طُرق الحرير ومجازاتها

12 يوليو 2017
الصورة
خريطة "مابا موندي" تعود للقرن 12 (مكتبة جامعة كامبريدج)

أصبحنا نعيش فترة انتعشت فيها محاولات إعادة صوغ الروايات التاريخية، خصوصاً في السنوات الأخيرة منذ مطلع الألفية. وهي محاولات تلمّح بالواضح، إلى ما يمكن أن نسميه تجاوزاً وتعدّياً للمدرسة ما بعد الحداثية، في التاريخ خصوصاً. هذه الأخيرة التي ابتعدت قليلاً عن السرديات الكبرى، واهتمّت طيلة العقود الأربعة الأخيرة بالتخصص الدقيق، وتاريخ "الأشياء الصغيرة".

نشهد اليوم في كثير من المشاريع البحثية، والمجهودات داخل الأكاديميا التقليدية، وخارجها، عودةً للتاريخ باعتباره "سردية كبرى"، وصورة شاملة وإن ادعى بعضها أنه جاء ليهدم سرديات كبرى أخرى يراها ناقصة، خصوصاً تلك التي تجد جذورها في الأيديولوجيات الصلبة، وفي الروايات الدينية.

وليس أدلّ على هذه النقطة الأخيرة، من مثال عددٍ من المشاريع البحثية "العملاقة"، التي بدأت تظهر خصوصاً في أستراليا والولايات المتحدة، انطلاقاً من تسعينيات القرن الماضي. أهمها مشروع "التاريخ الكبير" Big History، الذي يحاول وبمنهج متعدّد وعابر للتخصصات، إعادة تركيب الرواية التاريخية للكون وليس للعالم فقط، من خلال الاهتمام بخط زمني طويل وممتد، يعود إلى الانفجار الكبير، ويستمر إلى التاريخ الحديث والمعاصر، بجمع مختصّين في العلوم الإجتماعية والإنسانية، والعلوم الطبيعية، والكيمياء والفيزياء والكونيّات.

ولعل أشهر أعمال هذا التوجه موقع "كرونو زوم" المفتوح للعموم رغم عدم اكتماله، وكتاب "التاريخ الكبير: الانفجار العظيم، الحياة على الأرض، وصعود الإنسانية" لـ ديفيد كريستيان.

وفي مشروع ربما يبدو أصغر بكثير من المثال السابق، لكنّه على نفس الأقدر من الأهمية، وفي تحدٍّ واضح للرواية التاريخية الغربية المهيمنة، القائلة بأن سيرورة التأريخ تبدأ "علميّاً" مع أوروبا، من تاريخ الإغريق والرومان، إلى العصور الوسطى، والتنوير ثم أوروبا الحديثة، يقترح الأكاديمي البريطاني بيتر فرانكوبان، في كتابه "طُرق الحرير: تاريخ جديد للعالم"، محاولة لتجاوز هذه الرواية المهيمنة،

عائداً إلى أكثر من ستة قرون قبل الميلاد، مسافراً بنا عبر "طرق الحرير" الفعلية والمجازية، منذ تلك الفترة وحتى يومنا الحاضر، ليؤكد رسالة واضحة "التاريخ بدأ من الشرق"، أو في أقل الأحوال "لم يبدأ من أوروبا المسيحية وحدها"، وليقول بأننا كنا نرى التاريخ من زاوية ضيقة، ونرى الحاضر بتفاؤل وغرور أكبر من معطيات الواقع.

يقوم فرانكوبان، بالعودة إلى نقطة الارتكاز التاريخي إلى الشرق في الصين، والهند، وبلاد فارس خصوصاً، وكيف أنها أثّرت بشكل كبير، على مراكز القوة في العالم القديم، وطرق التجارة والازدهار الاقتصادي. وحين يعود إلى تأريخ أوروبا -خصوصاً الشق الروماني والمسيحي منها-، يقول بأن "اهتمامها كان دوماً نحو الشرق، ولم تستطع الصعود إقتصادياً، وسياسياً إلا بعد احتلالها مصر، والشام، وتأسيس قسطنطين للقسطنطنية".

وكيف أن تدبير علاقاتها بالشرق -سلمياً وحربياً- خصوصاً في النقطة الأدنى: فارس و"الهلال الخصيب"، هو الذي "كان يمكنها من الاستمرار أو الاندثار". كما أن الارتكاز السياسي في منطقة "الشرق الأوسط" في العقود الأخيرة، والتوجه الغربي/الأميركي اليوم نحو آسيا في ظل التهديد الصيني، يؤكد استمرار نفس منهجية الاهتمام ذاتها التي نشأت قبل ألفيتين.

يؤصّل فرانكوبان للتسمية "طرق الحرير"، ويقول إنها تسمية حديثة لم توجد قبل نهاية القرن التاسع عشر مع الجغرافي الألماني فرناند فون ريشتوفن، والأرجح كما يقول أنه سميّ بهذا الاسم لأن "الحرير كان أغلى المنتوجات التي تسافر عبر هذا الطريق، (إلى حد أنه) استخدم عملة للتبادل ولدفع أجور الجند". قبل ريشتوفن، وفي العصر الذي كان نشيطاً فيه، لم يكن سوى طريق للتجارة، والسفر، وخط واصل حامل للبضاعة والأخبار بين آسيا وأوروبا لقرون.

وطريق الحرير هو اليوم مجاز لكل العملات وطرق التجارة، ومعابر ونقط التحكم في التدفق الاقتصادي، والسيطرة السياسية. فإذا غيّرنا الحرير بالذهب، أو بالنفط (الذهب الأسود)، أو بالدولار، ربما لن يتغير الشيء الكثير.

لقد شكّلت التجارة العابرة للقارات، عبر طريق الحرير، في تلك الفترة، "شكلاً أولياً من أشكال العولمة". ربما ليس كما نعرفها اليوم سرعةً وآنية وفعالية. لكن "تغير الملوك، وشدة الحروب، وترسيم الحدود في فارس، كان يؤثر في الهند والصين.

كما أن انقطاع الأحصنة القادمة من حدود نهر الفولغا كان يؤثر على المعارك في الشرق الأدنى وأوروبا". فـ "في كل أسواق العالم النشيط كانت تتجاور منتجات من كل حدب، بهارات الهند واللبان العربي، وأواني فرنسا وحرير الصين، رخام فارس، وأحصنة منغوليا". يصبح طريق الحرير، خط استواء (اقتصادياً وسياسياً) جديداً، وخطاً قاسماً لخريطة العالم، على الأقل كما تتصوره خريطة "مابا موندي" Mappa Mundi، التي كانت منتشرة لعقود طويلة في أوروبا.

وطرق الحرير اليوم، لا تختلف كثيراً عن هذا التوصيف، فمسارات ناقلات النفط البحرية، وخطوط التجارة الجوية العالمية، وشبكات اتصال البنوك والشركات، لا تزال تلعب نفس الدور وإن بسرعة ودقة وفعالية أكبر.

يعرّج المؤلف عبر كتابه على طرق حرير مجازية موازية، عبر خمسة وعشرين فصلاً، من "طريق الأديان"، مروراً بـ"طريق الثورة" و"طريق العبودية"، و"طريق الذهب"، ليصل إلى العالم الحديث والمعاصر بـ "طريق الذهب الأسود"، و"طريق الحرير الأميركي"، خاتماً كتابه بنظرة تشاؤمية إنذارية بفصلين عن "طريق الكارثة"، و"طريق المأساة"، قارئاً فيهما حاضر ومستقبل العالم المعاصر، وما ستؤول إليه أوضاع العالم والأمم.

والفصول الأخيرة ربما تعتبر ردّاً مقصوداً أو غير مقصود من فرانكوبان، على الرواية القائلة بأننا نعيش أكثر فترات التاريخ سلماً، وأقربها إلى الهدوء والتقدّم والرفاه، خصوصاً أطروحة ستيفن بينكر في كتابه "أفضل ملائكة طبيعتنا: لماذا تناقص العنف؟". وهذه الأطروحات كلها تنبني على تصوّر شمولي وتطوّري للتاريخ، فهل نحن أمام عودة إلى السرديات الكبرى، أم تراها مرحلة جديدة لم تظهر معالمها بشكل واضح بعد؟