عازفو السفينة الغارقة!

20 سبتمبر 2018


انتقل إلى رحمة الله الشاعر والكاتب الأردني الكبير خيري منصور بعد صراع مع المرض والحياة، ومنذ أن قرأت له أول مقال في صحيفة "القدس العربي" في منتصف التسعينيات، لم أتوقف عن القراءة له باهتمام وإعجاب بأسلوبه المتفرد.

كان له طريقة مميزة في كتابة المقال الصحافي الذي تمت استباحته في السنوات الأخيرة لأسباب ليس هذا مقام شرحها، ولأن الأستاذ خيري كان مثقفاً رفيعاً متمكناً من أدواته فقد كان يدرك أن كتابة المقالات الثقافية والفكرية يحتاج إلى أسلوب يجمع بين الوضوح والجاذبية، وهي قدرة لا يمتلكها كثيرون من الذين يمتلكون مضامين متميزة وأفكاراً مهمة، لكنهم يربطون الكتابة الثقافية بالتعقيد والألغاز، فيتوه منهم القارئ ويُحرم من التعرف على الأفكار الجديدة.

وللأسف الشديد لم يُجمع حتى الآن أغلب ما كتبه الأستاذ خيري عبر سنوات من الكتابة الأسبوعية واليومية، لكنني لا يمكن أن أنسى الكتب القليلة التي ضمت بعض مقالاته مثل (العصا والناي) و(ثنائية الحياة والكتابة) و(الاستشراق والوعي السالب) بالإضافة طبعاً إلى مجموعاته الشعرية، وأتمنى أن يهتم محبوه وعارفو فضله بالتراث الرائع الذي تركه خلفه، وبالذات مقالاته في صحيفة "القدس العربي"، والكثير منها يستحق أن يجمع في كتب ستكون مهمة وممتعة، خاصة أن الأستاذ خيري لم يكن في كثير من مقالاته بعيداً عن الاشتباك مع أزمات الواقع وهمومه، لكنه وهو يفعل ذلك، كان يحرص على التفكير فيه بشكل مركّب، لا يدعي امتلاك الحقيقة، ولا يزعم تقديم إجابات نموذجية، بل يدفع قارئه للتأمل والتفكير، خصوصاً حين يستشهد بقراءات مهمة من حصيلته المعرفية الثرية.

لا أنسى أبداً للأستاذ خيري مقالاً رائعاً كنت أستشهد به على الدوام كلما سألني أحد عن جدوى الكتابة في بلادنا العربية "المحمية بالحرامية"، إذا كان الكاتب يعلم أن ما يكتبه لن يغير شيئاً في الواقع أبداً، وخصوصاً إذا كان لدى الكاتب طرق أخرى يمكن أن يكسب منها عيشه، أذكر أنني قابلت عام 2007 أحد الشباب في أمسية بنقابة الصحافيين بالقاهرة، وسألني ذلك السؤال منفعلاً، وكأن استمراري في الكتابة برغم بقاء الأحوال على ما هي عليه يزعجه أكثر مما يزعجني، فقلت له بجدية إنني تركت الإجابة على سؤاله في البيت، فغضب وظن أنني أسخر منه، مع أنني كنت أقصد جاداً أن أدق وأفضل إجابة على سؤاله المشروع موجودة في ذاكرة جهازي المحمول.

كان الأستاذ خيري منصور هو صاحب تلك الإجابة التي نشرها في مقال بديع كتبه بعد أن شاهد فيلم (تايتانيك)، واختار له عنوان (عازفو السفينة الغارقة)، معبراً فيه عن مشاعر كل كاتب حر لا يشغله قلقه على مصير السفينة التي يستقلها عن شغف العزف الذي لا يهتم بغيره، ولا يرى غيره سبيلاً للنجاة.

خيري منصور (الفيسبوك) 


للأسف الشديد لم أجد نص المقال على الإنترنت، وهو ما يؤكد ما سبق أن قلته عن أهمية عدم الاطمئنان دائماً لبقاء المقالات على الإنترنت، لأنها للأسف تتعرض للحذف وتختفي حين تقوم الصحف بتغيير مواقعها أو تحديثها، لكني لحسن الحظ لا زلت أحتفظ بالمقتطفات التي كنت قد اخترتها من ذلك المقال الذي لا زلت أعتبره أفضل إجابة ممكنة على السؤال عن جدوى الكتابة في ظل واقع إن تغير ازداد سوءاً، فضلاً عن معالجته الرائعة لفكرة انشغال كثير من الكتاب بفكرة الخلود والتأثير السريع والقوي، أكثر من انشغالهم بالكتابة نفسها لا شريك لها.

أترككم مع بعض ما كتبه الأستاذ خيري منصور في مقاله قبل سنوات طويلة، لكنه لا زال صالحاً للنشر والتأمل، خصوصاً حين تدرك أن كاتبه أخلص لفكرة مقاله المهمة حتى آخر لحظة في حياته:

"عازفو السفينة الغارقة، هؤلاء الذين اعتصم كل منهم بآلته الموسيقية وواصلوا العزف، غير عابئين بمصير السفينة والمعارك الصغرى التي دارت بين عشّاق وأزواج وأغنياء وفقراء من أجل النجاة، تايتانيك، بدت لي هذا الكوكب بأسره ونحن على اختلاف طبقاتنا ونماذجنا البشرية ركاب السفينة، وهي تشب إلى حد بعيد سفينة نوح لأن على ظهرها أزواجاً من كل الكائنات، بدءاً من البشر حتى الكلاب والفئران التي تشم رائحة الغرق قبل حدوثه.

عازفو السفينة التي كانت تغرق شيئاً فشيئاً وسط ضجيج الاستغاثات، هم فنانو العالم الذين يدركون بأنهم فانون، وأن الطبيعة قد لا تكترث بهم وبما ينجزون، وربما لهذا السبب ترك الراوي في رباعية الاسكندرية للورنس داريل الطفلة تعبث بمخطوط روايته في مطبخ ذلك البيت المهجور في الجزيرة النائية حيث تعصف الريح في زوايا تعنكب فيها الزّمن، وبنى الصمت أعشاشه الرمادية في صدوع السّقف.

قال الراوي إن الطفلة التي لا تعرف معنى الكتابة وتعبث بالأوراق، إنما تشارك أمها الطبيعة لا مبالاتها بالإنسان والفنون، لهذا من الأفضل عدم ردعها، والفنانون الذين خُلِّدوا لم يخطر ببالهم أنهم سيفيضون عن مساحة قبورهم، ومنهم شكسبير الذي يقول أحد نقاده بأن فكرة الخلود لم ترد في ذهنه علي الاطلاق، بعكس العابرين الذين ألحوا على خلودهم لكن العالم نسيهم قبل أن ينفض الغبار عن ثيابه بعد دفنهم!

الفنان يرسم والشاعر والروائي يكتبان، وهم الأدرى من بقية الكائنات بأنه ما من بوليصة تأمين على استكمالهم لما يكتبون، وبالفعل ثمة فنانون ماتوا وهم في عز الرسم، وشعراء توقفت قلوبهم قبل السطر الاخير من القصيدة.لكن هذا كله لم يَحُل ولن يحول دون مواصلة العزف على ظهر سفينة تغرق، سواء حملت اسم تايتانيك أو اسم هذا الكوكب بأسره، وحين سئل موسيقي عن معنى قطعة موسيقية عزفها، أجاب على الفور إن الطريقة الوحيدة لشرحها هي إعادة عزفها، في السّفينة التي أسلمت نفسها للمحيط وأصبح الغرق المحتم قدرها، يصبح الموت أحد العازفين، لكن على آلة غير مرئية، قد تكون شرايين القلوب المصابة بالهلع، وقد تكون ذلك الرجاء الاخير الذي يبتكره الجسد، وهو يدافع عن بقائه رغم وفرة أسباب الموت وقرائنه.

في الفيلم، يصبح العزف جملة معترضة تلوح وتختفي، وسط سياق صاخب وينصرف الركاب جميعا عن الموسيقى إلى ما وراءها.وهنا يستعيد العازفون القوس الضائع من محيط دائرتهم الزرقاء لأنهم يبدأون العزف لأنفسهم فقط، وأحيانا يعزفون لأن عليهم أن يعزفوا وليس أي شيء آخر، تماما كما فضّل قبطان السفينة أن يغرق وهو ممسك بالدولاب رغم معرفته أنه عاطل تماماً. إن من يموت وهو مستغرق في مهنته يبقى موته ناقصاً، كأنه سيبقى إلى الأبد يقوم بالفعل ذاته، حتى لو لم يكن ذلك حقيقياً.

بالطبع لم يعبأ المحيط بالعازفين، وشملهم أخيرا بالغرق، تماماً كما أن المطر لا يعبأ بشاعر مدحه ذات يوم، لأن الطبيعة كما قال الراوي في رباعية داريل لا تكترث بما يخلقه الانسان، فهي تحوِّل الصرح الشاهق إلى طلل، وقد ترسل فأراً لقضم آخر حبل للنجاة في سدّ مأرب او الحدائق المعلقة.

إن ما يمنح الكائن البشري جلال التراجيديا التي حظي دون سائر المخلوقات ببطولتها هو إدراكه بأن ما يصنعه قد لا يبقى، وأن عوامل التعرية المزدوجة من الزمان والطبيعة تترصّد بمنجزاته، لكنه بالرغم من هذا الادراك يواصل العزف... ويموت وهو ممسك بآلته الموسيقية، لكي يظل يعزف إلى الأبد.!

إننا جميعا نكتب ونرسم وننحت ونغني ونعزف على سطح كوكب يغرق، لا بالمعنى الفيزيائي فقط، فالزمن يفترسنا ببطء كما تقضم الدودة التفاحة من داخلها ولا سبيل إلى مجابهة هذا العدو الأبدي والغاشم والأميّ الا بالعزف، رغم وعينا بأن أفعى الكوبرا الصمّاء لا ترقص طرباً على عزف المزمار، بقدر ما تحاول اتخاذ وضع مناسب للدغ أصابع العازف!".

رحم الله الأستاذ خيري منصور الذي مات مستغرقاً في مهنته، وهو يواصل العزف بتصميم وإتقان، وأعان كل العازفين في السفن العربية التي يصمم قادتها وكثير من ركابها، على الذهاب بها نحو غرق كارثي، ليس أمامنا سوى أن نواصل مقاومته ونرفض الاستسلام له، بأن نواصل فعل ما نجيده بإخلاص وشغف حتى النهاية.