عازفة الكمان في كربلاء

19 اغسطس 2019
أثار حفل افتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم في مدينة كربلاء، قبل أيام، حالة من الهيستيرية والهلع بين السياسيين والشخصيات الدينية، وانعكس ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، حيث أثار ردود أفعال معظمها تهكمية ورافضة لتلك المواقف. 
وكان الحفل شهد فعاليات فنية ومسرحية، شاركت فيها فتيات، عبر تقديم عرض فني محترم وعزف للنشيد الوطني العراقي على آلة الكمان. وحالة الهلع والهستيرية للبعض الذين طالبوا بمحاسبة القائمين على الحفل، جاءت على خلفية الزعم بتعارضه مع قانون "قدسية كربلاء"، المرفوض شعبياً، والذي "يجرّم" أية أجواء احتفالية أو سماع الأغاني في الأماكن العامة، كما يحظر دخول النساء غير المحجبات إلى المدينة.
ديوان الوقف الشيعي اعتبر الحفل "فعلا شنيعا يتجاوز الحدود الشرعية ويتعدى الضوابط الأخلاقية"، في حين أن رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، الذي تشرعَن في عهده الفساد والقتل ودمار المدن وتهجير أهلها، طالب الحكومة بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المقصرين، معتبراً حفل الافتتاح "تجاوزاً على حرمة المدينة، وهتكاً لقدسية مدينة الإمام الحسين عليه السلام".
وانضمت مليشيات عصائب أهل الحق، التي ارتكبت أبشع الجرائم في العراق من منطلق طائفي مقيت، هي الأخرى إلى جوقة المطالبين بالتحقيق في الموضوع. ولكن كل هؤلاء المتباكين على قدسية كربلاء المزعومة لم يخجلوا ولم يهتزّوا من الفساد والأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها البلد، كما أنهم يتجاهلون وبإصرار قيام نسوة من كربلاء وأطفالها بالبحث في القمامة عن لقمة يسدّون بها جوعهم، وهم على مقربة من مراقد كربلاء.
علت هذه الأصوات النشاز، في حين صالات القمار وأماكن الرذيلة وتعاطي المخدرات بين الشباب، لا تبعد كثيرا عن مراقد كربلاء، حسب ما أكد العديد من سكان المدينة. حتى إن ملعب كربلاء نفسه شابته عملية فساد تزكم الأنوف ولم يهتز أي من أصحاب الأصوات النشاز لها. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن كلفة إنشائه من قبل شركة "بهادير" التركية بلغت مائة مليون دولار، في حين أن الشركة نفسها أنشأت ملعب "سيفاس سبور" بالمواصفات والتصميم نفسيهما بكلفة بلغت 21.3 مليون دولار، والفرق فقط 78.7 مليون دولار، بالتأكيد ذهب هذا الفرق إلى جيوب فاسدة في السلطة.
ما جرى في حفل الافتتاح فن راق لا يسيء لأحد، وقد تكون محاولة لانتشال المدينة من حزنها المزمن وكآبتها المفرطة كما أريد لها أن تكون على هذا الحال، ثم إن الرياضة رسالة نبيلة جامعة للشعوب، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الأفكار الظلامية، التي أثبت أصحابها أنهم كارهون للحياة وجمالها.
صحيح أن أصواتاً كثيرة خرجت مستنكرة مواقف الظلاميين، إلا أن خطأ العراقيين، وهم كثر، أنهم قبلوا بطروحات تقديس المدن، بسبب الجهل المستشري حتى صارت حصناً للفاسدين والظلاميين الذين يروجون لمثل هذه الأفكار القبيحة. وعلى هذه الفئة أن تدرك أن قدسية المدن بعزتها وصون كرامة من يعيش عليها، مع أن القدسية الوحيدة هي لله تعالى وحده، ولا قدسية لسواه جلّ في علاه، مع كل التقدير والتبجيل للأئمة والصحابة المدفونين في شتى المدن، لكن حينما يكون الشعب صامتاً على الظلم والمهانة، لا شك أن تطفح مثل هذه القاذورات. ويبقى السؤال الذي يحير الألباب: أما يكفينا نحن العراقيين ذلة ومهانة على أيدي أعتى الفاسدين والمجرمين؟
تعليق: