقتصر الشبكة على المحتوى الرياضي، وتم الاتفاق بالفعل مع عدد من نجوم الإعلام الرياضي المصري على الانتقال للشبكة الجديدة. لكن في وقت لاحق تم تطوير الفكرة لتوسع الشبكة نطاقها، في ظل اتجاه دائرة السيسي ووزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد، المديرة التنفيذية لشركة "إيغل كابيتال"، إلى التخفيف من الأعباء المالية التي ورّثها إياهم رجل الأعمال المقرب من النظام أحمد أبو هشيمة، نتيجة إنفاقه مئات الملايين من الدولارات على مشروع "إعلام المصريين" من دون تحقيق أي أرباح تذكر.

وكان من الأسباب المباشرة للإطاحة بأبو هشيمة وتولي دائرة السيسي قيادة هذه المجموعة مباشرة، بواسطة وزيرة الاستثمار السابقة، أن السياسة المالية التي أدار بها أبو هشيمة المجموعة لم تعد ملائمة للتطلعات والإمكانيات أيضاً، إذ تسبّب اندفاعه في دفع مئات الملايين من الجنيهات لاستقدام نجوم الرياضة والفن وإنتاج برامج خاصة بهم، فضلاً عن إنتاج بعض المسلسلات عالية الكلفة، في تحقيق خسائر متتالية للمجموعة، وبصفة خاصة شبكة قنوات "أون"، وصلت إلى نحو نصف مليار جنيه، في الوقت الذي تسير فيه الصحف على نحو جيد على الرغم من ضعف التوزيع نتيجة حصول مواقعها الإلكترونية على نسبة قرّاء عالية ونجاحها في استقطاب معلنين ثابتين وناجحين.

وقالت مصادر إعلامية مطلعة لـ"العربي الجديد"، إن هناك اعتبارات عديدة قد تعرقل ولادة الشبكة الجديدة بسبب أزمة آل الشيخ، أو بالتوازي معها، منها عدم قدرة النظام على التصدي للهجوم الشعبي المستمر على آل الشيخ، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم المبادرة لتحسين صورته الذهنية لدى الجماهير، على الرغم من منع الحديث السلبي عنه في وسائل الإعلام التابعة للدولة.
ومن الأسباب أيضاً، أن الإدارة السعودية لم تتأكد بعد من نجاح تجربتها في إطلاق قناة SBC الجديدة وما صاحب إطلاقها من مشاكل مع المنتجين المصريين لبعض الأعمال الفنية، وتخوّف المصريين من الشروط السعودية في التعامل معهم وفي إدارة السياسة التحريرية للشبكة المرتقبة.
وتبعاً لتدوينات آل الشيخ، فمن المتصور أن تؤدي المشكلة بينه وبين الخطيب ومرتضى منصور وتهجّمه عليهما وفضحه ما جرى في الغرف المغلقة، إلى تخوّف الإعلاميين الرياضيين المصريين من التعامل المباشر معه، بحسب المصادر ذاتها.