عائلات ليبية بلا مساكن في سرت

عائلات ليبية بلا مساكن في سرت

03 فبراير 2019
الصورة
كانت بيوتاً في يوم (محمود تركية/ فرانس برس)
+ الخط -


ما زالت عائلة إسماعيل الخطري المؤلّفة من أربعة أبناء و18 حفيداً، تتنقل من بيت إلى آخر بعدما فقدت مساكنها في حي 700 الذي دمّر نتيجة المعارك التي استمرت أكثر من شهر بين قوات "البنيان المرصوص" وتنظيم "داعش" في سرت، الواقعة إلى شرق العاصمة الليبية طرابلس. والخطري عضو في رابطة لأهالي المنازل المدمرة تألّفت في سرت، لكنّه يوضح أنّ الرابطة لم تتمكن حتى اللحظة من فرض الحلول على الجهات المسؤولة، لتعويضهم أو مساعدتهم في بناء مساكن.

يقول الخطري لـ "العربي الجديد" إنّ "الرابطة تضم 352 عائلة من أصحاب المنازل المدمرة. ولم يتوقف الناشطون عن مخاطبة المسؤولين بدءاً من بلدية سرت وصولاً إلى الحكومة في طرابلس لكن من دون جدوى"، لافتاً إلى أنّ أوضاعه وأوضاع أولاده المادية لا تكفيهم لدفع بدلات الإيجار. ويتحدّث عن معاناة العائلات الأخرى، موضحاً أن "بعضها يعتمد على مساعدات الجمعيات الخيرية التي تنظم حملات تبرع في مدن ليبية عدّة لتأمين بدل إيجار للمتضرّرين. كذلك فإنّ عائلات أخرى تعيش عالة على أقاربها، وتتنقل بين منازلهم". ويشير إلى "عائلات تعاني أزمات مضاعفة، في ظل غياب المعيل نتيجة مقتله أو هربه بعد تورّطه في علاقات مشبوهة مع داعش". يضيف الخطري أنّ "كثيرة هي التهم التي ألبست لبعض الناس بسبب مواقفهم من ثورة فبراير، وكونهم من الموالين لنظام (الزعيم الليبي الراحل معمّر) القذافي. عائلاتهم الآن تعيش بلا مأوى، ويتخوف مسؤولو البلدية من الاقتراب منهم مخافة عقاب المسلحين الذين يتصرفون بحرية تامة على الرغم من تبعيتهم للحكومة في الظاهر".

تجدر الإشارة إلى أنّ سكان المدينة، البالغ عددهم أكثر من مائة ألف نسمة، نزحوا بمعظمهم من جرّاء عملية "البينان المرصوص" التي نفذتها قوات حكومة الوفاق في خلال عام 2016 لطرد تنظيم "داعش" الذي اتخذ المدينة عاصمة له في البلاد. وبعد عودتهم، اكتشفوا بغالبيتهم أنّ منازلهم إما مهدمة أو متضررة من جرّاء القتال والقصف الجوي المكثّف. وتفيد كشوفات مكتب الإسكان والمرافق في بلدية سرت إلى نحو أربعة آلاف منزل مدمّر وأكثر من سبعة آلاف منزل آخر في حاجة إلى صيانة، ما زال أصحابها مهجّرين منها، خصوصاً في أحياء 700 والجيزة البحرية والمنارة و650 والسكني الأول التي تحوّلت إلى ما يشبه مدن أشباح.




ويقول مدير جهاز تنفيذ مشاريع الإسكان والمرافق في بلدية سرت، حمد لودي، إنّ "ملف تعويض المتضرّرين مرّ بإجراءات معقدة. وبعد إعداد كشوفات أولية، تبيّن أنّ تزويراً كبيراً حدث في بيانات السكان. ثمّة مساكن غير موجودة أصلاً لكنّها مسجلة، وأخرى قائمة ويسكنها أهلها ما استدعى المراجعة". يضيف لودي "العربي الجديد" أنّ "مقرّ الجهاز تعرّض قبل أيام لقصف بقذيفتَي آر بي جي، واقتصرت الأضرار على الماديات. لكنّها رسالة تهديد من جهة تريد الاستفادة بشكل غير قانوني من التعويضات المالية، ما أثّر على مسار التنفيذ. كذلك عمد بعض المخرّبين إلى نشر أنباء تفيد بأنّ كشوفات التعويض تتضمن أسماء لقادة داعش من المنطقة، وهو ما نفيناه".

ويؤكد لودي "التدقيق مجدداً بالكشوفات من خلال تكليف شركات استشارية للبدء فوراً بعمليات حصر المباني المدمرة كلياً"، لافتاً إلى أنّ "الموثّق حتى الآن 3490 عقاراً، علماً أنّ الملفات المقدّمة أكثر بكثير". يضيف أنّ "المكتب يتعاون الآن مع لجنة مراجعة وتدقيق من قبل قوة البنيان المرصوص لرصد أي اسم مشبوه في الكشوفات. وقد ضعنا آلية جديدة ودقيقة تبدأ بإثبات ملكية العقار ثمّ مراجعتها من قبل اللجنة الأمنية في المنطقة، وبعدها تكليف شركات استشارية لحصر المباني المتضررة بناء على المستندات المقدمة، قبل مراجعتها مرّة ثانية للتأكد من خلوّها من أيّ أسماء مشبوهة، لتحال في النهاية إلى وزارة الإسكان في حكومة الوفاق". ويتابع أنّ "الآلية فرضها الواقع، ومكتبنا يعترف بأنّ المدة ستطول أكثر بالإضافة إلى عدم توفر الميزانيات الخاصة بوزارة الإسكان".

في سياق متصل، يكشف الخطري عن "صراع كبير بين وكيل الوزارة في البلدية وجهاز تنفيذ مشاريع الإسكان والمرافق بسبب تضارب الصلاحيات"، قائلاً "لا نعرف ما علاقة مسلحي البنيان المرصوص بمعاناتنا. هؤلاء زجّوا أسماء وهمية وأخرى لا تستحق التعويض بهدف السرقة. لا أبرّئ المسؤولين في البلدية، فهم متورّطون كذلك".




من جهته، يقول مدير جمعية "تراحموا" الخيرية، رجب الجاير، إنّ انتظار البلدية والحكومة أمر عبثي ومضيعة للوقت. ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "جمعيتنا تمكّنت من حلّ مشكلات ما يزيد عن 200 أسرة من خلال توفير أموال كبدلات إيجار، معتمدة على حملات تبرّع". يضيف: "تمكنّا من بناء 12 مسكناً عاجلاً وصيانة بيوت أكثر من 30 عائلة مشرّدة"، مشيراً إلى أنّ "عائلات كثيرة تعيش في العراء بلا مأوى، وحملات التبرّع التي تقودها الجمعية حتّمت عليها فتح فروع لها في أكثر من منطقة في البلاد". ويلفت الجاير إلى أنّ "حملات التبرّع كانت قد وصلت في بعض الأحيان إلى مناطق في شرق البلاد، وأنّ مجالس قبلية وفّرت أموالاً من خلال بعض أبنائها من رجال الأعمال"، مؤكداً أنّ "كل تلك الجهود تسير من خلال العلاقات الشخصية مع الوجهاء وأعيان القبائل ورجال الأعمال".​