ظلام بيروت

07 اغسطس 2020
الصورة

انفجار بيروت... طبقة سياسية مشغولة بأناقة ثيابها ورد التهم عن نفسها (حسين بيضون)

إنه الظلام في بيروت، يُحكم قبضته علينا كقاتل الأحلام في الدياجير الدامسة، مستولداً الكوابيس من أرحام بؤسنا وقلقنا. خفوت الضوء في آخر النفق أسوأ مما كنا نظن. لا شيء أقوى من سطوة الشرّ في لبنان، ولا قدرة لصنّاع الخير على مواجهته حتى الآن. كل شيء يدلّ على بلادٍ ليست سوى جثةٍ تنازع على ضفاف الشرق الأوسط، تحوم حولها النسور والضباع للانقضاض عليها. هذا ما جناه علينا انفجار مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الماضي، وهذه هي حكايتنا للعالم. أنقاض في كل مكان. ضحايا تنتظر من يرفعها لدفنها بإكرام. جرحى موزّعون في مستشفيات بين العاصمة وخارجها. 300 ألف مشرّد في بيروت التي اعتادت أن تكون فعل ثورة على كل شيء. ثورة على شريعة الغاب بصيرورتها "أم الشرائع". ثورة على الزلازل المتتالية على مرّ التاريخ التي حاولت دفنها، على الرغم من تشابك العاصمة مع مفهوم "القيامة الأبدية". لم يكن يوم الثلاثاء الماضي استثناءً في عمر بيروت المديد، لكنه كان تثبيتاً لإجرام من يدّعون انتماءهم إليها أو الدفاع عنها.

العالم هرول لمساعدة لبنان. اللبنانيون تدفقوا إلى موقع الانفجار. التعاون الشعبي كان نموذجياً. وحدهم من هم منفصلون عن الواقع كانوا يظنّون أن الانفجار وقع في بلادٍ بعيدة ولا تنتمي إليهم. يقول المذيع في قناة "أم تي في" المحلية، مارسيل غانم، لرئيس بلدية بيروت، جمال عيتاني، "هناك شاب وجّه رسالة إلى والده عبر الخليوي، يخبره فيها أنه تحت الأنقاض مع ستة أشخاص آخرين، فهل تستطيع إرسال أحدٍ للمساعدة؟". في أي حالة سابقة أو مستقبلية على هذا الكوكب، كان يمكن توقع الجواب، بطريقة "ماذا أفعل هنا، سأذهب بنفسي لنجدة الشاب ورفاقه"، أو "دقيقة سأجري اتصالاً سريعاً من أجل توجيه عمليات الإنقاذ نحو مكان إشارة الخليوي". لا، عيتاني لم يقل هذا بل قال "خليني كمّل حديثي (دعني أكمل كلامي)". هذا هو رئيس البلدية الذي انصرف إلى متابعة كلامه من دون أن يرفّ له جفن لإنقاذ سبعة أشخاص تحت الأنقاض. مواصلة الكلام بثياب مريحة وفي استوديو مريح وفي ليلة مريحة، أفضل بكثير من النزول إلى موقع الانفجار ومساعدة العالم. إنه بؤسنا.

مدير الجمارك بدري ضاهر، أحد المسؤولين الأساسيين عن مرفأ بيروت، ردّد مراراً أنه أرسل طلبات إلى قاضي الأمور المستعجلة عن نترات الأمونيوم، لكن القاضي لم يلبّه، حتى أنه توجّه إلى قناة أل بي سي، المحلية، بالقول: "ألتزم بالقانون الذي يجبرني على تنفيذ القرارات القضائية، ولفت النظر إلى وجود نترات الأمونيوم في المرفأ كان إضافة مني". إذاً إن ضاهر الذي هزّ لبنان بقيامه بعمليات بيع في المزاد العلني لبضائع متروكة في مرفأ بيروت، لأنه "يقوم بواجبه وبعمل جيد"، أي علينا أن نصفق له، يريد استغباءنا بأنه تحدث عن نترات الأمونيوم كعمل إضافي أو غير مدفوع. طبعاً، لا تستحق 2750 طناً من نترات الأمونيوم ضجيجاً كالذي حصل مع المزاد العلني. ولا يستأهل اللبنانيون ضوضاء إعلامية تدلّ على مخاطر وجود الأمونيوم في مرفأ بيروت، وتأثيرها السلبي على حياة الموظفين والمدنيين في الأحياء المجاورة للمرفأ. لكن ضاهر، كما عيتاني، يأبى تصديق هذه الحقيقة. إنه النكران.

الفاجعة أيضاً وجدت طريقها في كلام مدير المرفأ، حسن قريطم، لقناة "أو تي في" المحلية، إن إدارة المرفأ كانت على علم بأن المادة المخزّنة خطيرة عندما أمرت المحكمة، في بداية الأمر، بتخزينها في المستودع بالمرفأ، غير أنه أضاف إنهم لم يكونوا على علم بأنها "بهذه الدرجة" من الخطورة. طبعاً، يجهل مدير مرفأ حقائق البضائع، كمن يسلّم مريضا إلى شخصٍ غير ملمّ بالطب. إنه بؤسنا. هؤلاء يستمدّون قوتهم من طبقة وُجدت لقتل الناس فقط لا غير. وأي حقيقة مختلفة هي خداع للواقع.